التقابليّة وثنائية(الاستعباد والحرية) في روايةِ (الأسود يليقُ بكِ) لأحلام مستغانمي وأثرها في تماسك النصّ وتأويله

4

التقابليّة وثنائية(الاستعباد والحرية)
في روايةِ
 (الأسود يليقُ بكِ) لأحلام مستغانمي 
وأثرها في تماسك النصّ وتأويله
بحث منشور في مجلة  بحوث اللغات/تكريت/العراق ع1، 3 ابريل 2018م

                                                                                       د.أيوب جرجيس العطيّة 




 تقريظ نقدي.

   
لقد جاء بحث الزميل الفاضل الدكتور أيوب جرجيس العطية محاولة جادة وأصيلة في مضمار نحو النصّ والأسلوبية،فقد أعمل إزميله المعرفي في حقل رواية (الاسود يليق بك) للروائية الجزائرية( أحلام مستغانمي) ليرصد ظاهرة التقابل وأثره في تماسك النص في متن الرواية .
    واتبع الباحث في طروحاته العلمية أسلوباً ريادياًغير مطروق،ولا سيّما في: التقابل بين الآليات الساندة للشخصيات أو الاحداث.
   وبهذا استطاع الباحث أن يعيد الحياة لواحدة من المفاهيم البلاغية التي كادت أن تنسی وتهمل؛ لكثرة تداولها في ميدان الشعر والنثر بصورة ميكانيكية وروتينية مملّة ،ووضعها بين يدي القارئ بحلّة قشيبة .

 د.خليل شيرزاد علي –جامعة كرميان/العراق




مُقدمة



   مُلخص الرواية:(الأسود يليق بك) هي رواية مشهورة للكاتبة الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، صدرت عام 2010م عن دار نوفل، تتحدث الكاتبة فيها عن طبائع بلادها،و حجم معاناة المرأة الجزائرية في بيئة لا تعترف بالغناء والموسيقى، وتستخدم  اللون الأسود رمزا تعبر فيه عن شخصية البطلة ،تلك الشخصية التي واجهت الصعاب والمحن، وقررت أن تصبر وتصمد وتعبر الطريق الى مستقبل أزهى، وتشهد الرواية كثيرا من التفاصيل والصراعات والعاطفية المتأججة التي اعتادت مستغانمي أن تزركشها بلغة أدبية متميزة.
   وتدور الرواية في الأصل عن مليونير لبناني ناهز الخمسين سنة،اسمه(طلال) أعجبته مطربة جزائرية (هالة الوافي)وهي في السابعة والعشرين من عمرها شاهدها السيد طلال  مصادفة في برنامج على التلفاز فقرر أن تكون له.
    و يبدأ طلال الذي سعى جاهدا ؛ليُثري بناءه الثقافي في الموسيقى والفن والشعر واضعا الخطة تلو الخطة للإيقاع بهذه الحسناء التي ترتدي الأسود حدادا على مقتل والدها وأخيها خلال الاضطرابات التي شهدتها الجزائر في مطلع القرن الحالي.فتنتقل البطلة الى بيروت مع حبيبها، حيث صادفت هناك أحداثا كانت نقطة تحول غيرت حياتها وتفكيرها، خاصة بعد قربها من عشيق الذي يكبرها بعشرين سنة، رأى الأسود رمزا لها تميزت به من غيرها لذا التصق بها.
 لكن المفارقة في نهاية الأحداث أنّ هالة، ترفض اقترانها به، وتنبذ تلك الحالة التي عاشتها معه، فلا تبالي بسلطة قهره وماله، بل تصحو، وتقرر أن تواجهه بشخصية اختلفت عن مواقفها السابقة، تاركة اللون الأسود،لتلبس الازوردي، بعد أن كانت تعده رمزاً لذاك الحب، لتعلن رفضها هذا الحب.

منهج الدراسة :

    ويتّخذ الكاتب(التَّقابليّة)و(الدراسات النصيّة أو نحو النّصّ)منهجا للدراسة الذي يُعنى بقضية التماسك والانسجام في النصّ؛أيْ ما يجعل النصَّ نصّاً،ويحقق للنصّ تماسكه جملةٌ من العناصر اللغوية اللفظية،والمعنويّة التي يقسمها الباحثون إلى قسمين:
أحدهما: وسائل شكلية ، سمّاها أصحاب الدراسات النصيّة بـ( السَّبْك ) أو ( التماسُك ) .
الآخر: وسائل دلالية ، وسمّاها أصحاب الدراسات النصيّة  بـ(الحَبْك ) أو ( الانسجام).([1]) سنفصّل القول فيها في معايير النصّ .
 فالسبك: في علم اللغة الحديث يهتمّ بالربط اللفظي([2])، فالنص وحدة تترابط أجزاؤها عن طريق أدوات ربط ظاهرة أو  صريحة، فالسبك إذن يتعلق بالبنية الشكلية أو السطحية للنصّ،ويتم السبك من خلال أدوات تعمل على تتابع الكلمات تتابعا صحيحا من الوجهة النحوية والمعجمية من ذلك: الإحالة،وهي تشمل ما يتعلق بالضمير،وما يتعلق بالوظيفة كالكلمات الدالة على الملكية، والإشارة،وما يتعلق بالظرفية كظرفي الزمان والمكان، والإحالة الوظيفية، وإحالة المقارنات،([3]).والتبادل (الإحلال).والحذف، والتماسك المعجمي، ويشمل التكرار، والترادف،والتقابل .
وأما الحبك:فهو يعني ربط النص من حيث المعنى([4])؛ أي بالبنية التحتية لأدوات الربط الظاهرة،فهو إذن يتعلق بالعلاقات الدلالية، أو العلاقات غير المنظورة، مثل: ربط العام والخاص، والإجمال والتفصيل، والسبب والمسبب.
   لذا اعتمد المؤلف التقابل الذي يشكل جزءاً من( السبك/التماسك) آليةً من آليات ترابط النص،وتماسكه، وسيظهر أنه شبكة من العلاقات البنائية والدلالية التي تُسهم في نسج النصّ، وربطه وتعالقه،وتحقق ذلك التماسك والترابط في نصوص قرآنية وشعرية سابقة  ([5]) .
وإذا كان الأمر هكذا في الدّرس البلاغي، فإنّه لا يختلف في الدّرس النصّي أو علم اللغة النصّي، ولابدَّ من وقفة قصيرة عند هذا العلم الذي تبنى دراسة النّصّ باعتباره الوحدةً اللغويّةً الكبرى أو حسبانه صرحا دلاليا.
ثالثاً:تعريفُ نحوِ النصِّ ، ونشأتُه :
هو مصطلحٌ لساني حديث ،عُرِف في الدراسات اللسانية الأوروبية الحديثة ، وتباينت ترجماته إلى العربية، فمنهم من ترجمه إلى نحو النص، وترجمه آخرون إلى نحو النصوص،وترجمه آخرون إلى علم النص،أو لسانيات النص وهو في الانجليزية(Text Grammar )
وهو العلم الذي يدرس النصَّ بوصفه الوحدة اللغوية الكبرى،ويبيّن جوانب عديدة فيه،منها: التماسك والترابط وأنواعه وأدواته ، والإحالة وأنواعها ،والسياق النصي ودور المشاركين في النص عند إنتاجه وتلقّيه ، سواء كان منطوقًا أو مكتوبًا ([6])  .
ونحو النصّ هو  نمطٌ من التحليل ذو وسائلَ بحثيةٍ مركّبةٍ ، تمتدّ قدرتها التشخيصية إلى مستوى ما وراء الجملة،بالإضافة إلى فحصها لعلاقة المكوّنات التركيبية داخل الجملة،وتشمل علاقات ما وراء الجملة مستويات ذات طابع تدرّجي ، يبدأ من علاقات ما بين الجمل intersentential relations ))، ثمّ الفقرة paragraph) ) ثمّ النص ( text ) أو الخطاب   discourse ) )بتمامه.
ويراعي نحو النص في وصفه وتحليلاته عناصر لم توضع في الاعتبار من قبل في( نحو الجملة) ويلجأ في تفسيراته إلى قواعد دلالية ومنطقية فضلا عن القواعد التركيبية ويحاول أن يقدم صياغات كليّة دقيقة للأبنية النصية وقواعد ترابطها  ([7]) .      
ومن الواضح أنّ نحو النصّ يحاول حلّ كثيرا من القضايا المتعلقة بتحليل القول التي تتعلق بما وراء الجملة من علاقات ووسائل ربط فالوقوف على الكلمات والجمل في تحليل النصوص لن يسهم في الكشف عن الخواص النوعية المميزة للنصّ([8]) .
وإذا كانت الجملة ( وحدة نحوية ) ، فالنص ليس وحدة نحوية أوسع ، أو مجرد مجموع ( جُمَل ) كبرى ،إنما هو وحدة دلالية لها معنى سياقي يتحقق في شكل (جمل) . وهذا ما يفسر علاقة الجملة بالنص ؛ إذ هي المجسد الأول للوحدة الدلالية الكبرى التي يشكلها (النص) في موقف اتصالي معين .
فمنهج نحو النص وصفي تحليلي, وهذا المنهج يقوم بمحاولة فهم الظاهرة اللغوية, والكشف عن القوانين التي تحكم النص, فهو ينطلق من النص وينتهي منه, فالقدامى فكرهم يميل إلى الجزئية والمحدثون يميلون إلى الكلية.
أمّا (هاليدي ورقية حسن) فرؤيتهما للنصِّ مبنيّةٌ على فكرةِ التَّماسُك والتَّرابط، فكل متتالية من الجمل تشكل نصا على أساس من العلاقات بين عناصرها ([9]).




[1] ينظر: علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، صبحي إبراهيم الفقي،الجزء الأول،دار قباء،القاهرة ،1421هـ، 2000م.ص96 .
[2] - ينظر: نظرية علم النص، نظرية علم النص، فرج، حسام أحمد، ط1، مكتبة الآداب بمصر ، 2007م. ص: 78، 79
[3]  -ينظر: نظرية علم النص، ص: 127
[4] - ينظر: نحو النص اتجاه جديد في الدرس النحوي، أحمد عفيفي، ط1، مكتبة زهراء الشرق ، القاهرة ، 2001م.ص90.
[5] -ينظر مثلا : ،وحاشية أسلوبية على معلقة امرىء القيس في كتابي (الأسلوبية في النقد العربي المعاصر )،د. أيوب جرجيس العطية ،عالم الكتب الحديث ،الأردن ،2014 .      
[6] - علم اللغة النصي بين النظرية والتطبيق، صبحي إبراهيم الفقي، دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1 ، 2000 م القاهرة، ص36.
[7] - علم لغة النص سعيد بحيري، مؤسسة المختار، 2003،القاهرةص119 .
[8] - بلاغة الخطاب وعلم النصّ د.صلاح فضل ،عالم المعرفة، 1992 م، الكويت ص253
[9] - لسانيات النص لمحمد خطابي،1991 ، المركز الثقافي، بيروت، ص13 .



  في المحاور الآتية سنتحدث عن التقابل،وكيف أصبح شبكة دلالية وبنائية عجيبة في إظهار صنعة النص وبداعته،وربطه،وتشابكه([1]).
المحور الأول:التقابل في بناء الرواية([2]) وموضوعها:
     توطئة: إن المتأمل للرواية يجد أنها احتوت على تقابلات كثيرة بنوعيها : تقابل لفظي،وتقابل دلالي أو معنوي.
فلا تجد صفحة تخلو منها، وقد ترى الصفحة الواحدة تمتلئ بأكثر من عشر تقابلات فما بالك  برواية من 330 صفحة.. ؟؟،وهذا الأمر قصدته الكاتبة قصدا (ستتضح في مواضعها..)
     وهذه التقابلات يلحظها في جميع عناصر الرواية:في بناء الرواية،وفي سير الأحداث وتطورها،وفي الزمان والمكان والشخصيات،بل تعمدت الروائيّة أن تجعل التقابلات حتى في(الآليات الساندة) لتوصيف الشخصيات،أو سير الأحداث،فإنْ ذُكرت هذه الآلية مرة أو مرتين فهي ساندة للشخصية مثل(الخمر،والطاولة،والكلب،والصحون..)وإنْ ذكرت كثيرا فهي لدعم سير الأحداث حتى النهاية مثل:(الصوت والموسيقى والناي والهاتف وباقات التوليب).
     ويلحظ أنّ معظم هذه التقابلات هي ثنائيات متضادة أو متناقضة، رصد الباحث تلك الثنائيات بعد تأمل وطول نظر،وتقليب الفكر،ثم يحاول من خلال فهم التقابلات والنظر في مجريات الأحداث،ثم من خلال بعض العبارات التي ترد في النص وتسميتها تسمية توافق فكرة النص وفحواه أيّاً  كان نوعه..،وأطلق عليها ثنائية: (الاستعباد) و (الحُريّة )؛لأنّ الرواية في أغلبها تتحدث عن استعباد بعض البشر لغيرهم عاطفيا أو سياسيا كما سيتضح لاحقا .
    ويمكن الاستعانة بإشارات لفظية توحي إلى تلك الثنائيات أو التقابل ...من ذلك ما ورد عن( (الاستعباد )):
  ((خرجت للغناء لكسر القيود التي يكبّل بها الرجل العربيّ المرأة..ص77 ))،و((سيرغمها على قطع مراحل في العبوديّة. ص291 ))، و((فجأة أصبح الهاتف نوعاً من أنواع  (الاستعباد) والإهانة أيضاً.ص151))، و((وهو يمجّد سوادها، كان يريد أن يُديم استعبادها، ص330 ))، و(( أأسرها بقوة شخصيته؟  ص127))، و ((فهي تريد هذا الرجل.شيء ما فيه يأسرها ص149))، و((يملك طغيان البحر مداً وجزراً. ص251  ))، و((هو يملك جبروت المسافة. ص255 ))، و((لقد أكسبها الظلم حَصانة الإيمان. مذ أدركت أنّ طغاة الحبّ كطغاة الشعوب، جبابرة على النساء، وصغار أمام من يفوقهم جبروتاً، وأنّ سيّدك أيضاً له سيّده، وطاغيتك له من يخشاه، صغُر السادة في عينيها، وغدت سيدة نفسها.))
 أما الألفاظ الدالّة على (الحريّة) التي وردت في الرواية فمنها:
  قولها:((لم تلتق من قبل مع رجل في مدينة تتنفّس الحرِّيّة ص54 )) و(( كأنّما الموت غنيمة حرّيّة، ص61 )) و((صوتُها الليلة يُغنّي لحرّيتها.ص328  ))، ولا أدلَّ من عبارتها هذه في التصريح بهذه الثنائية العجيبة :(( كلما شفيت من عبوديّتها، عانت من وعكة حُرّيتها ..ص303 ))
     و لم تتوقف هذه الثنائية عند حدٍّ معين أو حركة معينة من حركاتها، بل كانت تتوالد وتتناسل فبدأت من العنوان أو الرأس أولا،ثم نزلت في جسد النص،وشملت بناء الرواية وأحداثها وحركة سيرها،والمكان والزمان،والشخصيات،والآليات التي ساندت الأحداث أو توصيف الشخصية فغدت شبكة بنيوية ودلالية تمسك النص وتعالقه من بدايته حتى أخرياته .وعليه فإنّ القارىء هنا سيرى أمراً عُجاباً فيما صنعه الكاتب/السارد،ويرى عجباً فيما سيصنع الباحث .
 أولا: التقابل في بناء الرواية :رواية (الأسود يليق بكِ) قصة عادية،لكنها مثيرة بالوقت نفسه تدور بين بطلين ينتميان إلى عالمين متناقضين؛لأنّه هي امرأة من أنغام وهو رجل من أرقام.. ولا يمكن للون أن يجمعهم ص297، تدور أحداثها في المسارح والمطارات والعواصم المتعددة والبعيدة،تصف الكاتبة عما يدور بين حبيبين في الزوايا المظلمة،ولا تنفصل عن البيئة السياسية والاجتماعية المشحونة بمخاضات عسيرة، ومؤامرات مريرة،وتتحدث صراحة عن أحداث الجزائر التي وقعت تحت شرور التطرف،ومجازر المسلحين الجهاديين،ورجال الدولة الانتهازيين،مُزاوجة بين أحداث بدءاً من الجزائر،مروراً بالعراق، ثم سوريا: مقر إقامتها.
   تقدم الروائية قصة حب عصرية،فبطلة الرواية(هالة) ذات الرداء الأسود،لبسته حداداً على قتل والدها بأيدٍ إرهابية،وعلى شاشات التلفاز رآها البطل (طلال)الثري الذي أصبح أسيرا لهذه الطلّة الحزينة إلا أن هاجسا في داخله أخبره بأن الفتاة هذه سيكون لها شأنٌ خطير في حياته.
   بدأت الحبكة الدرامية من خلال باقة ورد وصلت البطلة هديةً من مجهول، نُقش عليها عبارة (الأسودُ يليقُ بكِ). لقد رأى (طلال) في البطلة ما لم يجده في غيرها،فرأى شموخا وكبرياء صنعتهما أقدارها، فقد اعتادت أن ترى العالم من فضاء الطهر والإباء.
   وبدأت خططه باستدراج الجميلة،وأول خطة:باقة الزهور،وأي شبكة أفضل من باقة زهور لجذب امرأة بدا أنها راقية ،ثم تتوالى هذه الباقات تترى ..
     ومن هنا بدأت الحكاية وتوالت العبارات الجميلة،والمواعيد المزدانة ب(باقات التوليب) إلى أن نجح الصائد باستدراج الفريسة،كلفته الكثير من المال والوقت.ونمت القصة بحسب هذا الصراع الساخن بين امرأة ورجل،هو يتباهى بماله وغطرسته،وهي تتباهى بشموخها،وصفاء قلبها.وهل تخلو علاقة شائكة من حروب صغيرة ورهانات ومنازلات بين الطرفين؟
     بدأت الرواية من النهاية من فراق الحبيبين،فالحبيب تأبى عليه مكابرته أن يعترف حتى لنفسه أنه خسِرها (حبيبته) بل هو يدّعي أنها هي من خسرته، وأنه هو أيضاً مَن أراد لهما فراقاً قاطعاً كضربة سيف.
  فالبداية تشير إلى النهاية،عبر الإشارة إلى مغامرها..... يظهر أن الرواية بدأت من الأخير من خسارة الحب ونهاية القصة من غلق الرواية من غلق البيانو بعد الانتهاء من العزف.. كأنها لعبة عكسية البداية فيها نهاية،والعكس هو الصحيح.. فالرقص يرافق الموسيقى وعندما ينتهي العزف يغلق البيانو تلقائيا.
  وعليه الرواية تحسب نهايتها من النهايات المغلقة بحسب لفظه،ولكن الحقيقة تبقى مفتوحة بحسب دلالتها مثل نهاية الحب،فحرصت فيها الروائية على استرجاع الماضي للأحداث؛لتبدأ من النهاية،ثم تستحضر الأحداث تباعا،مثل فيلم سينمائي؛لتضع القارىء أمام تساؤلات عّدة، ولهفة شديدة منذ اللحظة الأولى عن الأسباب التي أفضت إلى مثل هذه النهاية .
حرصت مستغانمي على تقسيم جسد الرواية على (أربع حركات)، كلُّ حركة منها تفرعت إلى ثلاثة فصول(ثلاثة تحولات) ،فيكون مجموعها اثني عشر فصلاً هنَّ مدارات الرواية،وكلّ فصل لا يحمل عنوانا بالطريقة المعهودة،وإنما صدر بعتبة قولية إما من إنشائها هي،أو من آخرين كـ(جلال الدين الرومي،ونيتشه،ومايكوفسكي،وعمرو بن معد يكرب،والإمام علي بن أبي طالب،)وغيرهم،في موضوعات(الحياة،والحب،والمرأة،والرجل،والحكمة،والمال،والسعادة والتعاسة،والخسارة والربح،والموسيقى)حتى يبقى الفصل مفتوح الاحتمالات والتأويل في ضوء القراءات الناقدة لتنوير نصِّها بمفاتيح لفظية تدلّ على ثقافتها المعرفية المتنوعة ودعم المحمول الدلالي للرواية.
 إذن هي حركات،وليست فصولا ولا رموزا لعنوان روايتها،ومن أجل بطلة الرواية المنكوبة، عزمت أن تنثر كل آهاتها في نوتات موسيقية تضمّها رواية هي (الأسود يليق بكِ)، أيْ يعني أننا أمام سردية موسيقية تتمثل بحياة بطلة الرواية (هالة الوافي).ولما كان النغم لا يظهر إلا بحركات صوتية، فإن حياة (هالة )، أربع حركات نغمية هن فصول الرواية.
    تقوم الرواية في بنائها على إيدلوجيتين متناقضتين:هما قضية (الاستعباد ) وقضية (الحريّة )،وهذا يسرى في كلِّ القضايا السياسية،والاجتماعية،والنفسية التي احتوتها الرواية،ففي قضية المرأة التي شغلت حيّزا كبيرا من الرواية يظهر الطرف الأول من التقابل وهو(الاستعباد ) ويتمثل باستعباد عواطف المحبوبة ومشاعرها ثم استعباد الجسد بكلِّ ما أوتي من قوة ومال ومهارة صيد،بل يحاول قتلها حين ظنّ نفسه صياد النساء والثروات وسيد الأعاصير،و ((لشدّة رغبته بها، قرّر قتلها كي يستعيد نفسه،وإذا به يموت معها،فسيفُ العشق كسيف الساموراي،من قوانينه اقتسامُ الضربة القاتلة بين السيّاف والقتيل.ص11 ))
   يتماهى(الاستعباد) العاطفي مع (الاستعباد)السياسي المتمثل في رجال الأمن السياسي والعسكر،والانتهازيين والتكفيريين الذين حاولوا استعباد الناس في عقولهم وأفكارهم حتى في أجسادهم.
   وبالمقابل سعت البطلة (هالة) إلى حبّ  طاهر وعفيف ترى فيه السعادة، والاستقرار العاطفي والأسري غير أن قيوده طوّقتتها،فإما أن تنجرف معه،وإما أن تثور،وتكسر تلك القيود لتنال(الحرية)،فالحرية تهب الحياة،واختارت حرّيّتها،وتتماهى هنا شخصيات مثل(نجلاء،والأم،والأب،وعلاء ..) مع الساعين إلى الحرية والهروب من (الاستعباد) والموت...
   
ثانيا: التقابل في موضوعاتها:
    إنّ موضوع الرواية رومانسي يحتفي بالحب والنجاح  مع ومضات سياسية من خلال قصة حبٍّ كبيرة تختم بالفراق بين حبيبين التقيا على عجل ،((فكلّ مايأتي على عجل يمضي سريعاً، وكل ما نكتسبه بسرعة نخسره بسهولة.وهو بلغ من الحكمة عمراً، أصبحت فيه متعة الطريق تفوق متعة الوصول، وانتظار الأشياء أكثر شهوة من زهو امتلاكها.ص 44)) وتذكرنا الكاتبة بحكمة: (( لا تضع حطبكَ دفعة واحدة في موقد من تحب، عليك أن تبقيه مشتعلاً بتحريكه 44))،فيجعل القارئ في شغف لمتابعة أحداثها ووقائعها([3]). 
   فالرواية معمارٌ فنيّ يجمع الحب والحياة،تحدّت فيها ألم الموت والفراق، والقتل والإرهاب العاطفي والسياسي،وأوهام الدكتاتورية كرجال الأمن العاطفي والسياسي؛لترجح الحياة والحب والحرية والتعالي على كل الجروح والنكبات.
    وتتطرق الكاتبة بموازاة قصّة الحب إلى موضوعات اجتماعيّة وسياسيّة تمسّ المجتمعات،وتتطرّق إلى هموم كلِّ إنسان،فتطرح كذلك مشاكل كثيرة مثل:(الحرب،والإرهاب،والمال،والذكورة،)،وفي الرواية آراء كثيرة حول المرأة،والحب،والنجاح كما انتقدت الرواية عشرية الدّم،والقتلة الذين يسفكون دماء البشر (باسم الله)، كما انتقدت النظام الذي يتاجر بالوطن ،ويوزّع على القتلة صكوك غفران ومسامحة بعنوان (المصالحة الوطنية).
  وإذا كانت الرواية هي رواية الحبّ والحياة والأمل والتجدد،فإنها رواية الفجيعة والموت،ولكنها تنفتح على الحياة  كجذوة تعاود بعد رماد !!
   ثمة قضايا مترابطة،ومكررة أيضا مثل: الثورة والشهداء،الثورة التي ابتلعت كثيرا من أبناء الجزائر،وتعبر بذلك: ((كما يأكل القط صغاره،تأكل الثورة أبناءها،يأكل الحب عشاقه،يلتهمهم وهم جالسون إلى مائدته العامرة ص11))،وتحدثت عن الاستعباد متمثلا ب( الإرهاب، السجون ،والاعتقالات،والفقد،
 والاغتيال المباغت،و الابتعاد عن الأوطان).

   كل تلك التقابلات )حب وحرب،حياة وفجيعة،استعباد،وحريّة) تشير إلى تقابل بين( الاستعباد والحرية) وبين(الحب والموت) وهذا سنلحظه كثيرا في الرواية .
   وتطرح الرواية قضية سلطة المال،وهي مثل سلطة الحكم، كلتاهما لا تعرف الأمان العاطفيّ. فـ((هل أكثر فقراً من ثريّ فاقد الحب؟ ...وأثرى النساء، ليست التي تنام متوسّدة ممتلكاتها، بل من تتوسّد ذكرياتها.ص13))، وسلطة النفوذ،والمال كلها جاءت بصورة رمزية في الرواية ،حاولت كشفت القناع عن تلكم الرموز، فعرّتهم أمام المجتمع.([4])
      ثم تقدم الرواية نموذج شخصية العربي المكسور نفسيّا،الثري الذي يستطيع أن يشتري ما يشاء بماله،ثم هو قادر على إغواء فتاة أفقر من أن تستطيع أن تواجه طغيان ماله وسطوته،فالرجل العربي الذي شغلت المرأة مساحة كبيرة من تفكيره حتى أصبح يعاني عقدة (الحرمان) يبدأ صيادا ماهرا جدا ويعرف كافة التفاصيل عن فريسته، لكنه قبل أن ينقضّ على طريدته كانت المفاجأة،أخذ يشرب الخمر حتى الثمالة،فيبوح بأسراره وتظهر عقدته وعيبه الذي كان يخفيه فترة طويلة،فتفلّتت من شباكه ويبقى أسيرا لفكرة الحرمان ـ
المحور الثاني:التقابل في الشخصيات:
أولا: الشخصيات الرئيسة:
        1-(طلال هاشم )                                      2- (هالة الوافي)
  سنتحدث عنهما بإجراء تقابل كما وردت تلك التقابلات متناثرة في متن الرواية واصفة الشخصيتين بما يأتي :

طلال
هالة
* شخص لبناني في 55 سنة،ثري جداً مثقف،يسافر باستمرار ويحيا الحياة،لديه ولع بالنساء،على الرغم من أنه متزوج ولديه ابنتان.ويبدأ خططه لصيد فريسته
*معلمة جزائرية فقيرة في27سنة،والدها مغنّ اغتاله الإرهابيون في الجزائر فحزنت لاغتيال أبيها وأخيها. تحتفظ بعود أبيها، وتقرر أن تترك التعليم وتغني لمقاتلة المجرمين.
*يريدها أن تغرق هذه الزهرة النارية في حبه،يود قطفها دون أن تُحرق يده.
* هي تأبى أن تكون الزوجة التي تشبه قطع الأثاث، بل هي زهرة محرقة.
لا يثق بالمرأة لخيانة زوجية، ويقيم علاقات عابرة مع نساء.
هي تثق بالناس ،ولا تريد علاقات عابرة ....
*رجل أعمال أخطبوط فاحش الثراء تمتد أذرعه إلى كل مكان .. كان منغمساً في الثراء والبذخ
*فقيرة وبسيطة كانت تتصرف بمالها لحاجتهم الضرورية،لكن الانبهار جعلها تسايره في بعض المصاريف
*يتحكم بها، فهو يقرر متى يضيف آلات موسيقية للحركة ومتى يخفف الإيقاع أو يزيده...
*أما المغنية فكانت الراقصة التي تتحرك بحسب إيقاع الموسيقى المفروض عليها
* وظل الرجل ممسكا بزمام الأمور فهو يقرر الانقطاع عن حبيبته متى شاء ويقرر لقاءها متى يشاء..
* وهي مسلوبة مأخوذة بحبه جاهزة لأي لقاء حتى لو كان على حساب حفلاتها والتزاماتها الغنائية الأخرى
*يريدها أن تكون له، وأن تغني له
*ولا يريد لها أن تغني للآخرين، وحين يعرف أنها ستحيي حفلاً غنائياً يحجز القائمة كلها، حتى يستأثر بها ..
       ترفض لكن...
*تجيبه على مضض لأنه حفل خيري(المقابلة بين الطلب والرفض)
*كان يريدها ألّا تغني حكرا عليه
*لكنها رفضت، غنّت، فنجحت.
*كان يفضّل لو خانته مع رجل....
*لا أن تخونه مع النجاح. فالنجاح يجمّلها، يرفعها.
* ظنّ أنه حين ألقها في البحر ستغرق. مَن فكّ رباطها؟
*فكّت رباطها بيديها،وانطلقت.خلعت سوادها.
*وهو غير متعجّل للنوم معها. إنه يريدها على نار هادئة.
*ولكنها ترفض، لأنها تريد زواجاً لا لقاءً عابراً
*وحين يفضي لها بأسراره.
*وحين يراها تحادث جزائريين تبدأ الغيرة ويبدأ الشك.
*وترفض أن تمكنه من نفسها.
*وترفض أن تأخذ منه المال.
*يبعثرها في غرفتها،ويبدأ يهينها،ويبدأ يتصرف كرجل شرقي، ثم تقفز العلاقة إلى نهايتها.
*عندها تصحو تعزم على إحياء حفل في (ميونيخ) يعود ريعه لمساعدة العراقيين الذين يعانون الحرب واحتلال أميركا لبلادهم.
*أما طلال هاشم فقد تابع حفلها وهو وحيد في شقته،  يرتدي الثياب السود،فالأسود الذي كان يليق بها،وخلعته، ارتداه هو لأنه يليق به.
*وستخلع ثيابها السود،وسترتدي ثياباً ذات لون اللازوردي،وستغني للجماهير،لتعلن رفضها العبودية وعشقها الحياة والحرية والفن بدل الأسود الذي يرمز إلى الموت والعبودية والياّس.
*هو أحب الحياة ولم يخلص لها، بل أخلص لماله،لأرقامه
*أخلصت هي للحياة، ولم تحبها،فنجحت
عاش سنين في أحلامه وأوهامه لاهثا وراء طريدته،غير أنّه أفاق،وحلت به الفجيعة حتى الأسود صار يليق به
،غير أنها أفاقت قبل أن تغرق في وحل الثراء المخيف،واستيقظت هي من أحلام صلاحيتها منتهية،لقد عاشت سنوات مبهورة بألاعيب ساحر  ص306

     تزاحمت صور التقابل هنا بين البطلين في أوصافهما وسلوكهما، فـ(طلال ) وما ملك من مكر،وغطرسة ومحاولة العبور إلى جسدها،والتحكم بها حيث شاء حتى لتترك أعمالها تلبية له،ويرى نفسه سيد الأعاصير والثروات والإله....هكذا هم أصحاب الاستبداد العاطفي،والسياسي..وهذه الأوصاف تلازم الشخصيات وتنمو حتى نهاية الرواية. كلّ هذه أوصاف البطل تمثّل الطرف الأول من التقابل (الاستعباد ).
  وأمّا (هالة) وما ملكت من عفة وحب طاهر، ثم قوة وكبرياء فجعلتها تنتصر عليه وتنال حريتها ،كلّ هذه أوصاف البطل تمثّل الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحريّة)..

    ثمَّ انظر إلى التقابل العجيب الذي عقدته الكاتبة عند الحديث عن حفلة القاهرة وهو أول حفل تغني فيه للبطل طلال (من ص105-ص111)؛لتظهر كثرة التقابلات وروعتها،وكيف تصبّ كلها في ثنائية التقابل الكبرى(الاستعباد ) و(الحريّة)...
طلال
هالة
* تأخر عن موعد الحفل متعمدا تعبيرا عن كبريائه وغطرسته
*راودتها فكرة رفض الغناء كي تلقّن هذا الرجل درساً في التواضع..
* جيبه مليء وثراؤه فاحش
* عليها أن تدفع مايتكبّده من خسائر. شعرت بأنّ ما في جيبها لايغطّي منسوب كرامتها
*طلال اشترى قبل أيّام كلّ بطاقات الحفل الخيري، وهو مبتهج.
*هالة منزعجة لتصرفه وغطرسته لأنه بإمكانه أن يكتفي بشراء كمّيّة من التذاكر، والتبرّع ببقيّة المبلغ، احتراماً لمن يريد أن يحضر.
*يظن أنه يساوي الحضور جميعاً، لأنّه يملك أكثر ممّا يملكون؟
*البنيةالمحذوفة: لا يساوي الجميع وإن ملكَ مالا..

* واشترى هو بطاقات قاعة بما فاض من ماله، حتى يبدو الأكثر كرماً وإنسانيّة!
*تنازلت عن دخلها من هذا الحفل، مع حاجتها إلى المال.  
* كريم غطى بكرمه كل المقاعد الشاغرة...
بإمكانه أن يشتري ملايين الأمتار من الأراضي ، لكن في النهاية لن يستقر إلا في متر ونصف ...
* كان رجلا أنيق المظهر في أبّهة واضحة، يحوطه مرافقوه
* تبدو كبجعة سوداء في ثوب أسود جيدها العاري وشعر أسود مرفوع إلى أعلى.  إنّها الفتنة العصيّة. 
* لم يُحيَّها،ولا تقدّم من المنصّة ليسلّم عليها..تكبراً
* قررت ألّا تحيّيه قبل أن تشرع في الغناء....رد اعتبار لنفسها
* لم يسألها: تغنّي لقاعة حاشدة بالحضور أم فارغة
*ستغنّي قدر مادفع ولن تسأله ماذا يُفضّل أن يسمع
أم إلى (السيّد الكريم)الحاضر الذي غطّى بجوده كلّ المقاعد الشاغرة!
وهل تتوجّه بكلامها إلى(الجمهور الكريم)  وهم غياب
*الكراسي ملأى في ظنه لأنه اشتراها بماله...
لكن في نهاية كلّ أغنية، كان تصفيق اليدين الوحيدتين يطيح أوهامها.
*حاولت أن تضبط مشاعرها أن تُغني للكراسي الشاغرة
أمّ كلثوم غنّت لقاعة فارغة إلّا من الكراسي وهذا أهون. وهذا يقويها
*الغريب الجالس بين ثقته.....
* سُتغنّي لهذا ........وارتباكها...
*بين عتمته. .......
.... وضوئها....
*اشترى، لمدّة زمنيّة، صوتها...
.....  لا حبالها الصوتيّة.
*يختصر كلّ الحضور..غطرسة
* تذكرت أنّ أحدهم أطلق النار على مغنٍّ...فتصاب بالخوف
 *كيف تتعامل مع رجل يُلغي القاعة،ولايترك بحضوره أيّ احتمال للتواصل.
*استدركت،فهي التي اختارت له مقعده، وبإمكانها أن تطرده من الصفّ إن شاءت.  فعليها بالصبر والتواصل
*يريد أن يصنع الحدث بضوئه.وجبروته
 لكن هي الأقوى ضوءاً منه، لأنّها تغنّي على النقطة الأكثر ارتفاعاً،
أيّهما الأقوى إذن..؟ هو في مجلسه الشاسع..؟
أم هي في مقامها العالي...؟
....لعاشقها
أفكار كثيرة تراودها ،كانت تُغنّي فيها تارةً......
.....لقاتلها....... لرجل تحتقره،
وطوراً..... ، ومرّة.....
...... من الإعجاب به
وأخرى لرجل لم تستطع أن تمنع نفسها....
بتلك المسافة التي وضعها بينه ......
 ليوهمها بكثرته،
وبينها .....
وليمنح صوتها مسافة الشدو طليقاً. 
*ماذا تراه سيقول لها؟
.......... البنية المضمرة(كأنه لا يستحق )
* وبماذا ستردّ عليه؟
أتشكره؟ وعلام تشكره؟
*يشغلها هذا الرجل القريب منها. 
لكن قلبها خفق عندما قُدم لها باقة ورود حمراء
* هو اكتفى بالرد ملوحاً بيده، ، وتركها
*.......مذهولة، وهي تراه.....
*يغادر القاعة، مطوَقاً بالطامعين في إكراميّة.
*.....تُغنّي له ساعتين، أيّ رجل هذا، ومن يخال نفسه؟!
*ثم يغادر القاعة؟لم يصافحها لم يسمعها بكلمة شكر.
*.....إنه إمعان في الإهانة. 
*حتى الوروده، خرساء هو أكبر من أن
*......يضع اسمه على بطاقة؟ (إصرار على الإذلال)
* يراها..... .................................
*.......أصغر من أن تكون أهلاً لكلمات بخطّ يده.
*كل إدارة المسرح وموظّفيه كانوا في وداع (السيد الكريم). (تكريم عظيم )
*غادرت المسرح مدمّرة.لم يكن هناك أحد ليهنّئها أو ليشكرها.     (إصرار على الإذلال)
وفي النهاية:كان غنيّا بماله
جعلته فقيرا بحبّها.. أفقره بُعدُها.ص14
هزمته الأماني والأوهام
انتصرت بإيمانها وكبريائها
    كلُّ البنى اللغوية التي تتمحور حول البطل (طلال)من غطرسة وكبر وابتهاج ،وإغداق المال ،والأنانية،والأبّهة ،كلها تصبّ في الطرف الأول من التقابل  (الاستعباد )، وهذه البنى تظهر مذ بداية الرواية مرورا بجسد النص حتى نهايته .
   أمّا البنى اللغوية التي تتمحور حول البطلة( هالة) من تواضع وكبريائها ورفض لعله المشين الأبرياء.. كلها تصبّ في الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحرية)..وهذه البنى كذلك تبرز مذ بداية الرواية حتى نهايتها .
  بمعنى أن التقابل بطرفيه المتناقضين:(الاستعباد والحريّة) المتمثل بصفات البطلين،وسيرتهما يربط النصّ من أوله حتى نهايته،فيبدو النصّ متعالقا متماسكاً .
ثانيا: الشخصيات الثانوية:
    وظّفت الشخصيات في الرواية في خدمة الشخصيات الكبرى، وجاءت مناسبةً على الرغم من ثانويتها،فهناك نجلاء ابن خالة البطلة ومرافقتها ومستشارها العاطفي،ثم والدة هالة السورية التي غادرت الجزائر بعد فقدان زوجها وابنها، وعادت إلى حلب حيث ذكريات فقدِ والدها كذلك، وهناك شخصيات المكر السياسي، والعسكر ،والمنظمات الإرهابية ..
     التقابل هنا بين الشخصيات يقع بين مجموعتين: إحداهما مجموعة (طلال) ومعهم أصحاب الاستبداد العاطفي، والسياسي..وبما فيها من أوصاف تمثّل الطرف الأول من التقابل (الاستعباد)،والأخرى مجموعة(هالة) ومعها:أبوها وأخوها ،ونجلاء ،وعلاء في الرواية ،والمجتمع ثانيا،الذين يبحثون عن الحب والسلام والحرية وبما فيها من أوصاف تقع تحت الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحرية)..
ثالثا: التقابل بين الآليات الساندة للشخصيّات أو الأحداث:
1-التقابل في ألفاظ الموسيقى:
    تبدو الموسيقى عند الكاتبة وشاحا تتوشحه المرأة التي لا تستغني عنه طول يومها، فالموسيقى ليست نوتات تُسمَع فقط،بل إيقاع تمشي عليه المخلوقات، فتوظف الكاتبة النوتات الموسيقية حتّى في وصفها للعلاقات الإنسانية، فكلُّ واحد منا له إيقاعه الخاص به، وحتى يحصل  الإنسجام بين اثنين يجب أن يكون هناك توافق وانسجام بين إيقاع كل واحد منهما، ويتناغم أحدهما للآخر، كالآلات الموسيقية التي تتآلف فيما بينها فتمنحنا موسيقية متناغمة رائعة وهو ما يسمى في الموسيقى بالـ (هارموني) أو الهرمونية، فكأن الرواية قطعة موسيقية تتقسم فصولها إلى حركات،الحركة الأولى ثم الحركة الثانية..بل راحت تصف الأشياء والشخصيات بأنها تراقص النوتات..تقول :((حطّت في مطار فيينا مشياً ...كما لو كانت تقفز على نوتات بيانو، بخفَّي راقصة باليه.نزل قلبها وصعد مراراً السلّم الموسيقي، حتّى خافت أن تتعثّر بفرحتها. ص245)).
  فالرجل العاشق تصفه في بداية الرواية على أنه بيانو مغلق على نفسه، فلا أحد يعلم أسراره وما يخفيه في باطنه:كبيانو مغلق على موسيقاه، منغلق هو على سرّه.ص11.
  أما بطلة الرواية فهي أحيانا كالناي الذي حتى لو نُزع من مكان مولده فهو يبقى يغني بشجن لذكرى أرضه الأولى التي انتزع منها .ص42.
 وتمثل الموسيقى الخط الموازي أو المعادل الموضوعي للبطلين على مدى الرواية كلها، لكن كلّ بطل يرى في الموسيقى رؤية تخالف الآخر وتناقضه..
 ف( طلال) البطل ينظر إلى الموسيقى أنها متعة ولهو،ووسيلة لصيد الفرائس من النساء وأسرهن. وهذا شأن أصحاب الاستبداد العاطفي، و السياسي..و هذه الرؤية تقع في الطرف الأول من التقابل  (الاستعباد ).
   أمّا البطلة هالة فترى الموسيقى آلية من آليات تناسق الحياة، ووسيلة من وسائل الحرية،بل سلاح تقارع به الخصوم من الإرهابيين الذين يمارسون قتل الأبرياء..و هذه الرؤية تقع تحت الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحرية)..
 بمعنى آخر:أن الموسيقى وما تمثّله للبطل من قوة وجبروت واستعباد،وسلاحا لنيل الحرة للبطلة، منذ بداية الرواية حتى نهايتها يحقق ترابطا آخر يضاف إلى رابط الشخصيات المذكور آنفاً .
2-العود: صورت الكاتبة والد البطلة الذي اغتيل وهو يغني مع عوده في صورة فنية رائعة ، يظهر المشهد :الأب والعود ـ كائنين بشريين يتسابقان إلى التضحية، كلٌّ منهما يفتدي الآخر، فلم يكن العود آلة صماء، بل هو كائن حي ،كان العود قد اقتسم الرصاص مع سيده، كما يقتسم حصان النيران مع صاحبه في المعركة، مثلما يعود حصان جريح يحمل جثة صاحبه، عاد العود إلى البيت، معلنا موت من ظل رفيقه على مدى ثلاثين سنة،ص153 .
   إنّ التقابل بين العود وصاحبه تقابل جميل ومؤثر في كل صفاتهما الحركية والإنسانية ،فكلٌّ منهما:وفيٌّ ،مضحّي،متسابق له ،لكن الأصل أن الأب كائن بشري، أمّا العود فهو كائن خشبيّ !!! وحين منحت الكاتبة العود صفات بشرية، كأنها تقول:إنّ الآلة أكثر إنسانية من هؤلاء أصحاب الاسبتداد ،والتكفيريين([5]).
  وصورة(الأب مع العود ) تمثّل بنية لغوية واحدة، وهذه تحمل الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحرية)..
 تقابلها بنية أخرى: هي صورة القاتل بمختلف أشكاله وبما فيه من بشاعة التكفير والقتل،وتمثل الطرف الأول من التقابل  (الاستعباد).
3- النّاي: تجعل الكاتبة (النّاي) كائنا يشكو وينوح.. وفي ذكرها الناي تغذية نصية من سرد سابق،جعلتها عتبة نصية ،بديعة على المتن لجلال الدين الرومي:( أتراك استمعت إلى حكايا الناي وأنين اغترابه إنه يشكو ألم الفراق ،،يقول : إنني مذ قُطعت من منبت الغاب لم ينطفئ بي هذا النواح،لذا ترى الناس رجالاً ونساءً يبكون لبكائي،فكل إنسان أقام بعيدا عن أصله ،يظل يبحث عن زمان وصله ....،ص44)،فــ ( القصبة ) آلة بوح لا تكفّ عن النواح، كطفل تاه عن أمّه،يروي قصته لكلّ من يستمع اليه فيبُكيه،لأجل ذلك فهو صديق كلّ أهل الفراق،لأنه فارق منبته،واقُتلع من تربته،بعد أن كان عوداً أخضر على قصبة مورقة . تُرك ليجفّ فأصبحت سحنته شاحبة،وانتهى خشباً جامداً. عندئذ عُرض للنار ليقسو قلبه ، وأحدثوا فيه ثقوباً ليعبر منها الهواء كي يتمكّنوا من النفخ فيه بمواجعهم واذا به يفوق عازفه أنيناً ..ص 64.
  ف(الناي) يمثل البطلة ( هالة) ومن تغرب مثلها،فـ(الناي) و( هالة)  كلاهما متغرب،يئنّ من ألم الفراق ،تائه،يشكو،بل يبكي،تغيّر لونه،كلاهما إذا نُفخ فيه عزف أنينا ووجعا ،فأصبح( الناي)عنوانا للمعاناة يرافق المسار الفجائعي لها من بداية الرواية حتى نهايتها ، فيصبح قرينا للعويل والنواح والبكاء والأنين والحنين وشغف الاستماع أيضا .
   فجعلت البطلة الغناء متمظهرا بالعود والناي سلاحا تحارب به أعداء الحياة .بل النهوض من الضعف والانكسار والقيود إلى النجاح والحرية ، فكانت الموسيقى والغناء الأداة التي ترفع بعد خفض، في حين أن التناسق الصوتي في السلم الموسيقي سيشكل تناسقا في الحياة بعد أن اختلّ ميزانها، فالرواية تؤنسن الموسيقى وتجعلها مؤنسة ومؤثرة في حياة البطلة والشخوص([6]).
  وهنا تصور الكاتبة  آلةً أخرى(الناي) بأنّه كائن بشري يئنّ من ألم الفراق ،تائه،يشكو،يبكي،كأنها تقول:إنّ الآلة أكثر إنسانية من هؤلاء القتلة ..!!
   إنّ التقابل بين الناي والبطلة تقابل جميل ومؤثر،فكلٌّ منهما:باكٍ ،شاكٍ ،يصدر عزفا ينسق الحياة،يبحثان عن الحرية، فصورة(الناي والبطلة) تمثّل بنية لغوية واحدة، وهذه تحمل الطرف الثاني من التقابل الذي، هو(الحرية)..
  في حين تقابلها بنية أخرى مضمرة:هي صورة القاتل وبما فيه من جمود التفكير والقتل، فتمثل الطرف الأول من التقابل(الاستعباد).
4-الصّوت: جعلت الكاتبة الصوت آليّة روائية تمتدّ بامتداد الرواية ومثل ذلك كثير(ينظر في الهامش أكثر من ثلاثين موضعا يذكر الصوت ) ([7]).
  فكان الصوت آلية لصيد الفريسة،واستعبادها،وفي الوقت نفسه وسيلة للتحرر من قيوده..،والصوت علاماتياً هو التعارف ما قبل الأول بين الثري، والمغنية عبر شاشة التلفاز ..، والصوت هو السبب الرئيس للتفارق بين العاشقين([8]).
  حتّى الصوت لم يسلم من مكره وألاعيبه وغطرسته وتملّكه، فقد سحره صوتها،كمن يأخذ قرصاً من الأسبرين لمعالجة مرض مزمن ص18،بل اشترى صوتها..  لا حبالها الصوتيّة.ص109، ويشتري صوتها حين يريد ص135، وأصبحت مهرة ليس من حقّها أن تصهل في خارج حظيرته. ص307
ويجعله رنة لهاتفها،وضعت الهاتف على أذنها.  جاء صوته:
-اشتقت إليك.. ص212
 والعاديّون من الناس مثل (هالة) يرسلون مع الورد بطاقة.  أمّا هو، فيرسل لها مع الورد صوته. ص213
  لكن ما يُحيرّها، أنه لم يمدح صوتها يوماً، ولا أبدى إعجابه بفنّها أتراه يحجّم النجمة ليتمكّن من الأنثى؟ ص261، فهو ليس إلا إرهابيّ، استحوذ على صوتها بسلطة ماله ص307.
  فكلُّ هذه البنى اللغوية تتدفق نحو الطرف الأول من ثنائية التقابل (الاستعباد ) .
  لكن البطلة حاولت الانفكاك من قيد صوته بدأت تشغل الهاتف من دون خوفها الدائم من نوبات غيرته. ومن شكوكه، وتجسّسه الصامت عليها. فشُفيت من الرهاب الذي لازمها، ص303، كان نومه مضطرباً ذات مرة، نام عارياً من صوتها فشعر أنّها هزمته حتّى من قبل بدء الجولة .ص47،
 وعندما ثأرت ليس ثوبها الذي يثأر،بل صوتها هو الذي يأخذ بالثأر ص328،وصوتُها الليلة يُغنّي لحرّيتها. يصدح احتفاءً بها، صوتها الليلة لا يحب سواها. لأوّل مرّة تقع في حبّ نفسها.328
و أصوت والدها،وسهى وأخي حسني يضم إلى صوت (هالة)فـ(سهى بشارة بطلة المقاومة..  أوهموها أنهم سيعدمونها، وسألوها عن أمنيتها الأخيرة في الحياة.  ردّت (أريد أن أغنّي) وراح صوتها يترنّم بموّال من العتابا الجبليّة، وعندما اغتال الإرهابّيون الشابّ حسني، وقطفوا زهرة صوته،ثأر شقيقه لدم أخيه بمواصلة أداء أغانيه ، أربكهم أن يواجههم أعزل إلاّ من حنجرته.ص76
    يلحظ أنّ التقابل جرى بين صوته وصوتها،إلا أنّ الاستحواذ على صوتها بالأعيبه، وسطوته هنا قيد وعبودية لصوت لبطلة فكان صوته يمثل الطرف الأول من التقابل الذي هو(الاستعباد ).
 أمّا صوت(هالة) ومن معها: فهو صوت يدعو إلى المحبة والسلام والحرية ومحاربة الظلم ،فهو يمثل الطرف الثاني من التقابل الذي، هو(الحريّة).
5- التقابل في الهاتف:
    الهاتف تقنية يستعملها الناس لقضاء أعمالهم وتواصلهم؛ولأنّ كلا البطلين صاحب أعمال وتنقل وسفر من مدينة إلى أخرى  فالهاتف أصبح الوسيلة المهمة للتواصل بينهما وكان الرفيق و الأنيس لكلِّ منهما...
    لكن الهاتف عند (طلال) يمثل وسيلة الصيد لفريسة ليست سهلة بل عصية وعنيدة فبدأ يخطط لمواجهة الموقف الجديد ص 51 ... من ذلك حين راحت، تمّزق ورقة الهدّية بسرعة.  أخرجت جهاز هاتف العلبة، وضغطت أوّل زّر صادفها. وضعت الهاتف على أذنها.  جاء صوته:
-اشتقت إليك.. ............................
 -هل اشتقتِ إليّ؟
ردّت بصوتٍ أفقدته المفاجأة نبرته: -عليك اللعنة..  كدت تقتلني!  ص212
وتصرح الساردة بأنه(( فجأة أصبح الهاتف نوعاً من أنواع الاستعباد والإهانة أيضاً.  ص150 ))أي أن الجوال أصبح قيدا من قيود  (الاستعباد ) لتلك المرأة..
   و هذا يمثل الطرف الأول من ثنائية التقابل  (الاستعباد )..في حين أن الهاتف عند البطلة كان جهاز عاديا قالت:   (( يسعدني أن يكون لي رقم ص214 ))،لكن(( بمجيئه أصبح رجلا ...ص53)) ترجو تواصلها معه تريده أن يكون حبيبا و زوجا و شريكا  في الحياة..و هذا يمثل الطرف الثاني من ثنائية التقابل  (الحرية و الحب)
فالهاتف هو الآخر يشارك ذلك التقابل الطريف الذي نسجته المؤلفة في كل خطوة يخطوها البطل أو  تخطوها البطلة..
6- التقابل في باقات التوليب :
   يلحظ المتأمل أن شخصية البطل (طلال) تقوم  بمراوغة البطلة( هالة) مراوغة تعتمد على لعبتين: إحداهما: لغوية، والأخرى مادية تتمثل بالموسيقى، واللون المشفر بباقات التوليب البنفسجي الذي يماهي اللون الأسود الذي يظنّ البطل أنه يليق بها،إنه لون بارد يجلب الحزن ولا يوحي بالشباب فضلا عن لونها القاتم ([9]).
    فالحوار الذي أجرته الكاتبة على لسانيهما مليء بالتقابل اللفظي والمعنوي كما أنه مليء بالمعاني الجميلة واصفا نفسيّات البطلين وخباياهما بكل دقة وتأثير... فساقي الورود ليس من سيقطفها، ولا قاطفها من ستنتهي في مزهريّة في بيته!تسأله عن حبّه لزهرة التوليب بالذات، وذلك اللون البنفسجي الغريب.؟ فيسخر منها لأنها تنكر عليه اختياره..!!
-فأجاب لأنّها(( زهرة لم يمتلك سرّها أحد. لونها مستعصٍ تفسيره،هي مثلك وردة لم تخلع عنها عباءة الحياء، ثمّة ورود سيئّة السمعة تتحرّش بقاطفها..تشهر لونها وعطرها، هذه ستجد دائماً عابر سبيل يشتريها..  كتلك التي قُدّمت لك في الحفل!ص165))، يزعم أنها هي وردتها،لم يهدها قبل اليوم لأحد، لكن أ تكون سعيدة لأنّه لم يهد (وردتها) من قبل لأحد،  أم تحزن لأنّه أهدى وروداً كثيرة لغيرها؟  ص139 .
باقات التوليب التي أخذت مساحة غير قليلة من جسد النص كان يستعملها البطل وسيلة من وسائل صيد الفريسة وتعبيرا عن غطرسته وسيادته وجبروته و أسره لها.. يبدو هذا الرجل خائناً لكلّ شيء عدا الحياة. في حين أنّها امرأة ساذجة،منخرطة في حزب المتخلّفين الحالمين،الأوفياء لأوهامهم..ص139،هذا الطرف الأول من ثنائية التقابل(الاستعباد)
  أما البنية التي تمثل الطرف الثاني من التقابل( الحرية)،تفهم من سياقات النصوص، فالبطلة ترى أن باقات التوليب المعتمة غريبة ومريبة.. كانت تنتظر أن يهدي إليها باقة بيضاء أو وردية دلالة على الحبّ والحرية والنقاء والطهر بدلا من أن يهديها باقة باللون الأسود و الحزن و الوجع... وهكذا تتحقق ثنائية التقابل حتى في باقات التوليب.
7- التقابل في الطاولة:
    ما اكتفت الكاتبة بالتقابل بين الأشياء الداعمة الساندة للشخصيات فقفز التقابل إلى الطاولة والصحون، فأما الطاولة فقد جلسا متقابلين إلى طرفي الطاولة. فالوجاهة تحتاج إلى مسافة.كانت متلهفة للاقتراب منه.تحتاج إلى أن تلمسه..بل تساءلت كيف سيتسنى لهما تبادل الحديث على هذه المسافة،لكن وحدهم البسطاء يتقاربون ويتلاصقون.ص249 
  لكن الطاولة هنا ليست للأكل فقط، بل للقاء حبيبين، بل تفعل هذه الطاولات الفاخرة أفاعيلها((ألهذا يحدث للحبّ أن يقلب هذه الطاولات الفاخرة على الجالسين حولها، ويمضي بعشّاقه إلى حيث الحياة أكثر بساطة؟
هكذا فعل إدوارد الثامن حيث ألقى بتاج الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس،وغادر الطاولة،ليلحق بحبيبته المطلقة..ص 249  ))
   وفي وسط تلك الأبهة وفخامة  المكان والطاولات،والصور فإنَّ البطل لا ينبهر  لشيء؛لأنه اعتاد حياة الغنى والترف والبذخ.. إنها حياة الأثرياء والاستبداد العاطفي والسياسي... في حين هي كانت في دهشة إنها فتاة بسيطة وفقيرة وعفيفة إنها حياة الحب والحرية والبساطة..
   ويظهر التقابل المكاني هنا تقابلا نفسيا وعاطفيا لتتقابل الأحلام(( انتهى بها الأمر سعيدة بوجودها على الطرف الآخر للأحلام.  الشاعريّة تحتاج إلى مسافة..  وكذلك الرغبة ص250 )).
   و صحونهم فخمة كبيرة.يقدم عليها طعام قليل وفاخر، وكأنه للزينة والتفاخر . أما صحون الجزائر فهي قصعة خشبية مصنوعة من جذع شجرة ضخمة يمكن لكمية الخضراوات أن يجمع حوله كل أهل الدار ...لكنها ستدرك  لاحقا، أن من يجلس أمام صحن كبير، وُضعت عليه كمية صغيرة من الأكل، ليس مستعدا لاقتسام أشيائه الخاصة مع أحد، حتّى مع أقرب الناس إليه .مع أن (الحب هو مقدرة شخصين على استخدام فرشاة أسنان واحدة ) ص252 !
 مقابلة طريفة في تقابل أشدّ طرافة بين صحون أهل الثراء الفاحش، أهل المكر العاطفي والسياسي وهذه تمثل الطرف الأول من التقابل الاستبداد و(الاستعباد )، وبين صحون الفقراء والمساكين أصحاب القلوب البيضاء، وهذه تمثل الطرف الثاني من التقابل( الحرية والحب والبساطة والسلام ).
8- التقابل في الكلب : من اعترافاته في الكأس الخامسة والسادسة،بعد سكره أنه يتحدث عن كلبه الذي يحبّه؛لأنه أهدته له صديقة قديمة، وهكذا شأن الأثرياء مع الحيوانات والطيور فهي عزيزة عليهم .والكاتبة تقيم تقابلا على لسان البطل والبطلة عن الكلب كما يأتي :
البطلة
البطل 
*. تتنمّى أن يُفلس كي.....فلا يبقى لك سواه.
* ينفضّ الجميع من حوله.. 
*حقاً ليس لك سواي؟
-......وهل لي سواك؟
-لي أيضاً كلب أحبّه.  تلقيّته من امرأة أحبتّني،
*إنه يسخر منها ويذمّها
*أأنت متعلقّ بالكلب أم بصاحبته؟
* بالكلب طبعا.....
* وفي المقابل هي ليست وفية ..ذمّ لها ..
*هديّة وداع.صاحبته أجنبيّة،تُعطي أهمّية للالتفاتة الأخيرة التي تُنهي علاقة. هذا لن تجده عند العربيّات.
* وفي المقابل هي ليست وفية ..ذمّ لها ..
*لا تعرف من تُحبّ حقاً إلا عند الانفصال.
احتقار لها ...ولكثير من الناس
-طبعاً.. ((كلب صديق ولا صديق كلب.ص271)).

   يلحظ أن البطل يمدح كلبه وصاحبته كثيرا.. وهذا شأن أصحاب الاستبداد العاطفي والسياسي .وهذا يمثّل الطرف الأول من ثنائية التقابل  (الاستعباد )..
   وأن البطلة المسكينة تشكّ في إخلاصه وتتلقى ضربات قوية من الحبيب المزعوم..وهي تبحث عن الحب الحقيقي والاستقرار العاطفي .و هذا يمثل الطرف الثاني من ثنائية التقابل  (الحرية والحب).
9- التقابل في الكؤوس(الخمر ) :ما قبل الجولة الأخيرة .. كؤوس النهاية..
    تقابلٌ طريف تجريه الروائية في سهرة أخيرة بين البطل والبطلة،تُنهي حبه المزعوم،حين بدأ باعترافات خطيرة،قضت عليه وألبسته( الأسود )،البطل الذي عاش كاتما سرّه،وفي لحظة ما يُصبح أسير سرِّه،والمفارقة أنّ الخمر تعدُّ قيدا من قيود العبودية،قيد عقله،لكن أطلق لسانه فباح لها ما باح،إنّه التناقض الذي يعيشه( طلال)،وفي المقابل فالحادثة أشعلت شرارة الانطلاق نحو الحريّة عند البطلة (هالة).
  ست كؤؤوس:  كؤوس النبيذ التي فضحته وعرّته، ورمى نفسه بالرصاصات -كما سمّتاها الكاتبة- قبل أن يرمي محبوبته هالة بها..
رصاصة البطل
رصاصة البطلة
الأولى: لا يثق في النساء وهي تثق بالجميع
هي تثق بالناس لطيبتها وعفويتها
الثانية: ينتقص من العرب
هي لا تنتقص من أحد..وتتعجب منه
الثالثة: يسخر منها ويتذمر حين يقارن بينها و بين وفاء الكلب ثم يقارن بينه و بين كلبه المدلل
تردّ عليه بصمتها  ..وهي في الوقت نفسه وفيّة..
الرابعة: عرض عليها لعبة الشطرنج
رفضت طلبه....
الخامسة: الإنفاق في مغريات الحياة و يشتري بماله ما شاء من النساء
رفضت طلبه.. من تكونين أنت لتهينيني..؟؟
 و هذه إهانة له
السادسة: أراد منها صبيا يحمل اسمه.. فيحاول اجتياح سريرها فهو مفاوض طويل النفس...
و هي في المقابل عفيفة  زاد  تمنعها و رفضت أن تسلمه جسدها .

  فالسخرية منها ومن العرب وجبروته ولعبه وطلبه جسدها هذه صفات أهل المكر العاطفي والسياسي وهذه تمثل الطرف الأول من التقابل الاستبداد و(الاستعباد ).
   أمّا العفوية والبساطة،والعفّة والإباء،فهي من صفات أصحاب القلوب البيضاء، وهذه تمثل الطرف الثاني من التقابل(الحرية والحب).
إذن التقابل بطرفيه المتناقضين:(الاستعباد والحريّة) المتمثل بالآلات الساندة للشخصيات التي شاركت معظمها أحداث الرواية غدا يربط النصّ من أوله حتى نهايته،فيبدو النصّ متعالقا متماسكاً .
المحور الثالث:التقابل في المكان والزمان:
أولا: التقابل في المكان :
    لم يتخلف المكان وخصائصه في التعبير عن ثنائية (الاستعباد)و(الحريّة) فقد ذكرت أماكن مهمة دارت فيها الأحداث وهي ستة(الجزائر،وسوريا،وبيروت،والقاهرة،وفيينا،وميونخ) وهذا العدد يذكرك بالكوؤس الستة ص 270،ويذكرك بنصف الدورة السنوية المتكونة من اثني عشر شهرا،ويذكرك بعدد الجوقة الموسيقية المؤلفة من ستة أشخاص ص 249،ويذكرك بعدد الطلقات الست ص 270 .
  إنّ الأمكنة شاركت الأحداث وحملت تقابلا خفيا لا تراه عين القارئ المتعجل.. لا يراه الا الناقد الماحص الفاحص..إن الناقد ليرى بمسباره أن الأمكنة جاءت على نوعين: أحدهما: أمكنة تمثل الطرف الأول من التقابل  (الاستعباد ) وهي(الجزائر وسوريا والعراق وبيروت )فهي ثملة بالوجع بسبب إرهاب أصحاب المكر السياسي من العسكر والانتهازيين ثم إرهاب أصحاب المنظمات التكفيرية..وكم حاولت هذه المنظمات استعباد الناس وسلب حقوقهم...!!
   أمّا النوع الآخر منها فيمثل الطرف الثاني من التقابل( الحرية )وهي (فيينا وميونخ..) فكانت هذه البلاد مرتعا للمتعة والسياحة والحرية.. وهي أماكن لرمي شباك صيد الفرائس حتى إن البطلة هالة لم تستطع أن تعلن عن  نصرها وفرحها على صاحب المكر العاطفي إلا هناك، بل لم تستطع أن تغنّي للعراق إلا في تلك الأمكنة فيالها من مفارقة....!!
     و عليه فقد جعلت الكاتبة عن قصد أو غير قصد في المكان بنوعيه تقابلا بين بشاعة بلاد الشرق والبلاد العربية المتسربلة بالظلم والاستبداد،وبين أوروبا المتّشحة بالجمال والحب والحرية..
    فكلُّ الأمكنة بالنسبة لـ(طلال) تحوي مغامراته وقضاء شهواته ورمي شباكه...إنها تذكره بكل متعة حرام فانية، هكذا هم أصحاب الاستبداد العاطفي والسياسي ،وهذه البنية تمثل الطرف الأول من التقابل  (الاستعباد ).
   وأما (هالة) فكل الأمكنة التي حضنتها تومىء إلى عفتها وفقرها وعفويتها.. قبل أن تتعرف إلى سيد الأعاصير والعواطف وبعده أشد....فأمست الأمكنة خناقا تود التخلّص منه؛لـ((تنجو من ذلك الفندق، ومن ليالي البؤس في فيينا)) ص 295  ،بل يسرقك ويسرق أحلامك،لأنه شيطاني:(( كما يسرقك المال من نفسك، يسرقك المكان بفخامته؛ ذلك أن كل شيء فخم هو شيطاني لأنّه زور.ص 285 ))،فالمكان يذكرها بأوجاع الوطن ثم أوجاع السيد المتغطرس السيد الإله... هم هكذا أهل العفة، المخلصون، أصحاب القلوب البيضاء...
     وهذه البنية تمثل الطرف الثاني من التقابل( الحرية .)
ثانيا: التقابل في الزمان:
    إنّ زمن الرواية امتدَّ سنتين يمثل حياة كلٍّ منهما.. وكأنها دامت دورتي عشق أو حبٍّ في حياة البطلين (طلال وهالة)،فتبدأ بحدث قديم يعد انطلاقا لشرارة الرواية...لم يعترف حتّى لنفسه بأنّه خسِرها.سيزعم أنّها  هي من خسِرته،وأنّه من أراد فراقًا قاطعًا كضربة سيف، فهو يفضّل على حضورها العابر غيابًا طويلاً، وعلى المُتع الصغيرة ألمًا كبيراً، وعلى الانقطاع المتكرّر قطيعة حاسمة. ص 11
     وأما عرض الحدث وتطوره وامتداده مع الزمن فكان متوَّجا بتقنية الحوار ..ومعظم الأحداث في الرواية قائمة على الحوار بين البطلين ومع الشخصيات الأخرى ..
     إنّ الكاتبة تجذب القارئ بتقنية الحوار بين البطل والبطلة الذي يشوبه الارتياب والشك والتردد وتمكنت من شدِّ القارئ ليبقى مترددا ساعيا إلى حالة اليقين وانتظار نهاية الحدث على مدى حركة القص..
     و يمكن أن يقال: إن البراعة الفنية والبداعة ونعني بها قدرة الكاتب على مسك خيوط الموازنة بين الضوء والعتمة والتأرجح بين الشك واليقين... إن هذه البراعة أضفت مسحة جمالية وقدرة في إحكام النص..([10])
 إن الزمان والمكان لا يفترقان بل  يتحدان في احتواء الأحداث والشخصيات وتوصيفها ..و عليه فإنه سيقال عن الزمان كما  قلنا عن المكان.. فالزمان بالنسبة للبطل –مثلا- حوى وحمل مغامراته وجبروته وشهواته... إنه زمن الاستبداد العاطفي كذلك الزمن لأصحاب الاستبداد السياسي..وهذا يمثل الطرف الأول من ثنائية التقابل  (الاستعباد ).
  وأمّا الزمن بالنسبة للبطلة ومن معها مثل( نجلاء والأم والأب ...) فكل الأزمنة التي احتضنتها تشير إلى عفويتها وبراءتها إلى أوجاعها.وهذا يمثل الطرف الثاني من ثنائية التقابل (الحرية والنجاح والحب..).
إذن التقابل بطرفيه المتناقضين:(الاستعباد والحريّة) المتمثل بالزمان والمكان على مدار الرواية غدا يربط النصّ من أوله حتى نهايته،فيبدو النصّ متعالقا متماسكاً.
المحور الرابع: تقابلات اللغة:
  1- تقابل عتبات النصّ:عنوان الرواية :
      اختارت المؤلفة للرواية عنوانا جذابا،غريبا آسراً ،يغري القراء (الأسود يليق بكِ) ذلك اللون الذي كان رمزا للحداد والذكرى،وعنوانا للرواية في الوقت نفسه، لازمها حتّى ظنّ القارئ بأن تلك المطربة لن تخلعه يوما ما بعد ما تشبثت به كثيرا، لكن المفاجأة غير ذلك ،جاءت اللحظة الحاسمة لتغيّرَ وتخلعَ، وترتدي ( اللازوردي) أو الأزرق، كأنها تنتقم من ذلك الثري المتغطرس الذي خدعها بالمال والحب بطريقة معوجّة، فأصبح اللون رمزا آخر قابلا للخلع ،بعد أن كان سمة ملازمة للفتاة ، فعندما سألها مقدم البرنامج في الرواية ،لمَ تظهري يوماً إلا بثوبك الأسود ، إلى متى سترتدين الحداد؟
تجيب كمن يبعد شبهة: الحداد ليس فيما يرتديه الإنسان ،بل فيما يراه،إنه يكون في نظرتنا للأشياء يمكن لقلوبنا أن تكون في حداد..ولا يدري أحد به. ص16. 
   فقد ترى سوادا ظاهرا طارئا،لكنه يُخفي الحب والسلام والجمال ..!! وكأنَّ العنوان معادل لشخصية (هالة) ومعادل موضوعي للجزائر التي كلها جمال وحب زاخر، وكأنّ اللون أو الضيم والظلم شيء عارض سيزول يوما ما .
    وإذا كان جسد النص قد ارتوى من تقابلات ضدية جميلة بمعانيها، مؤثرة بترنيمة ألفاظها فكذلك العنوان حمل تقابلا بديعا لا يظهر بسهولة، يكتشف الناقد خباياه وأسراره الجمالية و البلاغية،وإذا كانت الكاتبة قد وشّحت بطلَتها بطلّةٍ سوداء كأنها بجعة سوداء في داخل ثوبٍ أسودَ،ص107ص.... من بداية الرواية حتى الفصل الثالث من الحركة الرابعة و الأخيرة، وهنا يحدث التغيير المفاجئ الذي لم يتوقع قالت(( أرادت أن تثأر لكرامتها لحظة تقع عيناه عليها وهي في ثوبها اللّازوردي. لون اختارته أمّها ليبعد عنها العين، لفرط بهائها، كما قالت....ما عاد الثأر يعنيها، فالهوس بالانتقام، يعني أن نسمح لمن نريد أن نثأر منه بمواصلة إبقائنا أشقياء به.اليوم هي تغنّي للناس جميعاً ماعداه. ليس ثوبها، بل صوتها هو الذي يأخذ بالثأر )) ص328
   ينقلب النصُّ على عنوانه البراق، إنه الزلزال..!! وكأن كل ذلك الحشد الذي ملأ عبارة العنوان،وملأ الأحداث كان لنقيضه أو للنفي و ليس للإثبات،وليس من الضروري مطابقة العنوان للنص فالرواية تؤثث عناوينها وتزينه بالبلاغة والإشراقات الشعرية كما تستعمل الكاتبة لعبة المراوغة والإيهام... إن هذا الزلزال قد سبقه استباق من الحركة حين خاطبته البطل هالة.. ((من مكر الأسود قدرتُه على ارتداء عكس ما يضمر! ص85.))
    إنَّ العنوان بما فيه من جاذبية ومتعة وإغراء فقد حوى كذلك تقابلا خفيا.. وهو:
البطل
البطلة
يقول الأسود يليق بكِ  ..العبارة التي لازمته طول الرواية                    
في نهايتها هي تقول الأسود لا يليق بي ،إشارة إلى الحزن و الظلام الذي عاشته و القيود التي أسرها بها...
الصدمة التي عاشها والحزن تنصّ على أن الحزن يليق بهِ حقّاً..
تقول له بل: يليق بكَ أيها البطل
وعليه فالأسود يناسبه حقّاً..
وعليه فاللازوردي هو الذي يليق بها حقّاً..

   هنا (الأسود)الذي توشحته البطلة طول الرواية يمثل أوجاعها وحزنها وقدرة البطل وجبروته و عبوديته..
ومن المفارقات أن ثيمات العنوان أو البنية الظاهرة هذه تقع في الطرف الأول من ثنائية التقابل  (الاستعباد ) وتقابلها بنية مضمرة لا تظهر  في الملفوظ و هي(الأسود لا يليق بك) ،شهدت لهذه (البنية المضمرة) حين ارتدت لون العصيان أو اللازوردي...ص 328. فالأزرق إشارة إلى لون السماء وإلى السمو والرفعة والطهارة  والنور والضياء
    ومن المفارقات والإيهام والإغراء في العنوانات كذلك أن الكاتبة أرادت خلافا لما في ملفوظ العنوان...!!
    إن عنوان الرواية يتناص مع نص سابق للكاتبة نفسها وعادة ما تكون هذه العناوين تقصد  مجموعة من القراء الذين يتواصلون مع الكاتب ...ويستطيع الكاتب إيصال العمل اللاحق بآخر سابق، وقد يكون التناص في مجالات متعددة.. و عليه نجد عناوين روائية تحيل على عناوين روائية سابقة للكاتب نفسه ويمكن أن يطلق على هذا النوع ( التناص العنوان الذاتي) ([11])
 ويتمثل التناص اقتباس العنوان الحالي من مقطع أو عبارة وردت في الجزء الثاني من ( فوضى الحواس) جاء فيها : ((يقول كلما رآني به الأسود يليق بك  فأجيبه بنبره غائبة.. جميل قولك هذا إنه يصلح عنوانا لرواية قادمة قطعا لم أكن أرتدي الأسود حدادا كنت باذخ الحزن لا أكثر..)) ([12]) .
     لم يقف التناص عند هذا العنوان بل امتدَّ إلى العناوين الداخلية فقد وزعت الرواية على أربع حركات كما تنقسم السنة إلى أربعة فصول على  الشاكلة نفسها التي أفصحت فيها عن مواسم الحب الموزعة على أربع مراحل أو حركات.. بحسب ما ذكرته في كتابها السابق( نسيان كوم) فاستوحت هذا التقسيم منه بحسب فصول الحب الأربعة: (( فصل اللقاء و الدهشة، وفصل الغَيرة واللهفة، وفصل لوعة الفراق، وفصل روعة النسيان، إنها رباعية الحبّ الأبدية بربيعها وصيفها وخريفها وأعاصير شتائها )) ([13]) .
 وإنّي لأشهدُ أنّ هذه الروائية حاذقة خطيرة أو جنّية (باللهجة اليمنية) لما فعلت من تقسيم وتناصٍّ وأسلوب وصياغة..!!!
2-تقابل الوصف :
  يلحظ أنّ جسد النص( الأسود يليق بك) توشحت عباراته بألوان اللوحات وباقات التوليب من جهة، ونوتات الموسيقى من جهة أخرى، و هذه تكاد تكون منهجا في نسيج الرواية..
  فتقوم شخصية طلال بمراوغة هالة مراوغة  تقوم على لعبتين: إحداهما اللغة أو الكلمات المفخخة..
   ولا ريب فالرواية ليست إلا قصة حب فيها جولات و منازلات ودُوار وإعصار العلاقة في حالاتها كلها علاقة لغوية بحتة، وأما اللعبة الأخرى فهي الموسيقى و اللون... موسيقى الدانوب الأزرق التي تسمعها تارة،وتراقصها موسيقى الفالس تارة أخرى .
   وقد وظفت أسلوب التقابل وصوره المتنوعة في كل الرواية،التقابل الذي يحمل تناقضا بين موقفين، أو استفهاما منفتحا على إجاباتٍ مختلفة ومتعددة تدفع القارئ إلى التردد والارتباك ،بل تدفعه  ليتابع السرد ليرى كيف كانت  نهاية المقطع أو الموقف،أو بحثا عن جواب، فضلا على جمالية اللغة بما فيه من توكيد وتقوية للمعنى،وقد يكون التقابل مباشرا ،وقد يكون بأسلوب فنّي قائم على المجاز والاستعارات فيزيده جمالاً وتأثيرا،ويشكّل إيقاعا ينساب مع موسيقى الروح البريئة، من ذلك قولها: :(( امرأة تضعك بين خيار أن تكون بستانيا أو سارق ورد لا تدري أترعاها كنبتةٍ نادرة أو  تسطو على جمالها قبل أن يسبقك إليها غيرك ؟ ص15))، وقولها :((  أأسرها بقوة شخصيته ؟ أم بكل ما فعله لبلوغ تلك اللحظة أم أيضاً بسب طيف المرأة ( الصديقة) الذي تعمد أن يتركه يعبر كما دون قصد بينهما ؟ ص126))
وقولها:(( هاتي يدك.. أريد أن تهدي لي هذه الرقصة. هو لم يجب عن سؤالها، بل ترك لها بصيغته تلك أسئلة جديدة.
 هل يريد يدها عمر رقصة ؟ أم يطلب يدها لكلّ العمر ؟ لا قال (لا) ولا قال (نعم)، لم تدر أنه يجيب بجملة لإخفاء كلمة.ص253))
    والملحوظة المهمة أنّ كلّ طرف من طرفي التقابل يكاد يقع في إحدى ثنائية التقابل المحورية: ثنائية التقابل  (الاستعباد ) أو (الحريّة..).وعليه فظاهرة التقابل ظاهرة كثيرة وعجيبة ومؤثرة في الرواية .
3-تقابل الألوان :
    رواية(الأسود...) ثملة بالأسود،الذي غدا ثيمة أساسية لفلسفة معيّنة بنيت عليها الرواية، فقد يظن القارىء أول وهلة أن الأسود هنا مظهر جمالي للأنثى،متذكرا قول الشاعر القديم: (قل للمليحة في الخمار الأسود)، ولكنه لون يدل على الحزن غالبا،الأسود ذلك اللون الفاتن للبطل،اللون الذي أخذ يجملها في عين البطل،ليصبح الأكثر جنونا،ووجوداً في ذاكرتها .
 ولذلك فإن هالة الوافي قد غيرته،واستبدلت به اللون اللازوردي عندما صدحت حنجرتها في الغناء للعراق في ميونيخ؛لتودع حزنها القديم،وتبدأ حياة أخرى مليئة بالنجاح والاستعداد للحياة على الرغم من أنها تحيطنا بأسودها من كل ناحية، فقهرتها بالحب والعيش من أجل العيش السعيد بحرية .
 أن تخلع (الأسود) في نهاية قصة حبها وترتدي لون العصيان (اللازوردي السماوي)!! لعلها تستشف من خلالها واقعنا المزري، لتقول: (إن الحداد ليس في ما نرتديه، بل في ما نراه.. إنه يكمن في نظرتنا للأشياء، بل بإمكان عيون قلوبنا أن تكون في حداد ولا أحد يدري)!! ص16
4-تقابلات الحُبّ في الرواية :
   صورت الكاتبة الحُبَّ في أشكال مختلفة ، وكتبت عنه عبارات متألقة جداً ،في ضمن تقابلات مؤثرة خلّابة في سياق ذكرها مفاهيم فلسفية عنه، أو في سياق الحديث عن البطلين ،فالحبّ شخصان كعود كبريت هو :
  اثنان يضحكان ويحزنان في اللحظة نفسها ، يشتعلان وينطفئان معاً بعود كبريت واحد ، دون تنسيق ص23.والحبّ هو انسكاب في الآخر..  ص164
 - أودّ أن تحتاج إليّ..  فالحبّ احتياج. ......:بل الحبّ اجتياح..! ص181
 وأنّ الحب مثل التنفّس.إنها حركة شهيق وزفير، يحتاج إليهما الحب لتفرغ وتمتلئ مجدّداً رئتاه. ص33
  وهو:الحبّ هو أن يقدر شخصان على استعمال فرشاة أسنان واحدة ص252،فيا ترى هل يمكن للبطل (طلال) أن يقاسمها تلك الفرشاة ويقاسمها الصحن....؟؟
 تصور الحب الحقيقي كائنا بشريّا بعبارات خلاّبة،واستعارات جميلة؛ استباقا وتمهيدا للحديث عن حبّ الأقنعة/الحبّ المزيف/المزور /العابر/الوهمي..الذي يمثله البطل (طلال): 
  فالحبّ الحقيقي كشخص يولد في حياء الغموض. ألا يراك أحد عارياً من المعاني..ص218
  ونجدها تعبّر عن موقفها من عيد الحب في تقابل بين عيد الحب اليوم فقد أوجد التجار عيداً لتسويق الأوهام العاطفية : أما حين كان العشاق يموتون عشقا ما كان للحب من عيد ..!!ص37، وهذه إشارة إلى ما سيفعله البطل في مغامراته .
  ومنذ أعلن العربُ الحبَّ سلطاناً، أمسى الحبّ حاكماً عربيًّا بأسماء لا تُحصى.ص305،فالحبّ مثل حاكم عربي له أسماء كثيرة وصفات البطولة والفحولة ..!! إنّ حبّ أصحاب الأمن العاطفي مثل حب رجال الأمن السياسي كلاهما مدمر.يا له من تقابل جميل..!!
    والحب كلوح  والعاشقان عمودان إن قرّبت أحدهما من الآخر كثيراً اختلّ التوازن، وإن باعدت بينهما جداً سقط اللوح.. إنّه فنّ المسافة! ص33،وهي إشارة استباقية ما سيفعله (طلال) بالحبيبة من قرب جسدي ..وكأنه لايرجو غير ذلك..إنّه الحب المادي،المزوّر..!!
   وتزين المقطع بتقابل خلاب حين تصف الأعياد كالأيام دوّارة ..عيد لك وعيد عليك .فإن كان يظن أنه في عيد وبهرجة وأقنعة،فإنّ الذين يحتفلون اليوم بالحبّ ،قد يأتي العيد التالي وقد افترقوا .! ص37 ،تومىء إلى حالة البطل الذي سيبكي حبه المزعوم أيّما بكاءٍ..!!.
  وكان يتبجح بغطرسته في الحب رافعًا سقف قصّته إلى حدود الأساطير،لكن سيضحك الحبّ منه،ويُرديه قتيلاً، مضرّجًا بدماء أوهامه.ص12،إنه لم يحسب هذه المرة حسابا صحيحا،ولم يُعر للفريسة أهمية..!!؛لأنَّ الحبّ يعاكس توقّعات العشاق، هو يحبّ مباغتتهم، مفاجأتهم حيناً، ص173،وأيّما مفاجأة وقعت،أردته قتيلا..!!
  وتُصوّرُ الحبَّ (تقصد البطل) حيوانا مفترسا البطلة ذا أنياب، ولكن في الحقيقة يفترس نفسه ،كانت تنزف وتدري أنّه الآن يبتسم بأنيابه ومخالبه، لأنه أدماها.  إنّه الحبّ مفترساً نفسه.  ص287
 وفي النهاية الحبّ وهمٌ وظلام للبطل،لا يصمد أمام الأضواء الكاشفة التي أشعلتها البطلة؛لأنها عرفت سرّه الأبعد عمقاً،وهي تراه عارياً من هالته،وغطرسته .ص312
  والخاتمة أنّ البطل عود ثقاب رطب لا يصلح لإشعال فتيلة! ص23.فهو لا يصلح حبيبا ولا زوجا لـ(هالة )هكذا هم رجال الأمن العاطفي..!!
   إنَّ كلَّ التقابلات الجزئيّة المذكورة آنفا في مفهوم الحبّ فلسفيّا،أو في الحديث عن البطل تحديدا هي تعرية لمشاعر رجال الأمن العاطفي،ومن بعدهم رجال المكر السياسي،فهم أصحاب الحب المزيّف والمزور والوهمي،ووقضاء الشهوات،كل هذه البنى اللغوية تصبُّ في الطرف الأول من ثنائيّة التقابل( الاستعباد ) .
   وأمّا إذا كان الحديث عن البطلة فحبّها عفيف صادق نزيه، يراد منه الاستقرار العاطفي،وليس قضاء الشهوات،وتبقى أسيرة له ولهواها؛لذا فكل هذه البنى اللغوية تصبُّ في الطرف الثاني من ثنائيّة التقابل( الحُريّة.. ) .
إذن التقابل بطرفيه المتناقضين:(الاستعباد والحريّة)المتمثل بعتبات النص،والوصف اللغوي،والألوان على مدى الرواية أمسى يربط النصّ من أوله حتى آخره،فيبدو النصّ متماسكاً متعالقا.


الخــاتـمة
1)     احتوت الرواية على تقابلات كثيرة،ومزدحمة بنوعيها:تقابل لفظي،وتقابل دلالي أو معنوي. فترى الصفحة الواحدة تمتلئ بأكثر من عشر تقابلات فما بالك  برواية من 330 صفحة.. ؟؟
2)     وهذه التقابلات استجلاها الناقد في جميع عناصر الرواية في بناء الرواية،وفي سير الأحداث وتطورها،وفي الزمان والمكان والشخصيات،بل تعمدت الكاتبة إلى أن تجعل التقابلات حتى في( الآليات الساندة) لتوصيف الشخصيات،أو سير الأحداث،فإنْ ذُكرت هذه الآلية مرة أو مرتين فهي ساندة للشخصية مثل(الخمر،والطاولة، والكلب،والصحون..)، وإنْ ذكرت كثيرا فهي لدعم سير الأحداث حتى النهاية مثل:( الصوت والموسيقى والناي والهاتف وباقات التوليب).
3)      ويلحظ أنّ معظم هذه التقابلات هي ثنائيات متضادة أو متناقضة استطاع الناقد رصد تلك الثنائيات بعد تأمل وطول نظر،وتقليب الفكر،ثم يحاول من خلال فهم التقابلات والنظر في مجريات الأحداث، ثم من خلال بعض العبارات التي ترد في النص وتسميتها تسمية توافق فكرة النص وفحواه أيّاً  كان نوعه..
وعليه فإن الناقد استطاع رصد هذه الثنائيات المتناقضة، وأطلق عليها ثنائية: (الاستعباد) و (الحُريّة )؛لأنّ الرواية في أغلبها تتحدث عن استعباد بعض البشر لغيرهم عاطفيا أو سياسيا،يقابله وجود الساعين إلى التخلص من ذلك الوضع وطلب الحريّة.
4)     ويلحظ أنّ كل التقابلات الواردة في بناء الرواية وموضوعاتها والشخصيات والزمان والمكان،وفي الآليات الساندةـ تصبُّ في ثنائية:(الاستعباد) و(الحُريّة )،وجاءت مجموعة (طلال) ومعه أصحاب الاستبداد العاطفي والسياسي.. وبما فيها من أوصاف وأزمنة وأمكنة تمثّل الطرف الأول من التقابل (الاستعباد ) .
والأخرى مجموعة(هالة) ومعها:أبوها وأخوها ،ونجلاء ،وعلاء في الرواية ،والمجتمع ثانيا، الذين يبحثون عن الحب والسلام والحرية وبما فيها من أوصاف وأزمنة وأمكنة الطرف الثاني من التقابل الذي هو(الحرية)..؛ ولهذا كانت هذه الثنائيّة حلقة متينة وطويلة تمسك النص من أوله إلى نهايته، بل من عنوانه (عتبات النص/ الرأس) مع (جسد النص)،و(نهايته)،وغدت تلك التقابلات رابطا بين أجزاء جسد النص،بل شبكة تعالق النصَّ من بدايته حتى نهايته.
5)     استعملت الكاتبة أسلوب التقابل بعبارات رائعة،ومعاني ماتعة في كل الرواية،التقابل الذي يتمثل أحيانا، باستفهامٍ منفتح على إجاباتٍ مختلفة ومتعددة تدفع القارئ إلى التردد والارتباك ،بل تدفعه  ليتابع السرد ليرى كيف كانت  نهاية المقطع أو الموقف بحثا عن جواب، فضلا على جمالية اللغة بما فيه من توكيد وتقوية للمعنى،ويشكّل إيقاعا ينساب مع موسيقى الروح البريئة،إذن من غايات التقابل هنا: خلق الارتباك عند المتلقي،الجذب والتشويق،تقوية المعنى وتوكيده،التماس الإيقاع،وتناسق العبارات.
6)      أن التقابل بنوعيه،وما قام به من ربط دلالي،يُثبت أن التقابل لا يقع في ضمن التماسك/ والوسائل الشكلية كما هو معروف في الدراسات النصيّة ،بل يرى الباحث أن التقابل يقع في ضمن الوسائل الدلالية/الحبك؛لأنها تربط النص دلاليا وتمسكه،فأضحى التقابل من الوسائل المشتركة بين الوسائل الشكلية والوسائل الدلالية ،وهذا أمر جديد على درس (نحو النصّ ).



[1] - الدراساتُ السَّابِقة:
*التشكيل المعماري في روايةِ (الأسود يليقُ بكِ) لأحلام مستغانمي، أ.هند سعدوني ،وهذا البحث لا علاقة له ببحثنا، و هو في الحقيقة دراسة سيمائيّة لعتبات النص( العنوان،والغلاف..) ينظر: التشكيل المعماري في روايةِ (الأسود يليقُ بكِ) لأحلام مستغانمي، أ.هند سعدوني ،مجلة مقاليد الجزائرية،العدد80 جوان 2015م من ص189 –ص202.
**والتماسك المعجمي في رواية (الأسود يليقُ بكِ) لأحلام مستغانمي،عبد المجيد زعزع،رسالةماجستير،جامعة الحاج لخضر، باتنة الجزائر 2016 .
-[2] رواية (الأسودُ يليق بكِ) لأحلام مستغانمي ، الطبعة الثامنة، سنة2013.م، دار نوفل، دمغة الناشر هاشيت أنطوان.بيروت.


[3] - ينظر : قراءة في رواية (الأسودُ يليق بكَ) لأحلام مستغانمي، نعمان إبراهيم حميشة، صحيفة الوحدة ، العدد 7947سنة2013.
[4] - ينظر : قراءة  «الأسود يليق بكِ»... انتصار نسائي بهفوات أنثى في رواية الكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي،مقال: نهى غنام http://www.alraimedia.com/Home/Details?Id=a  .
[5] -  ينظر:الأسود يليق بك رائد الحواري ،مقال على http://www.ssrcaw.org/ar/show.art.asp?aid
[6] - ينظر: التناص في " الأسود يليق بك " رهان التصدير عيساني بلقاسم – الجزائر العاصمة .  http://www.benhedouga.com/content/
[7] - فقد ورد في متن الرواية ذكره كثيرا فمنها: * (ليست في حاجة إلى التبرّج كي تكون أنثى .يكفي أن تتكلّم / 15)    *(في الذكرى الأولى لاغتيال أبي . قررت أن أودّي الأحب إلى قلبه /16)(لسنوات كان هذا هاجس والدها الذي صان صوته ، بقدر ماحرس صمتها )    *(لذا أراد لها مهنة لايُسمع لها فيها صوت ، إلاّ بين جدران الصف الأربعة )   ............
*( استحوذ على صوتها بسلطة ماله ../ 307)  *(لم يكن يحمي صوتها ، بل مهرة ليس من حقها أن تصهل خارج حظيرته ./308)
*(تريد سماع رنة عادية ../309)     *( لقد عرفت هذه الفتاة سره الأبعد../ 313)*(صوتها يأخذ بالثأر ../228)      *(صوتها الليلة ../ 330)
[8] - ينظر: التوليب في ضيافة التوت..أحلام مستغانمي..في (الأسود يليق بك )..بقلم:مقداد مسعود   https://kitabat.com/2016/06/24/
[9] - ينظر: الضوء واللون،فارس متري ضاهر ،ط1 ، 1979م ،دار القلم ،بيروت، ص55

[10] -  ينظر:تحليل النصوص الأدبية (قراءات نقدية في السرد والشعر) ، عبد الله إبراهيم، صالح هويدي ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، ط1 ، بيروت ، 1998ص 107

[11] -  ينظر:العنوان في الرواية العربية عبد المالك أشبون السلسلة النقدية للدراسات والنشر ط ١، 2011 دمشق سوريا ص٩٤
[12] -  فوضى الحواس أحلام مستغانمي دار الآداب طه 7،سنة 1999 بيروت ص 357 
[13] -  نسيان كوم ،أحلام مستغانمي، دار الآداب الطبعة الحادية عشرة، 200٩ بيروت



التعليقات