التفكيكية: تعريفها، أسسها، وتفكيكها

0
التفكيكية: تعريفها، أسسها، وتفكيكها:
===================
عمر علي باشا
ازداد الاهتمام بالفلسفة والعلوم الإنسانية بعد الحرب العالمية الثانية وخاصة في الغرب، إذ بدأت الحركة النقدية تعيد النظر في التراث الفكري والفلسفي الغربي، فظهرت مقاربات عُرفت بـ “ما بعديات”، كأسس نقدية للفكر الثقافي الغربي، ومن إنتاجات تلك الحركة الثقافية والمعرفية التي عرفت باسم “ما بعديات”؛ مفهوم ما بعد الحداثة وهو المفهوم المركزي في النقد الادبي والفلسفي. ويرتبط هذا المصطلح بمجموعة متنوعة للغاية نادراً ما يرتبط بعضها مع بعض بأمور مشتركة. وتظهر فكرة ما بعد الحداثة في نقد التوجهات الادبية والفلسفية التي قامت عليها الحداثة، ويرى بعض المنظرين والفلاسفة أن ما بعد الحداثة لها علاقة وطيدة بالتحولات الاجتماعية والسياسية التي حصلت في المجتمعات الصناعية مثل ما عرف ما بعد الصناعة أو مجتمع المعرفة. (انظر إلى: تعريف ما بعد الحداثة)
محاولة تعريف التفكيكية؟
يعد التفكيك أهم حركة نقدية فضلاً عن كونها الحركة الأكثر اثارة للجدل أيضاً، وربما لا توجد نظرية في النقد الأدبي أثارت موجات من الإعجاب وخلقت حالة من النفور والامتعاض كذلك، مثلما فعلت التفكيكية في الفكر الأدبي المعاصر. (التفكيكية من الفلسفة الى النقد الادبي)
ظهور التفكيكية
ظهرت التفكيكية في ١٩٦٠ كرد فعل على البنيوية وهيمنة اللغة وتمركز العقل، وهيمنة اللسانيات على كل حقول المعرفة، وأصبحت التفكيكية ابتداء من ١٩٧٠ منهجية نقدية أدبية، وآلية لتقييم البلاغة والتأويل. ويتجه التفكيك بشكل أساسي إلى نقد الطرح البنيوي الذي كان يعمل على كشف البُنيات الأساسية والمسئولة عن الملامح الأكثر ملاحظة في التفاعل الاجتماعي والثقافي، إذ تنفي التفكيكية بثبات المعنى في منظومة النص، وتقوم بتحليل الهوامش والفجوات والتوقعات والتناقضات والاستطرادات داخل النصوص، بوصفها صياغات تسهم في كشف عن ما ورائيات اللغة والتركيب.
روّاد التفكيكية
يُعدّ جاك دريدا (١٩٣٠-٢٠٠٤) رائد التفكيكية ومنظرها الأساسي في القرن العشرين، استعمل دريدا مصطلح التفكيك لأول مرة في كتابه (علم الكتابة- الغراماتولوجيا)، متأثراً في ذلك بمصطلح التفكيك لدى الفيلسوف الأماني الشهير مارتن هايدجر في كتابه (الكينونة والزمان). وليس التفكيك عند جاك دريدا بالمفهوم السلبي للكلمة، حيث ترد كلمة التفكيك في القواميس بالهدم والتخريب، لكن ترد في كتابات دريدا بالمعنى الايجابي للكلمة أي التصحيح وإعادة تركيب البناء وتقويض المقولات المركزية، وتعرية الفلسفة الغربية التي مجدت مفاهيم كثيرة مثل العقل، الوعي، البنية، المركز، والنظام، والصوت، والانسجام. في حين ان الواقع قائم على الاختلاف، والتلاشي، والتقويض، والتفكك، وتشعب المعاني، وتعدد المتناقضات، وكثرة الصراعات التراتبية والطبقية. ويعني هذا ان دريدا يعيد النظر في مجموعة من المفاهيم التي قامت عليها الانطولوجيا (الوجود) والميتافيزيقيا الغربية تثويرا وتقويضا وتفجيرا. (انظر إلى نظريات النقد الأدبي في مرحلة ما بعد الحداثة للدكتور جميل حمداوي).
أسس التفكيكية ومرتكزاتها
يحاول دريدا الوصول الى استقرار تموضع في البنية النصية غير المتجانسة حيث يقدم دريدا اسسا لفكرة التفكيك وهي:
• الاختلاف: ويرى دريدا أن الاختلاف يتطلب إلى وجود تفسيرات متعددة وهي توحي بوجود حقائق متعددة فضلا عن وجود حقيقة واحدة وتفسير واحد، انطلاقاً من وصف المعنى بالاستفاضة، وعدم الخضوع لحالةٍ مستقرةٍ، ويبين الاختلاف منزلة النصية (Textaulity) في إمكانية تزويدها القارئ بسيل من الاحتمالات، وهذا الأمر يدفع القارئ إلى العيش داخل النـص.
• عدمية التمركز: ان تقويض التمركز عند دريدا يقود إلى تحطيم كلّ المراكز، وتفكيك أنظمتها بدءاً من مركز كلّ شيء وهو (الإله) وهو سبب مركزي لكل الأحداث، مروراً بمركز الحقيقـة، وانتهاءً بمركز العقلانية، وقصدية دريدا هذه تتجه إلى مبدأ يقتضي عدّ العلامات في حالة حركة مستمرة لانهائية، ومتحررة عن مراكزها، وهذا يؤدي إلى تفعيل نشاط الأزواج المتغايرة، أو الثنائيات المتناقضة.
• تقويض الميتافيزيقيا: أعلن دريدا نهاية الميتافيزيقا على غرار مارتن هايدجر، وينتقد دريدا المنطق واللغة والخضور والتمركز العقلاني الذي يشكل معيار الحقيقة والبداهة واليقين.
• نقد الهوية والخصوصية والجذور الاصلية: يرفض دريدا التمركز العقلي ويمقت كل انطواء للعرق أو الجذور أو التبجح بالخصوصية والمركزية أو الإيمان بهيمنة عنصر على آخر.
• تفكيك مفهوم التاريخ: يرفض دريدا التاريخ الكلاسيكي القائم على الصوت الواحد المهيمن ويدعو الى تاريخانية جديدة متعددة الاصوات، تهتم بالشعوب التي تعيش على الهامش.
• تفكيك النصوص والخطابات: يعتمد دريدا آلية التفكيك في تقويض النصوص وتشريح الخطابات، سواء كانت أدبية أو فلسفية، وما يهم دريدا في القراءات التي يحاول إقامتها ليس النقد من الخارج وانما الاستقرار او التموضع في البنية غير المتجانسة للنص.
• تعدد اللغات والمعاني والنصوص: دريدا يعرف التفكيك بأنها لا تؤمن بلغة واحدة وتؤمن بلغات متعددة عبر آليات الاختلاف والتناقض والحوار.
تفكيك الأفكار وتفكيك التفكيك
الأفكار بصورتها الأدبية مرتبطة بالنص اللغوي، واللغة بطبيعتها ليست بريئة بل فيها حمولة من الانحيازيات، فكل فكرة تحددها اللغة التي تحاول من خلالها التواصل مع العقول الأخرى، فاللغة ليست وعاء أو أداة للتواصل بحسب اللغويين الكلاسيكيين، بل صارت اللغة أداة فكرية تحدد التفكير والتنشئة العقلية، مما يعني أن الإنسان يفكر حسب لغته. إضافة إلى علاقة الأفكار بالتاريخ (الزمكانية) فكل فكرة تنشأ في زمان محدد وفي مكان معين، وكل زمان هناك مسلمات يقينية ومنطلقات عقلانية سائدة تؤثر في الأفكار والتفكير.
ومن أدوات التفكيك فحص الفكرة من حيث التماسك المنطقي والبرهان العلمي، وعدم التناقض أو الصدام مع معلومات أخرى ثابته وأقصد بكلمة ثابتة بأنه تم إثباتها عن طريق التجربة العلمية وتمتلك أدلة منطقية قوية- مثلا لا يمكن لأحدهم أن يزعم بأن الأرض مسطحة، رغم أن الادلة العلمية تشير إلى كروية الأرض. وتفكيك الفكرة يعني تشريحها وإعادة تركيبها لتوضيح التناقضات الداخلية الموجودة في الفكرة.
وبالتّالي، فإنه ينبغي مراعاة هذه الأبعاد المختلفة عند محاولة تفكيك الأفكار؛ لنأخذ مثالاً: أرسطو كان يعتقد أن أسنان الذكور أكثر عدداً من أسنان الإناث. وإذا حاولنا تفكيك هذه الفكرة نبدأ من تاريخيتها، ونشير إلى أن هذه الحقبة لم يكن التجريب منهجا علميا، بل كان التأمل هو المنهج السائد، لذلك فأرسطو لم يكن يعتمد التجريب كمنهج علمي، ولم يكلف نفسه أن ينظر إلى أسنان زوجته، وتشير هذه الملاحظة للتناقض الموجود داخل الفكرة، وأيضاً تشير إلى أن المرأة في هذا العصر اليوناني كانت اقل شأنا من الرجل، ونوضح تهافت هذا التصور لأنه كان أحد المسلمات التي تقوم عليها الفكرة، لأن الفكرة غير قادرة على الخروج من المنهج السائد والمسلمات اليقينية المعروفة في زمانها. لذلك تعتبر هذه الفكرة ليست متماسكة من ناحية الأدلة والبراهين العلمية.
في الختام، نستعرض أهم الانتقادات، اذ تعرضت التفكيكية بحد ذاتها إلى تفكيك آخر وخاصة من الولايات المتحدة الأمريكية، ولاحظوا أن التفكيكية أولاً: رؤية فلسفية غامضة في طرحها النظري والمنهجي، وأن مقولاتها ومفاهيمها أكثر تعقيدا وصعوبة وابهاما. وثانيا: ان التفكيكية باعتبارها ايديولوجية راديكالية متشبعة بأفكار كارل ماركس الثورية، فهي تحسب على سياسة اليسار، وثالثاً: تحاول التفكيكة نزع مركزية العقل باستخدام أسس عقلانية أخرى، ورابعاً: هي فلسفة عدمية فوضوية تحاول هدم الأسس الفكرية التاريخية لكنها غير قادرة على الخروج منها.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق