الآفاق اللغوية والمعرفية في(وصية أمامةَ بنتِ الحارثِ لابنتِها) د.أيوب جرجيس العطية

0

   الآفاق اللغوية والمعرفية في(وصية أمامةَ بنتِ الحارثِ لابنتِها)
 د.أيوب جرجيس العطية

( أيْ بنيّة، إنَّ الوصيةَ لو تُرِكتْ لفضلِ أدبٍ تُركتْ لذلك منكِ، ولكنَّها تذكرةٌ للغافلِ، ومَعونةٌ للعاقلِ، ولو أنَّ امرأةً استغنتْ عن الزوجِ لغِنى أبويها، وشدَّةِ حاجتِهِما إليها، كنتِ أغنى الناسِ عنه، ولكنَّ النِّساءَ للرجالِ خُلِقْنَ،ولهنَّ خُلقَ الِّرجالُ.           

 أيْ بنية، إنّكِ فارقتِ الجوَّ الذيْ منهُ خَرجتِ، وخَلفتِ العُشَّ الذي فيه دَرجتِ إلى وَكْرٍ لمْ تَعرفيهِ، وقرينٍ لم تألفيه، فأصبحَ بملكه عليك رقيبا ومليكا، فكوني له أمةً يكنْ لكِ عبدا وشيكا.                                                              

 يا بنية احملي عني عشرَ خصالٍ تكنْ لكِ ذُخرا وذِكرا:

 الصحبةَ بالقناعة، والمُعاشرةََ بحسنِ السَّمعِ والطاعة. والتَّعُّهدَ لموقعِ عينه، والتَّفقُّدَ لموضع أنفِهِ، فلا تقعُ عينُهُ منك على قبيحٍ، ولا يشمُّ منك إلا أطيبَ ريح، واعلمي-أي بنية- أن الماءَ أطيبُ الطيب المفقود، وأن الكحلَ أحسنُ الحسن الموجود، والتعُّهدَ لوقت طعامِهِ، والهدوءَ عند مَنامِهِ؛فإنَّ حرارةَ الجوعِ مَلْهبةٌ وتنغيصَ النومِ مَغْضبةٌ،

والاحتفاظَ ببيته وماله، والإرعاء على حَشَمهِ وعِيالهِ، ولا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إنْ أفشيت سره لم تأمني غدره، وإنْ عصيت أمره أوغرت صدره.

 ثم ألقي مع ذلك الفرحِ ان كان تَرَحا، والاكتئاب عنده ان كان فرِحا، فإن الخصلة الأولى من التقصير، والثانية من التكدير، وكوني أشدَّ ما تكونين له إعظاما، يكنْ أشدَّ ما يكون لك إكراما.

، واعلمي أنّك لا تّصلِينَ إلى ما تُحْبينَ حتى تُؤثِري رِضَاهُ على رضَاكِ، وهَواهُ على هَواكِ، فيما أحببْتِ وكَرِهْتِ. واللهُ متخيرٌ لكِ.)




الوصية في اللغة:
وجدنا في المعاجم العربية معاني متعددة لمفردة (وصى). فقد وردت بمعنى : وصل، من قولنا : وصيت الشيء إذا وصلته، ووصيت الليلة باليوم إذا وصلتها( [1]).
ونبت واصٍ، أي متصل، من قولنا: قطعنا أرضا واصيةً، أي إن نبتها متصل قد امتلأت منه.
وسميت الوصية بهذا لاتصالها بأمر الميت([2])، كأنه كلام يوصى: أي يوصل ، يقال : وصيته توصية، وأوصيته إيصاءً.
والوصي؛ الذي يوصي، وكذلك الذي يوصى له، فهو من الأضداد.
والوصية؛ العهد، وأوصى الرجل ووصى توصيةً، عَهدَ؛ والاسم ؛ الوصاة بفتح الواو،والوصاية بكسرها ، والوصية.
أما في الاصطلاح؛ فالوصية؛ ما يوصي به المرء- ذكرا كان أو أنثى- أهله وذويه عندما ينزل به حدث الموت أو يستشعره، فيما يتصرفون به مما ترك لهم من مال أو متاع، لإيفاء دين أو سد مغرم،وما إلى ذلك من الأمور التي تتعلق بذمة الموصي، وهي ما تسمى بالوصية الشرعية.
ويقول الأمير أسامة بن منقذ(8): الوصية وصيتان، وصية الإحياء للأحياء، وهي أدب، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، وتحذير من زلل، وتبصره بصالح عمل. ووصية الأموات
للأحياء، عند الموت، بحقٍ يجب عليهم أداؤه، ودين يجب عليهم قضاؤه.
أما الهداء في اللغة فقد تعددت معانيه وتنوعت ولا يسعنا المجال لذكرها جـميعا لـذا سنكتفي بذكر ما يخص موضوع بحثنا هذا:الهدىٌ والهدية العروس .
والهداء مصدر قولك هدى العروس،وهدى العروس إلى بعلها هداء وأهداها واهتداها، واهتدى الرجل امرأته إذا جمعها إليه وضمها وهي مهدية وهدىٌ أيضا.



الوصايا في العصر الجاهلي:
تعددت الوصايا في العصر الجاهلي وتنوعت أغراضها على وفق الحدث المرتبط بها. واختلفت عن غيرها من صنوف الأدب، لأنها كانت نابعة من تجارب الإنسان وخبرته في الحياة. فالموصي يضع في وصيته عصارة فكره وخلاصة تجاربه في الحياة. فنراه يأتي في وصيته بجمل قصيرة مركزة، تحمل ابلغ المعاني، وأسمى القيم، ليضعها نصب عين الموصى
له الذي هو الأعز لديه، والأقرب إلى قلبه، والأحب إلى نفسه، والوصية وان كانت تخرج لشخص واحد، فهي يمكن أن تفيد مجتمعا كاملا ويمكن عدها مرجعا يفيد كل من يحتاج إلى النصح والإرشاد. ومن خلال استقراء الوصايا في العصر الجاهلي نجد أنها تقسم إلى ستة أنواع وهي:
1-   وصايا الملوك إلى أولياء العهد أو من يقوم مقامهم.
2- وصايا الحكماء إلى أبنائهم وأبناء العشيرة وغيرهم.
3- وصايا الآباء للأبناء وأبناء الأبناء.
4- وصايا الهداء (الزواج). وهي موضوع بحثنا هذا.
5- وصايا السفر والمسافرين.
6- وصايا الحرب.

 
وصايا الهداء(الزواج):
نجد هذا النوع من الوصايا يقدمه الأب الحكيم أو الأم البليغة لابنتهما عند الزواج. فالفتاة تربى في بيت أبيها على طبائع معينة وعادات وتقاليد وقيم تختلف باختلاف البيئة، وتتباين من بيت إلى لآخر، فحين تنتقل الفتاة إلى بيت زوجها من المؤكد أنها ستجد طبائع وقيما وعادات تختلف اختلافا قد يكون جذريا عن الذي تربت عليه. وهنا نجد دور الأب وألام ليضعا أمام ابنتهما الخطوط العريضة لبناء حياة هانئة من خلال تجربة الأب أو ما مرت به الأم وما واجهته من خلال معاشرتها للأب، وكيفية تعاملهما مع بعضهما وكيفية العمل لضمان ديمومة العشرة والحفاظ على الحياة الزوجية، ومراعاة كل طرف للآخر.
إن الرجل وان كان بحاجة إلى وصية تبين له كيفية التعامل مع زوجته لضمان حياة مستقرة هانئة هادئة مع زوجته، إلا إننا لم نجد أما أو أبا يختصان ابنهما بهكذا وصية. ولكننا وجدنا في أثناء عدد من الوصايا أباً يوصي ابنه باختيار الزوجة الصالحة ذات الحسب والنسب والرفعة والشرف، لان هذا سيعود بالمستقبل على أبناءه وأحفاده، ويحذره من الجري وراء الشكل وإهمال الجوانب الأكثر أهمية ألا وهي النسب والأخلاق،فجمال الوجه لا يجدي نفعا إذا لم تزينه رفعة الأصل وشرف النسب و كمال الأدب. فنجد اكثم بن صيفي([3]) يشدد على هذا الأمر فيقول:
(( يا بنيَ لا يغلبنكم جمال النساء عن صراحة النسب، فإن المناكح الكريمة مدرجةٌ للشرف)).
وفي ثنايا وصية أخرى نراه يحذر من زواج الحمقاء فيقول:
((وإياكم ونكاح الحمقاء،فإن نكاحها غرر،وولدها ضياع))[4].


تحليل النصّ:

أولا: الفكرة:

الموصية: أمامة بنت الحارث الشيباني التغلبية . من فضليات النساء في العرب اشتهرت بسداد الرأي وقوة اللب ، ولها حكم مشهورة في الأخلاق والمواعظ .
الموصى إليها : أم إياس بنت عوف الشيباني ، ابنة أمامة .
سبب الوصية : لما تزوج الحارث بن عمرو ملك كندة ابنتها أم إياس بنت عوف ، وأرادوا أن يحملوها إلى زوجها أوصتها أمها في ليلة الزفاف إلى زوجها بوصية قيمة .
تقول أمامة لابنتها أنت على أبواب حياة جديدة فإليك مني عشر نصائح استمسكي بها، لتضمني حياة زوجية سعيدة.
وهي:
1-عليك بالقناعة والرضا بالقليل والطاعة.،.
2- الاهتمام بجمال المظهر، والنظافة في نفسها وبيتها .
3- الحرص على توفير سبل الراحة له اثناء نومه.
4- المحافظة على ماله وعدم تبذيره ، وعدم إفشاء أسراره.
5- المشاركة الوجدانية لمشاعر الزوج .

ثانيا: تحليل مستويات اللغة:


(أي بنية :إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك ، ولكنها تذكرة للغافل ، ومعونة للعاقل .
ولو أن امرأة استغنت عن الزوج - لغنى أبويها ، وشدة حاجتهما إليها - كنت أغنى الناس عنه ، ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خلق الرجال .)

المستوى اللغوي:
 فضل أدب : زيادة لأدب ، الغافل : الناسي ، ¨بنية: تصغير ابنة للتدليل، الوصية : أي النصيحة ، لفضل أدب: زيادة أدب ، تذكرة : تنبيه ، للغافل : للناسي ، للعاقل : أي المتذكر ، حاجتهما : عَوَزهما ومقابلها : استغنائهما وجمعها : حَوَائِج .
 تبدأ الأم بنداء رقيق لابنتها وتوضح لها أهمية الوصية فهي دائما تساعد أصحابها لو كانت تقال لغرض الأدب فأنت لستِ بحاجة إليها ؛ فحسن أدبك معروف . ولكن الوصية تذكرة لكل من ينسى وعون لكل إنسان عاقل . واعلمي أن زواجك ليس لفقر أبويك أو لحاجتهما الشديدة للمال ، وإنما الزواج ضرورة اجتماعية وطبيعية خُلِقَ لها الرجال والنساء .

المستوى الصرفي:
وصيّة:اسم على(فعيل)،فضل:مصدر على وزن:فعْل،ومثله:أدب:فَعَل، غنى:فِعَل،تذكرة:تفعِلة،معونة: مفْعَلة. خلق:فعل ماض مبني للمجهول.
الغافل ،العاقل:اسم فاعل.
المستوى النحوي:
أي:أداة نداء،بنية: منادى مبني على الضمِّ،(إن) حرف توكيد ونصب(الوصية):اسمها منصوب،(لو) أداة شرط غير جازمة،(تركت) :فعل ماض مبني للمجهول،ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره:هي،والجملة الفعلية في محل رفع خبر(إن).
و: الواو حرف عطف،(لكنَّ):حرف نصب يفيد الاستدراك،( النِّساءَ):اسمها منصوب،( للرجالِ( جار ومجرور متعلق بالفعل خلق،( خُلِقْنَ):فعل ماض مبني على السكون،ونون النسوة:نائب فاعل.والجملة الفعلية خبر(لكن).

المستوى البلاغي:

أي بنية : أي أداة نداء أفضل من يا لأنها توحي بقربها إلى القلب .
بنيــة : كلمة مصغرة لتشعر بعطف الأم وحنانها ، وتدل على أن البنت في حاجة إلى نصيحة الأم مهما كبرت . وأسلوبها إنشائي نوعه نداء غرضه التنبيه وإظهار الحب .
إن الوصية : إن للتوكيد . الوصية معرفة للتعظيم .
لو تركت : أسلوب شرط يفيد تهيئة نفس الابنة لتقبل النصيحة والاطمئنان إلى سلامة النتيجة ( وكذلك في قولها لو أن امرأة ) . تركت: فعل مبنى للمجهول للعموم . فضل أدب : نكرتان للتعظيم .
ولكنها : أسلوب قصر وسيلته الاستدراك بـ " لكن " غرضه التخصيص .
تذكرة للغافل ومعونة للعاقل : لاحظ الدقة مع الغافل " تذكرة " ومع العاقل " المعونة " وجمعت بينهما إرضاء لابنتها وحتى تجعلها تقتنع بالوصية . وبينهما سجع .
ولكن النساء للرجال خلقن ، ولهن خلق الرجال : لكن فيها أسلوب قصر وسيلته الاستدراك بلكن غرضه التخصيص . ولاحظ التقديم في ( الرجال ) وفى (لهن ) وهو تقديم يثير الانتباه ، ويؤكد قيمة الزواج ، وأنه رغبة مشتركة بين الرجل والمرأة .
من الصور البلاغية : الكناية في قولها : أنّ الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك : كناية عن أدبها و حسن تربيتها . وسر جمالها الإتيان بالمعنى مصحوبا بالدليل عليه .
ولاحظ المحسنات البديعية:
- السجع : (تذكرة للغافل ومعونة للعاقل) : يعطي الكلام إيقاعاً موسيقياً .
- الطباق بين : (الرجال - النساء) ، (العاقل - الغافل) ، (استغنت - حاجة) : يبرز المعنى و يوضحه .
تعليق: هذا الجزء مقدمة للوصية يجعل الابنة تتقبل وصية أمها بصدر رحب دون تردد أو تفكير . فهي تستميل ابنتها ، وتهيئ ذهنها لقبول النصائح التي ستوجهها لها وتعمل بها ؛ حتى تسعد بحياتها المقبلة ، وتحتل مكانة عالية في قلب زوجها .
( أي بنية : إنك فارقت الجو الذي منه خرجت ، وخلفت العش الذي فيه درجت إلى وكر لم تعرفيه ، وقرين لم تألفيه ، فاحفظي له خصالاً عشراً يكن لكن ذخرًا.)

المستوى اللغوي:
الجوّ : أي بيت الأسرة وعاداته ،خلّفت : تركت ، العش : بيت الطائر على الأشجار ، وجمعها : أَعْشاش وعِشاش وعُشوش وعِشَشة المقصود بيت أبيها . درجت : تحركت وتعلمت وبدأت فيه أولى خطواتك ، وكر : الوكر هو عُش الطَائِرٍ في جَبَل أو في جدار وجمعها أوكار ، قرين : صاحب وزوج ، وجمعها قرناء. لم تألفيه : لم تعتادي عليه ، ومقابلها : تنفرين منه ، خصالاً : صفات ومفردها : خَصلة ، ذخراً : ما يدخره الإنسان لوقت الحاجة وجمعها : أذخار .
الشرح: وتنادي الأم ثانية على ابنتها وتوضح لها أنها صارت كبيرة وستترك بيت أبيها الذي نشئت وتربت فيه وتعودت عليه إلى بيت غريب، وإلى زوج لم تتعودي على الحياة معه بعد .. وأنت الآن على أبواب حياة جديدة فإليكِ مني عشر نصائح استمسكي بها ؛ لتضمني حياة زوجية سعيدة .
المستوى الصرفي:
فارقت:فعل ماض على وزن(فاعلت)،عُشّ:اسم على(فُفْل)،وكر:اسم على(فَعْل)،خصال:جمع:خصلة،ذُخر:اسم على(فُعْل).
المستوى النحوي:
إنّ:حرف توكيد ونصب،والكاف ضمير متصل مبني على الكسر في محل اسمها،والجملة الفعلية(فارقت الجو..) في محل رفع خبرها.
وخلفت:الواو حرف عطف،خلفت:فعل ماض مبني على السكون،والتاء ضمير متصل في محل رفع اسمها،والجملة معطوفة على (فارقت)،(الذي):اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به.(درجت): فعل وفاعل،والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.(إلى وكر):جار ومجرور(لم):أداة جزم،تعرفي: فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه حذف النون،والياء ضمير متصل في محل رفع فاعل،والهاء: مفعول به،والجملة في محل جر صفة لـ(وكر).(فاحفظي):الفاء:حرف عطف،احفظي:فعل أمر مبني على حذف النون ،والياء فاعل،(عشر): مفعول به (خصال):مضاف إليه مجرور منصوب ،(يكن):فعل مضارع مجزوم على الطلب،وعلامة جزمه السكون،واسم(كان) ضمير مستتر تقديره:هو،و(ذخرا):خبرها منصوب..
المستوى البلاغي:
أي بنية : أسلوب إنشائي نوعه نداء غرضه التنبيه وإظهار الحب . وتكرارها لتأكيد حبها ، وجذب انتباه الفتاة لسماع النصائح . إنك : توكيد بأن ، منه خرجت : أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص . وكذلك فيه درجت .
ولاحظ الفعل درجت الذي يوحي بأنها بدأت حياتها إلى نهايتها فيه .
فاحفظي له خصالا عشرا: احفظي أسلوب إنشائي نوعه أمر غرضه النصح والإرشاد . له : فيها أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرضه التخصيص .خصالا : نكرة للتعظيم . ذخرا : نكرة للتعظيم .
يكن لك ذخرا أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة ( لك ) غرضه التخصيص .
من الصور الخيالية : العُش : استعارة تصريحية حيث شبهت بيت أبيها بالعش وحذفت المشبه وصرحت بالمشبه به ويوحي بالسعادة والسكينة . وهي معرفة للتعظيم .
وكر : استعارة تصريحية حيث شبهت بيت زوجها بالوكر وحذفت المشبه وصرحت بالمشبه به ، وتوحي بالاستقرار ؛ لأن الوكر غالباً يكون في جبل أو حائط فهو دائم ، أما العش فيكون معلقاً في الشجرة فليس له دوام

والصورة من البلاغة بمكان؛ فالأصل (كوني له كالأمة- يكن لك كالعبد) ولكن المجاز أعلى منزلةً وأسمى بيانًا، فمالت عن التشبيه الوضعي، وجنحت إلى ما يوهم الاستعارة (التشبيه البليغ)؛ حيث إنه ادِّعاء أن المشبه به هو ذاته المشبه، فجاء خبرًا عنه، فهو أبلغ في الدلالة على وضوح الحال، وأبين كمالاً في رسم الصورة.
(كوني له أمةً.. يكن لك عبدًا).
فالمعادلة: "كوني له.. يكن لك
أمة.. عبدًا. 
 لما كانت له.. كان لها.
 (كوني.. يكن)
(له.. لك)
لمَّا بادرته بـ(أمة) لبَّاها بـ(عبدًا)

استخدمت الأم التعبير الأدنى ولم تقل (كوني له سيدة يكن لك سيدًا كفؤًا) لسببين:
1- أن ابنتها ابنة "عوف بن محلّم الشيباني" سيد قومه، والزوج ملك كندة، فهما ليسا بحاجة إلى ما يُعلي قدرهما.

2-أن الأم ذكَّرت ابنتها بأن ما يؤثر الرجل هو لين جانب زوجه، وليس نديَّتها له؛ فالزوجة أخلت ساحة السيادة للرجل، هنا تجري الأمور سويةً، لا يشعر بمن يزاحمه، بل يشعر بالوحشة، ويشعر بحاجته إلى من تؤنسه وتملأ قلبه حبًّا؛ فيتحقق (كنت له أمة فأصبح لي عبدًا)، و(يكن) من جهة الزوج تضمين أو علاقة لزومية، وفي إطارها العام "تفاعل واستجابة" أو سببية "مجاز مرسل"؛ فالشيء يستدعي نظيره.
يكن لك ذخرا : تشبيه للزوج الصالح بمال يدخر .
من المحسنات البديعية السجع بين : خرجت ووجدت ، تعرفيه وتألفيه ، عشرا وزخراً .
( الصحبة له بالقناعة ، وحسن السمع له والطاعة .
والتفقد لمواقع عينيه وأنفه ، فلا تقع عينه منك على قبيح ولا يشم منك إلا أطيب ريح واعلمي-أي بنية- أن الماءَ أطيبُ الطيب المفقود، وأن الكحلَ أحسنُ الحسن الموجود ، ) .
المستوى اللغويّ:
الصحبة:المرافقة . القناعة : الرضا والطاعة ومقابلها : العصيان . التفقد : البحث عن الشيء والاهتمام به . قبيح : سيئ وجمعها : قِباح ، ومقابلها : جميل .
الشرح:
 عليك بالقناعة والرضا بالقليل ، فالقناعة كنز لايفنى ، وعليك بحسن السمع له والطاعة .  والاهتمام بجمال المظهر ، فلا ترى عين الزوج منك إلا كل ما هو جميل، و العناية بالنظافة في نفسها وبيتها فلا يشم أنفه إلا أطيب عطر .
المستوى الصرفي:
الصحبة:مصدر على وزن فُعُْلة،ومثلها:قناعة، طاعة:على وزن:فَعالة،حسن:على فُعْل

المستوى النحوي:
الصحبةَ:بدل من(عشر)منصوب، و:حرف عطف،المُعاشرةََ:معطوف على الصحبة، بحسنِ:جار ومجرور،وهو مضاف، السَّمعِ: مضاف إليه، والتَّعُّهدَ معطوف على الصحبة، لموقعِ:جار ومجرور،وهو مضاف، عينه: مضاف إليه مجرور وهو مضاف ،والهاء ضمير متصل في محل جرّ مضاف إليه، والتَّفقُّدَ لموضع أنفِهِ: مثلها إعرابا، فلا:الفاء عاطفة،لا: نافية: تقعُ:فعل مضارع مرفوع وعلامة رفع الضمة، عينُهُ:فاعل مرفوع، ولا يشمُّ:الواو حرف عطف،لا:نافية ،والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، إلا:أداة استثناء ملغاة(أو حصر) أطيبَ:مفعول به منصوب وهو مضاف، ريح: مضاف إليه مجرور. واعلمي:فعل أمر مبني على حذف النون،والياء فاعل- أي بنية: مرَّ إعرابها، وهي جملة اعتراضية ،لا محل لها من الإعراب،( أن):حرف توكيد، الماءَ:اسمها منصوب، أطيبُ:خبر مرفوع،وهو مضاف الطيب:مضاف إليه مجرور، المفقود:صفة له مجرور، وأن الكحلَ أحسنُ الحسن الموجود:مثلها في الإعراب.

المستوى البلاغي:
الصحبة له بالقناعة : فيها أسلوب قصر وسيلته تقديم له غرض التخصيص ، والقناعة معرفة للتعظيم .
التفقد لمواقع عينيه وأنفه : كناية عن صفه هي الاهتمام بالنظافة.
فلا تقع عينه منك على قبيح : الفاء للتعليل . منك أسلوب قصر وسيلته تقديم شبه الجملة غرض التخصيص . قبيح :نكره للعموم .
لا يشم منك إلا أطيب ريح : أسلوب قصر وسيلة النفي والاستثناء غرضه التخصيص . أطيب : اسم تفضيل يوحي بالأفضلية المطلقة .
لاحظ السجع بين القناعة والطاعة
من الصور الخيالية : (فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه) : كناية عن الاهتمام بالنظافة وحسن المظهر .
تعليق : لاحظ أن أمامة تذكر النصيحة لابنتها ثم تتبعها بالتعليل لها أو بتوضيح الفكرة فيها .
وقد ربطت بين كل صفتين متقاربتين وأتت بما يلائمها في التعبير : فالقناعة والطاعة صفتان معنويتان ، ويلائمهما الخضوع وهو الرقة في الحديث ولين المعاملة وجمال المنظر وطيب الرائحة مظهران من مظاهر الجمال الحسي ويلائمها التفقد والبحث عن العيوب لتجنبها .

( والتفقد لوقت منامه وطعامه ؛ فإن تواتر الجوع ملهبة ، وتنغيص النوم مغضبة .)

المستوى اللغوي
تواتر : تتابع ومقابلها : انقطاع . ملهبة : أي يشعل الغضب . تنغيص : تكدير وتعكير . مغضبة : أي يسبب الغضب .
الشرح :
الحرص على توفير سبل الراحة له أثناء نومه ؛ لأن إقلاق الزوج في أثناء نومه قد يثير غضبه وسخطه ، إعداد الطعام الجيد في موعده ؛ لأن الجوع قد يشعل نيران الغضب الغيظ في البيت .
المستوى الصرفي:
التفقُّد:مصدر الفعل تفقّد،على وزن (تفعُّل)،منامه:مصدر ميميّ، تواتر:، الجوع، ، وتنغيص، النوم،كلها مصادر، مغضبة ملهبة:مصادر على (مفعلة) والتاء  للمبالغة ،
المستوى النحوي:

المستوى البلاغي:
فإن : الفاء للتعليل ، إن للتوكيد .
لاحظ أنها نكرت : ملهبة ومغضبة للتهويل . ولاحظ السجع بين ملهبة ومغضبة
الصور الخيالية : فالتفقد لوقت منامه وطعامه : كناية عن الحرص على راحة الزوج .
تواتر الجوع ملهبة : تشبيه بليغ للجوع باللهب ؛ يوحي بشدة الألم
تنغيص النوم مغضبة تشبيه بليغ للنوم بالغضب .
تنغيص النوم : استعارة مكنية حيث شبه النوم بماء يعكر ، وحذفت المشبه به وأتت بصفة له وسر جمالها التجسيد وتوحي بعدم الارتياح .
تعليق: لاحظ أن الحرص على النوم والطعام واجبان يتصلان بحاجة الجسم إلى الطعام والراحة ، ويلائمهما التفقد أي العناية والرعاية .
و( الاحتراس بماله ، والإرعاء على حشمه وعياله ، وملاك الأمر في المال حسن التقدير ، وفى العيال حسن التدبير ).
المستوى اللغوي:
 الاحتراس بماله : المحافظة عليه . الإرعاء : الرعاية والاهتمام . حشمه : خدمه، حَشَمْتُ الرجل أحشِمه حَشْماً، إذا أغضبته. وحَشَمُ الرجل: أتباعه الذين يغضبون بغضبه. فأما قول العامة: ليس بيننا حِشْمَة، فهي كلمة موضوعة في غير موضعها، ولا تعرف العرب الحِشْمَة إلاّ الغضب والانقباض عن الشيء.
وقد جمعوا حَشَماً على أحشام، وحَشَم كلمة في معنى الجمع لا واحد لها من لفظها يقال: فلان من حَشَم فلان، وهم من يغضب له، ملاك الأمر : عماده وأساسه . التدبير : التنظيم
الشرح
المحافظة على ماله وعدم تبذيره فيما لا يفيد . رعاية خدمه بالإرشاد و التوجيه ، وتربية أولاده التربية الحسنة .
المستوى الصرفي:
 الاحتفاظَ:مصدرعلى الافتعال ، والإرعاء:مصدر على ‘فعال، حَشَمه وعِيالهِ، ولا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إنْ أفشيت سره لم تأمني غدره، وإنْ عصيت أمره أوغرت صدره.



المستوى النحوي
والاحتفاظَ ببيته وماله، والإرعاء على حَشَمهِ وعِيالهِ، ولا تفشي له سرا، ولا تعصي له أمرا، فإنك إنْ أفشيت سره لم تأمني غدره، وإنْ عصيت أمره أوغرت صدره.

المستوى البلاغي:
: لاحظ السجع بين بماله وعياله وبين التقدير والتدبير .
الجناس الناقص في : (التقدير – التدبير) .
تعليق : الاحتراس بالمال ورعاية العيال عملان متقاربان يحتاجان إلى العناية ، وذكر الاحتراس من المال لتدبيره ، والإرعاء مع الحشم والعيال لأنهما في حاجة إلى الرعاية

( ولا تعصين له أمراً ، ولا تفشين له سراً ؛ فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره ، وان أفشيت سره لم تأمني غدره ).
المفردات : لا تفشين له سراً : تعلنين أسراره وتذيعين وتبوحين بها ومقابلها : تخفين ، أوغرت صدره : ملأت قلبه غيظاً وغضباً . غدره : خيانته ومقابلها : وفاءه .
الشرح: 9 - طاعته وعدم عصيان أوامره ؛ لأن عصيان أوامره قد يظنه استهانة به فيمتلأ قلبه بالغيظ و الغضب منك .
10 -
عدم إفشاء أسراره ؛ لأن عدم المحافظة على أسراره قد تُفسد عليه خططه أو تعرضه لخطر مما يدفعه إلى الانتقام منك .
المستوى الصرفي:
المستوى النحوي
المستوى البلاغي:
: لاحظ أسلوب القصر وسيلته تقديم شبهي الجملة( له )غرضه التخصيص.
أمراً ، سراً : نكرتان للعموم . صدره : مجاز مرسل عن القلب علاقته المحلية .
فإنك : إلغاء للتعليل . إن : للتوكيد .
إن خالفت ، إن أفشيت: إن تفيد الشك في أن الفتاة ستفعل ذلك .
لاحظ السجع بين : أمراً ، سراً ، أمره ، صدره ، سره ، غدره . والطباق بين : (تفشين - سرا) .
التعليق : الصلة بين ( لاتعصي له أمراً ) و ( لا تفشى له سراً ) إنهما وسيلتان من وسائل الاحترام وفى مخالفتهما إهانة له .

ثم إياك والفرح بين يديه أن كان مهتماً، والكآبة بين يديه إن كان فرحاً .
المفردات : إياك للتحذير. بين يديه: أي أمامه . مهتماً مهموماً حزيناً . الكآبة : الحزن.
الشرح : وفي النهاية تحذر الابنة من عدم مراعاة مشاعر الزوج ، فعليها بالمشاركة الوجدانية لمشاعر الزوج فلا تظهر الفرح وهو حزين ، ولا تحزن أمامه وهو فرح .
المستوى الصرفي:
المستوى النحوي
المستوى البلاغي:

: ثم للتعقيب والتراخي وبيان أن هذه العبارة تعليق على الوصية كلها إياك والفرح أسلوب إنشائي نوعه تحذير غرضه حقيقي ( التحذير ) .
إن كان مهتماً : إن للشك فهي تشك أن زوجها سيحزن معها .
لاحظ المحسنات البديعية : الطباق بين : (الفرح - الكآبة)
والسجع بين مهتماً ، فرحاً .
تعليق: ذكرت خصلتين زائدتين عن العدد ، لأنهما لا يختصان بوقت ولا حال والصلة بينهما المشاركة الوجدانية لزوجها ومراعاة شعوره.
وفى كل النصائح نجد الأم تضع الدليل على قيمة كل ما يفيد وتحذر من كل ما يؤلم ويؤذى آذانه . وذلك وازعا للفتاة حتى تقتنع بالنصائح .
التعليق العام على النص
غرض النص : وصية وهو من أغراض النثر التي ظهرت في العصر الجاهلي .
الوصية عبارة عن قول حكيم صادر من إنسان حكيم مجرب خبير بالحياة يقدم فيها الموصي خلاصة تجاربه لمن يحب من أهله وذويه ؛ لينتفع بهذه الوصية في حياته القادمة .
أجزاء الوصية :
مقدمة : فيها تمهيد وتهيئة لقبول الابنة نصائح الأم .
موضوع : وفيه عرض للأفكار في وضوح وإقناع كما هو في الوصايا العشر .
خاتمة : فيها أجمل موجز لهدف الوصية .
ملامح شخصية الأم: مجربة ـ حكيمة ـ ذكية ـ عاقلة - متزنة - بليغة ـ بارعة في التعبير عن طبيعة المرأة ـ حريصة على مصلحة ابنتها - خبيرة بطبائع الرجال - كما أنها أديبة بارعة في التعبير عن حاجات المرأة .
الخصائص الفنية لأسلوبها :
1-
وضوح الألفاظ .
2-
قوة العبارة
3-
صدق العاطفة .
4-
ترتيب الأفكار وترابطها .
5-
جمال الصور والميل إلى التزام السجع .
أثر البيئة في النص :
الأمهات تهيئ لبنتها للانتقال من بيت أبيها إلى بيت زوجها .
مكانة المرأة في المجتمع العربي . العناية بتربية البنات


أسئلة للمناقشة

س1 : كانت الأم حريصة على أن تتبع كل وصية بعلتها أو سببها . وضح .
س2 : بم تعلل قلة الصور الخيالية في النص ؟
س3 : ما التحذير الذي ختمت به أمامة وصيتها ؟ و ما فائدته ؟
س 4: ما الذي حرصت عليه الأم عند عرضها للنصائح ؟ مثّل لما تقول .
جـ4: حرصت على تقديم النصيحة ، ثم تتبعها بالتعليل المناسب لها أو توضيح الهدف منها ؛ وذلك لتقنع ابنتها بما تقول .
-
أمثلة لذلك : (فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه) ثم عللت ذلك بـ (فلا تقع عينه منك على قبيح) ، وأيضاً عندما قالت : (فالتفقد لوقت منامه وطعامه) ثم عللت ذلك بـ (فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة) .
س5:عبرت أمامة عن بيت الأب بالعش ، وعن بيت الزوجية بالوكر . فما سرذلك ؟
جـ5 : وذلك لأن العش لاتستمر فيه الحياة إلا لفترة محدودة وكذلك مدة بقاء الابنة في بيت أبيها قصيرة .
-
وقد عبرت عن بيت الزوجية بالوكر ؛ لأن الطائر يستمر فيه مدة أطول وكذلك بيت الزوجية تبقى فيه الحياة وتستمر .

الآفاق اللغوية في الوصية :
1- الأم تهيِّئ ابنتها نفسيًّا، وتلمست الأم الوقت المناسب لإسداء النصيحة؛ فاقتنصت الفرصة السانحة، واستجمعت الأم قلبها وعقلها؛ فتوهَّجت نصيحتها ضياءً، وامتد عطاؤها عبر الأجيال والأزمان، في ليلة تطلق الأمهات العنان لعواطفهن ويسترسلن بكاءً، فلقد استقلَّت الابنة، وخرجت من البيت الذي ملأته أنسًا، تترك الأم فارغةَ الفؤاد، لكن (أمامة) طراز آخر، وجَّهت عاطفتها الحرى، وأفرغتها حِكَمًا تُسديها لابنتها؛ فخرجت حِكَمًا واعيةً خلدها التاريخ "وجماع البلاغة التماس حسن الموقع، والمعرفة بساعات القول، وقلة الخرق بما التبس من المعاني أو غمض"[5]، وهذا ما فعلته الأم.

فالأم تعلم الرهبة النفسية التي تكون لدى كل فتاة هذه الليلة؛ فهي قد مرت بتلك الأحاسيس من قبل، وها هي تسكب السكينة على ابنتها حنانًا وتلطفًا وإيناسًا؛ فلقد برعت الأم في استهلال نصيحتها(  بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب تركت لذلك منك)

2- عنصرتشويق كان من الأم؛ فعليه تقوم الرسالة، ويصاغ الخبر؛ "فخير الكلام ما شوق أوله إلى سماع آخره"، ومما برعت فيه الأم استخدام لفظة "بنية" و"يا بنية أمك" "وبعض كلمات اللغة لها معنى عاطفي وجداني، إضافةً إلى معناها الدلالي الأساسي، ومن أمثلة الكلمات الغنية بالمعنى الوجداني أو المعنى النفسي: "أم، ابنة"، وكل كلمة من هذه الكلمات لها معنى أساسي مصحوب بشحنة غنية من العواطف، والأم هي الوالدة، وهي أيضًا رمز العطاء والفداء.

والأم هنا استخدمت "بُنية" مسبوقةً بالنداء، أو مقدرةً بالنداء، أو "يا بنية أمك"؛ ففي علم الدلالة الاهتمام بالمؤثرات الخارجية مما يوضح المعنى ويزيد في تفهيمه واستجلائه، "فأدوار المخاطبين تقوم على العلاقة بين المتكلم والسامع تؤثر في معاني الجمل المتبادلة بينها والعلاقة السابقة هي علاقة ودية".

3- زرع الثقة من حيث لاتدري، فبدأت بإظهار ما الحسن فيه أوضح وما النفس بتقديمه أعنى"، فابنتها متوترة قلقة كأي فتاة ليلة زفافها، فأتقنت الأم زرع الثقة، ثم ومن حيث لا تشعر ابنتها آنستها إلى الإصغاء لوصاياها لأنها منحتها الرضا، وأشبعت نفسيتها ثناءً وثقةً، فزال عنها توترها؛ "فالشخص الذي يستشعر الإحباط يشعر بعدم الرضا ويكون في حالة من عدم التوازن ولذلك كان لا بد من شيء من التكيُّف لتخفيف التوتر"، وتمكينها من تقبل الوضع الجديد والتجاوب معه.

4- التدرج في أسداء الوصية، يلاحظ تدرج الأم في إفراغها خبيء قلبها لابنتها حبًّا وتربيةً، ودروسًا في واقعية الحياة فما أفرغت ما عندها جرعة واحدة ولكنها تدرجت وتسلسلت تسلسلاً مركزًا، وعلى جرعات حتى تحفظ ابنتها ما تلقيه أمها وتعيه، فالتدرج والتسلسل المركز يقي الذاكرة النسيان، ويحفظ للذهن توقده عند الاستدعاء المعلوماتي والمتلقي أكثر استعدادًا لتلقي الرسالة على جرعات، وعملت الأم على ألا يفلت زمام قلب ابنتها المتهدج منها، فاستخدمت الاستمالات العاطفية (أي بنية).

5- استخدام الترقيم في سرد ما تريد توصيله للآخرين من معلومات؛ ففي رواية (العقد الفريد) جاءت الوصايا مرقَّمة مزدوجة (الأولى والثانية،والثالثة والرابعة)، وهكذا؛ فالتسلسل المرقَّم يوحي ببرمجة فكرية، وأن الأمر لم يكن مجرد خواطر سانحة، فالوصية ليست مجرد انطباعات إنشائية، تلقي الكلام على عواهنه؛ بل هي أفكار دفعها عقل بعدما برمجها ورتبها وصاغها.

 6- استخدام أقل عدد ممكن من الكلمات المعبرة الموجزة، جاءت الوصية عبارة عن رسائل سريعة خاطفة، وكأنها تعليمات تنفَّذ، وتوقيعات تلقى للحفظ، والمقام يقتضي ذلك.

7- استخدام المقارنة والتشبيه.. كثيرًا ما استحضرت الأم المقابلة؛ لتوضيح الصورة لابنتها، وليكتمل رسمها للأمر؛ فاستخدمت التقابل لتبرهن على أن بديل حسن الطاعة سيئ، وعاقبته وخيمة؛ لتحذر ابنتها من مغبَّة تغليب هواها على هوى زوجها، وعدم طاعته في السراء والضراء، وكذلك استخدمت أعلى درجات التشبيه؛ وذلك لترسيخ جدية الأمر، وبيان خطورة عدم أخذه بما هو أهله.

 التعليق النصّيّ:

فهذه الوصية تعد من أفضل الوصايا وأكملها في موضوعها، وهي تمثل تحفةً أثريةً فكريةً حيةً؛ تجب على الأجيال مدارستها، والتمعُّن بدقة، والتوغُّل في مراميها، وليس وقوفًا لفظيًّا عابرًا؛ لا يكشف عن عمق دلالاتها؛ فالتهميش لهذا الرصيد التراثي يعدُّ قطعًا للتواصل بين ماضي الأمة وحاضرها؛ فدخول الأمة مرحلة التراجع الحضاري يعني الكف عن تجديد الهوية وبعثها، ويعمل على تشويه المستجدات الإبداعية.

فالوصية خطوة تهدف إلى تنمية إنسان، بل جعلت تنميته ذات أولوية مطلقة، وفيها منفعة في الحضِّ على طاعة الزوج، وحسن التبعُّل، والقيام بخدمته، وإحسان معاشرته، وإيثار ما يهواه؛ لتقتدي بذلك من النساء من بلغها خبرُ هذه الوصية حتى تتأسى بها؛ فتقر أعين أزواجهن بهن.

والوصية مظهر من مظاهر العلاقة والحث على البذل في سبيلها من تضحية نفسية ومالية؛ فالأم لم تُرِد العبودية لابنتها كما قد تتوهَّم بعضهن، أو كما شحنتهن المؤتمرات النسائية التي تُعقَد هنا أو هناك؛ فأفرغت المرأة من القيم، وعبَّأتها بأقاويل جوفاء لا يهدف مروِّجوها إلا إلى إخراج فتاة ذات سفسطة متعالية بحقوقها وهي تهوي بها في منحدر التفكك والتيه.

 الآفاق المعرفية في الوصية:
1- بناء الوعي:
في بؤرة اللا شعور تحرَّكت لدى الأم نوازع فطرتها، وبكل تلقائية أسهمت في فتح دائرة الانغلاق لدى ابنتها المقبلة على حياة جديدة؛ فالانغلاق يسهم مساهمةً فعالةً في تشكيل عقلية (البعد الواحد)، فأرادت الأم إزاحة الستر الذي أحاط بابنتها طيلة حياتها حفاظًا عليها.

وها هي قد وصلت بها بعد رحلة السنين، وآن لها أن تسلِّم ابنتها زمام أمرها، فتقود هي حياتها بذاتها، فأخذت توقظ في ابنتها حسَّ المسؤولية، وتُلقي التبعة، وتُشعل فيها وهج "الوعي بالذات" بعدما أوقفتها عند (حدود ذاتها)، وذلك عن طريق إقامة جسور التواصل مع (القرين)؛ فالجهل بحقه وعدم إدراك الطريقة المثلى للتعامل معه؛ سوف يحرمها جزءًا من وعيها بذاتها، أو قد تفقد سعادة هذه الذات.


وهذا ما حاولت الأم بناءه في عقلية ابنتها، لكن بلا فلسفة غامضة ولا استغراق منطقي، فلديها حسٌّ مرهف، فهي تدلِّل باللمحة، وتُفهم بالإشارة، وتعي بالنظرة، فجاءت فلسفتها فطرية.

2-الاتصال بين الأم وابنتها وموضوعيته:
أول أنواع الاتصال التي عرفها الإنسان هي الاتصال وجهًا لوجه أو ما نسميه "بالاتصال الشخصي ،فهو وسيلة للترابط والتماسك في المجتمع، وعن طريق الاتصال يجني الإنسان كثيرًا من المكاسب والمعارف والتجارب التي تؤهله لتبوُّؤ مركزه اللائق به في مجتمعه.

والأم تجهِّز ابنتها للذهاب لملك كندة فهي ملكة؛ ولذلك خلت بها قبل رحيلها فكان الاتصال الشخصي بينهما؛ فالاتصال له تأثير بالغ على الأفكار وما يترتب عليها.

من هنا برزت أهمية هذه الخلوة بين الأم وابنتها ليلة زفافها، وهكذا يجب أن تكون الأمهات؛ فالاتصال فضلاً عما سبق هو ظاهرة اجتماعية مهمة للجنس البشري؛ فهو يكرِّس سمتين رئيستين في أي مجتمع ناجح، وهما:
1- العمل على زيادة القدرة من جانب الأفراد على التكيُّف الاجتماعي المتبادل.
2- العمل على زيادة درجة اندماج الأفراد في الجماعات.

وهذا ما نجحت الأم في إيصاله إلى ابنتها؛ فهي مقبلة على حياة جديدة لا بد من التكيف معها، لتبادل التأثر والتأثير؛ فليس المطلوب محو شخصية الابنة، بل العمل على التكيف والتنمية، ثم على هذه الابنة أن تندمج في القبيلة والجماعة التي أصبحت إحدى لبناتها، تحمل همهم وتفرح لفرحهم.

وعناصر عملية الاتصال هي:
1- (المرسل) وهو هنا الملقي (الأم ).
2-(المستقبل) وهو المتلقي (الابنة).
3-(الرسالة) وهي هنا (الوصية).
4-(الوسيلة) وهي هنا (الألفاظ والتراكيب بدلالاتهما والإشارات والصور).
5-(التأثير) وهي الغاية التي أرادتها الأم من الفهم والإفهام، وكل هذا في وصية الأم.

وللطبيعة الخاصة التي أحاطت نشأة "أم إياس" أرادت الأم أن تكفكف من الغلواء التي نشأت عليها ابنتها؛ فهي ابنة من لا حر بواديه.

والوصية حفظت لنا اتصالاً مع الماضي؛ فها نحن نطالع ونتدارس صفحةً من كتابه، فنظل أوفياء له، متواصلين مع امتداده، بارعين في النهل من معينه مع الابتكار والتجديد.
ولا شك أن استخدام الاستمالات العاطفية واحد من التكتيكات المتبعة في الاتصال حاليًا.وفي صحيفة (بشر بن المعتمر) وصايا مهمة للتأثر والتأثير منها:
أ- اختيار اللحظة المناسبة نفسيًّا لدى المستمع لتبليغ الرسالة، وهذا ما قامت به الأم مع ابنتها.

ب- البعد عن التعقيد لأنه يستهلك المعاني ويجهد الذهن، لذلك جاءت الوصية سهلة الألفاظ واضحة المعاني، لأن هدفها بناء الوعي وإيجاد شخصية جديدة تتناسب والمرحلة الحياتية، فالألفاظ مناسبة معبرة.

ج- عملية الاتصال التي قامت بها الأم توافق فيها الحال مع المقال فحققت الرسالة هدفها.
 د- علاقة المتصل (الأم) بالمستقبل (الابنة)، كانت على مستوى راقٍ، مما أنجح عملية الاتصال على المدى البعيد.

(( وينبغي أن تعرف أقدار المعاني، فتوازن بينها وبين أوزان المستمعين، وبين أقدار الحالات، فتجعل لكل طبقة كلامًا، ولكل حال مقامًا حتى تقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات، ومقامات المستمعين على أقدار الحالات))[6]


3- معرفة حدود الذات:
إذا أدرك المرء ذاته فهو يتعامل من خلال ذلك الإدراك مع أي مشكلة أو موقع تعاملاً موضوعيًّا؛ لأن الجهل بحدود الذات يؤدي إلى الكبر والغرور والتهور،
وهذا ما حاولت الأم غرسه في ابنتها فقالت لها: "ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال.. ) حاولت الأم كسر موروث يعوق امتداد المستقبل نحو آفاق السعادة؛ ألا وهو موروث الآبائية "لغنى أبويها، وشدة حاجتهما إليها"، فعملت على نبذ الآبائية "كثيرًا ما يكون تراث الآباء سببًا في تعطيل العقل والاستفادة من خير جديد.


نلاحظ أن الوصية "منوال تنسج عليه ضروب النشاط الاجتماعي، وليست لونًا من الترف للمسرَّة والتسلية، والأم تريد أن تتحوَّل الأفكار إلى أشياء متمثِّلة في واقع الحياة.

4- الإقناع بالنقل الفعال للمعلومات:
شرعت الأم في الحديث عن العموميات، والصورة الكلية للموضوع "ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال" ويمكننا الإقناع بنقل المعلومات نقلاً تفصيليًّا، منه ما يلي:

أولاً: التحدث عن التفاصيل، وربطها بالصورة الكلية للموضوع من حين لآخر، وكان ذلك واضحًا في وحدة الموضوع، ومن مظاهر الربط والاتصال استخدام الضمائر المكنَّى بها عن الزوج بعد التصريح بكلمة "الزوج" تبادل الإظهار والإضمار؛ إشعارًا بأن الزوج هو محور الحديث والاهتمام، ومن الجدير بالذكر أن ضمير الكناية عن الفتاة لا يُذكر إلا حين أمرها أو تكليفها بفعل أو نهيها وتحذيرها من شيء مما يوحي بثقل التبعة.



5- الواقعية
وهي ركيزة مهمة من ركائز الموضوعية؛ فكثيرًا ما نقع أسرى حركة ترددية بين الماضي بمثله وقيمه وخبراته وبين المستقبل بآماله وخططه ومشاريعه، متجاوزين الواقع وظروفه وضروراته، أي نعيش لحظتين لا نملك واحدة منهما.. "وشدة حاجتهما إليك كنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن ولهن خلق الرجال".

ومن مظاهر الواقعية:
أ- الانشغال بالواقع:
وهذا ما قامت به الأم فأخذت تطوف بمخيلة ابنتها نحوه (الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتعهد لموقع عينه).

ب- تقدير العوارض وحسن التعامل معها (مهارة التوقع):
بقولها:(وكوني أشد ما تكونين له إعظامًا ......).

وهي في كل ذلك تضع التفاصيل لكل قسم، والأسباب الموجبة له؛ إذ لعل ابنتها لا تدرك معنى من المعاني التي ذهبت إليه الأم؛ لأن تجربة "أم إياس" في الحياة محدودة لمَّا تصل إلى غاية الإدراك بعد.


--------
المصادر:
10- الصناعتين، لأبي هلال العسكري.
12- البيان والتبيين، الجاحظ، تحقيق عبد السلام هارون.
13- الأعلام، للزركلي.
14- مجمع الأمثال، للميداني.
15- العقد الفريد، لابن عبد ربه.







 [1] - لسان العرب ،مادة (وصى).
[2] - الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي محمد بن أحمد بن الأزهر الأزهري الهروي أبو منصور تحقيق د. محمد جبر الألفي،الطبعة الأولى ، 1399وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية – الكويت1/273

[3] - كتاب جمهرة الأمثال لأبي هلال العسكري، تحقيق  محمد أبو الفضل إبراهيم  و عبد المجيد قطامش ، الطبعة الثانية ، 1988دار الفكر - دار الفكر1/18

[4]- مجمع الأمثال لأبي الفضل أحمد بن محمد الميداني النيسابوري، تحقيق  محمد محيى الدين عبد الحميد،دار المعرفة – بيروت.2/183

[5] - البيان والتبيين لأبي عثمان عمرو بن بحر ،طبعة الأولى ، 1968 دار  صعب بيروت1/61.

[6] - - صبح الأعشى في صناعة الإنشا لأحمد بن علي القلقشندي، تحقيق  د.يوسف علي طويل، الطبعة الأولى ، 1987
دار الفكر دمشق ،2/350

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق