تَغْرِيبُ الأدَبِ الإسْلامِيّ د.أيّوب جِرْجيس العطيّة

0


                     تَغْرِيبُ الأدَبِ الإسْلامِيّ
بحث منشور في مجلة المنتدى اليمنية
      د.أيّوب جِرْجيس العطيّة


 لو تأملنا خطوط وسمات الأدب الأسلامي في الساحة الآن لما وجدنا تلك الخطوط والسمات واضحة جلية ، وما وجدنا من يمثله تمثيلاً كلياً من الكتاب إلا قلة كأمثال محمد إقبال و نجيب الكيلاني ، ولكن لاتخلو كتابات بعض الكتاب من تلك اللمحات و المضامين كما في بعض كتابات شوقي وعلي أحمد باكثير و توفيق الحكيم و غيرهم .
فكثير من العوامل تشد بعضها بعضاً لتغريب هذا الأدب الذي نرجوه أن يكون الأدب الذي يعبر عن مواقف ومشاعر هذه الأمة ، بيد أن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة من الكتاب و الشعراء والنقاد والعلماء لإبراز معالمه بعد تثبيت أسسه .

وإنّا مشيرون في بحثنا هذا الى عوامل التي آزرت بعضها البعض لتغريب الأدب الإسلامي وطمس معالمه كي يقف كل منا على بصيرة من أمره فيرقى ويدفع بهذا الأدب الى مستواه المطلوب .
وهذه العوامل كما يبدو هي :
أولاً : ضعف الدعوات لهذا الأدب وهذا ناتج عن أمرين أولهما ، عدم وضوح الفكر و المبادئ الأدبية الإسلامية التي يستند عليها الكاتب ، وثانيهما ، أن أغلب الكتاب يميل حيث تميل الريح وهم إما من أدباء السلاطين ، وإما من أدباء التكسب ، فترى أن كثيراً منهم قد تلقف المذاهب الغربية الأدبية عندما شاعت في العالم أو في الوطن العربي كالسريالية والوجودية والبنيوية حالياً ، وراح الأدب يطبع كتاباته وفق تلك المذاهب ناسياً أو متناسياً أنها لاتمثل مباديء وقيم الإسلام والعرب ، وأن اللباس الغربي لايصلح لباساً له مهما تشدق وادعى ، وهكذا صبّ الكُتّاب مدادهم في تلك القوالب الغربية .
ومما يبشر بالخير ويشرح الصدور أن هناك دعوات بدأت تظهر للدعوة إليه كما في كتابات أنور الجندي ومحمد حسن بريغش ونجيب الكيلاني ومحمد الندوي وغيرهم .

ثانياً : تطبيق المقاييس والنظريات الغربية على الأدب المعاصر أو القديم بالرغم مما فيهما من تباعد وتناقض ، ثمّ سرى ذلك على الأدب الإسلامي (( ولقد كان ذلك متعمداً في مرات كثيرة لاسيما في دراسة أدب العصور الإسلامية وسبب ذلك بعد هؤلاء الدارسين عن فهم الإسلام فهماً حقيقياً وعدم دراستهم للمجتمع الإسلامي الذي بنته العقيدة ، وعدم إطلاعهم على التأريخ الإسلامي من مصادره الموثوقة بل كانت أحكامهم مبنية على دراسات تأريخية واجتماعية قدم لها المستشرقون وتلامذتهم حتى صارت تلك الدراسات هي المصادر الوحيدة أيضاً لهذا جاء تفسيرهم للظواهر واستخلاصهم للنتائج مبنياً على الإتجاه المادي النفعي وفق المصالح الشخصية ))[1] .
ولكن الأدب لايقاس إلا بمقياس عصره الذي قيل فيه ، ومدى تعبيره عن الزمن والحياة ، (( وليس مطلوباً منه أن يساير التطورات التي جدّت بعد مئات السنين ... ولابد أن يكون القياس العام في دراسة الأدب منبثقاً من حقائق الحياة كما فطرها الله سبحانه وتعالى ، وكما أوضحها كتابه الكريم التي لاتختلف ولا تتبدل  من بيئة الى أخرى إلا في الجزئيات والمظاهر ، لا أن تكون هذه المقاييس ناتجة عن تهويمات الفلاسفة ، وأحلام العابثين من أعدائها الحاقدين عليها ))[2] .
(( ولهذا نعجب من مثقفينا العرب الذين يأخذون بآراء الغربيين ، وخاصةً الأعداء عن مشكلات شعرنا الحديث ، وموسيقاه الفطرية الغنائية ويؤلفون الكتب ويستوحون من رؤى الغرب وأفكاره الأهداف والنتائج عينها التي صوروها لهم بأساليب مغرية شائقة وقد أفلح الغربيون في إستدراج باحثينا العرب بكل إغراء وإتقان الى أرض سبخه ، ينزلقون عليها ولا يقوى الواحد منهم الوقوف عليها ))[3] فتلبس مثقفونا بلباس الغرب في آرائهم ومعتقداتهم ونتائجهم في ظواهر الأدب .

ثالثاً : تشويه حقائق الإسلام من خلال كتابات أصحاب النظريات المادية والنفعية ، وهم يدسون الدسائس ويضمرون الحقد ، فيجعلون النصر في المعارك لأسباب مادية و ليس الإيمان ، والمسلمون ينتصرون لمجرد خيانة في صفوف الأعداء ، أو انتصارات تؤديها مغامرات الحب في أشد الظروف ، وقد تهيم الفتاة المسلمة وهي تشارك إخوانها في تضميد الجراح بغرام مقاتل رأته في المعركة !
وهذا ما تراه في كتابات جورجي زيدان ، وسلامة موسى ، وطه حسين .

رابعاً : تحديات الصهيونية بإعلامها وثرواتها لإبعاد الأدب الذي يدعو للحق والذي يحمل القيم النبيلة ، جاء في بروتوكولات بني صهيون : (( وفي خلال القرون التي تُنعتُ بقرون النور والتقدم وضعنا في أيدي الناس ضروباً من مادة الآداب المنشورة بالطباعة ، وهي غاية في التفاهة و القذارة و الغثاثة ، وبعد أن نقيم مملكتنا فهذه الأنماط من مادة الأدب ستظل على حالها سارية مسراها ، نروجها ونحث عليها ))[4] فكثير من أدبائنا أن لم يخدم ويدع الى القيم والمبادئ التي جاء بها الإسلام فهو لايخدم إلا الصهيونية كما ورد في بندهم أعلاه .
ويقول أنور الجندي : (( أغلب الذين يكتبون لايمثلون هذه الأمة ، وهم متحرفون في أساليب الأداء الوافدة ، فضلاً على أنهم رافضون لقيم هذه الأمة ومقدراتها ... ))[5] فكيف يعبرون عن قيمها ومشاعرها  وآلامها ولمن يكتبون ؟ وعلام يكتبون ؟ .

خامساً : خلط المفاهيم أمام عامة الناس كاستعمال ألفاظ ومصطلحات قريبة من الإسلام هدفها الكيد له ولإهله كالإسلام ثورة سياسية أو الاشتراكية من روح الإسلام ، فلم تكن الصور والمفاهيم واضحة عند كثير من الكتاب إضافةً الى جهل الكتاب المسلمين بدينهم ، فتشتت كتاباتهم بين هذا وذاك .
(( ولعل المذاهب الحديثة التي حملها الماركسيون والمستعمرون وتلامذته المستشرقون والمارقون من الإسلام الناقمون على كل فضيلة ، لعل هذه المذاهب تهدف من جملة ماتهدف الى تغيير دلالات إسلامية ))[6].
ولابد من الإشارة الى الأصوات الطيبة التي بدت شكوكها تجاه ما طرح من مصطلحات (( فقد كانوا باستمرار يطلبون معرفة وتمحيص مفاهيم ومضامين هذه المقولات والمصطلحات ))[7].

سادساً : الغزو الفكري الغربي لبلاد المسلمين الذي أبعد الشريعة الإسلامية عن الحياة السياسية والاجتماعية والأخلاقية وبالتالي وبالتالي إبعاد المسلمين عن تراثهم وعن لغتهم وإذا أبعد المسلم عن لغته وثراثه أصبح غريباً في قومه .
ونتيجة لذلك الغزو وتخرج من مثقفينا تلامذة للمستشرقين ناقمين على التراث وعلى اللغة وعلى عمود الشعر وعلى الفراهدي و المتنبي والبارودي ، حتى قال أحدهم : (( أدعو الى قتل الفصاحة والى تجاهل البلاغة فقد أصابنا منها شر كثير ، وما يقولوه هذا في العقد السابع من هذا القرن لايختلف مما قاله جبران وزملائه المهجريون في العقد الثالث : لي لغتي ، ولكم لغتكم ))[8] .
و وجهت الضربات الى اللغة من خلال الصيحات المريضة التي دعت الى قصيدة النثر والحداثة ، وتجديد البلاغة ، فالدعوة الى تركيب الجملة أو دراسة النص بعيداً عن عصره ومناسبته هو قطع للصلة بين الماضي و الحاضر وإشاعة الفوضى في اللغة تحت شعار الحداثة ، أو الثورة أو البنيوية ... إلخ .

سابعاً : كتم الصوات لاسيما في البلاد التي تتحكمها الطواغيت ، فالرجل منا لايعرف شاعراً كأمثال أحمد فرح[9] إلا عندما يخرج الى بلاد أخرى فلا كتاب ينشر ولا قصيدة تسمع إلا قصائد المدح والنفاق للسلاطين .

ثامناً : تقسيم الأدب الى عصور كالأدب الجاهلي و أدب صدر الإسلام ، والأدب الأموي والعباسي ... إلخ ، وقد يبدو هذا التقسيم سليماً لأول نظرة ، ولو تأملناه لوجدناه يؤدي الى أخطاء جسيمة النتائج لأنه (( يقطع الدولة الإسلامية الى قطاعات مختلفة ويسمها بقيم الحاكم فقط مع أنها بقيت إسلامية في مضمونها و روحها ومنطلقاتها مع اختلاف في التفاصيل ... ))[10] ، أي أنه يصبغ تلك الفترة بصبغة الحاكم وليس بصبغة الإيمان الذي كان يسود المجتمع ، والإيمان الذي كان يدفع الناس للتقوى و الجهاد ، ورفض الطاعة للسلطان إذا أخطأ والى حلقات العلم .
وهي نظرة الى الأدب نظرة العشائرية بدل النظرة الإسلامية السائدة ، بالإضافة الى ذلك أنه يجعل الدارسين ينظرون الى الفروق الفردية بين العصور ، أنها فروق بين دول وعصور ليُبنى عليها نظرة ما يسمونه بسمات العصر .
وكذلك سلكت الدراسات بتقسيم موضوعات الأدب الى مدح وهجاء وغزل ورثاء ... يقول الدكتور بريغش في هذه الملاحظة تبرز لنا أمور هي [11]:
أ ـ إخضاع الدراسة التأريخية للأدب في ضوء التقسيمات السابقة تجعلها ترتبط بأمور سياسية ، وصراعات مذهبية تتطبع بطابعها مما يخدم الفلسفات الحديثة التي تربط الإنسان بالمصالح المادية ، وتقسيم ولاءات الناس للقومية والوطنية .
ب ـ وهي تتجاهل تأثير الإسلام وكأنها تقول أن المؤثرات الحقيقية التي أنتجت الأدب هي المؤثرات المادية ، والمنفعة والعشائرية ، والولاء للوطن ، فيبرز دافع الوطنية بدل العقيدة الإسلامية .
جـ ـ ترتبط هذه التقسيمات بدراسات المستشرقين الذين أرادو طمس اللغة و الأدب ويحاولون إبراز جوانب التقدم العلمي والثقافات المتعددة في التأريخ دون تاثير للإسلام فيه ولا للعلماء والفقهاء أي ينظرون الى تأريخنا كما ينظرون الى الكنيسة .
د ـ ومن مظاهر هذه الدراسات هو تتبع النقاط الصغيرة أو الشاذة ليجعل منها معلماً واسعاً كالمجون ، والخلاعة ، والنزعة القومية ، كما في دراسة العصر العباسي فالتأكيد على المجون والخلاعة وانها من أغراض الشعر الجديدة في تلك الفترة هي إنحسار لنور الإسلام في الأدب وإظهاره بمظاهر الفسق والفجور بحيث إرتبط لدى طلاب العلم أن العصر العباسي هو عصر المجون والخلاعة .
وأول من ابتدع هذا التقسيم المستشرقون إتباعاً لأوضاع الأدب عندهم ، ولكن أتصلح تلك التقسيمات و الأبواب أبواباً لتأريخ آداب اللغة العربية ؟ وإن كان أولئك على الحق في تقسيمهم ، لأن لكل عصر من عصورهم سماته ، وأشكاله التي تميزه عن غيره فمثلاً أن الإنسان الأوروبي اليوم لايستطيع أن يقرأ كتابات شكسبير لإختلاف اللغة التي كتب بها أدبه وهكذا بالنسبة للعصور التي قبلها ، فهل ينطبق هذا على أدبنا ؟ ونحن لا ، تختلف لغة والحياة العصور الأولى عن عصرنا إلا في الجزئيات والمظاهر .
يقول الرافعي رحمه الله تعالى : (( وبديهي أن تعاقب ثلاثة عشر قرناً من تأريخ الأدب الإسلامي لم ينشى لغة أفصح مما نطقت به العرب قبل ذلك ، ولا جاء بشعر يباين أشعارهم في الجملة ، ولاجعل لأدبائنا مذاهب متميزة في تكوين الدين والسياسة والعلم ... وإذا تدبرت هذا وامعنت على تأمله علمت السبب في حشو ما تراه في كتب الأدبيات التي ترتب على العصور بالطمّ والرم في تأريخ العلوم الدينية والدنيوية والتراجم الكثيرة التي تخرج بشعر الكتاب الى أن يكون سجل وفيات ))[12] .
ثمّ أن الناس عندهم لكلِّ عقله ومزاجه ومذهبه ، بيد أن (( الرجال عندنا في قياسهم بأولئك ينزلون منزلة التشبيهات بالمعاني الأصلية إلا ما ندر ، ولا حكم للنادر، وذلك أن في لغتنا معنىً دينياً هو سرها وحقيقتها ))[13] ، أي أن معظم العلوم التي ظهرت هي خدمة ودراسة للقرآن والسنة ، ثمّ إستقلت تلك الفنون و العلوم فكان الدين هو محورها الذي تدور حوله منذ مجى الإسلام الى يومنا هذا فمنه إنبثقت العلوم وإليه تعود فهو الهادي للُّغة وللآداب . فهل تشابهت الآداب والعلوم بيننا وبينهم كي نخطو خطاهم على غير بصيرة .؟

             د.أيّوب جِرْجيس العطيّة    grgees19@yahoo.co.........


/////////////////////////////////////////////////////////////


[1] - الأدب الإسلامي ،د محمد حسن   بريغش،ط2،1985،مطبعة المنار ص42 .
[2] - المصدر السابق ص42.
[3] -  محلة الفيصل العدد 214لسنة 1994، مقال المنهج الوافدة واستلاب الذات محمود رداوي ص28.
[4] - بروتوكولات بني صهيون ترجمة محمد خليفة التونسي ،ط6،1982دار الكتاب العربي، البند الرابع عشر ص153.
[5] - إطارإسلامي للفكر المعاصر، د .أنور الجندي ،ط1، 1980،ص329.
[6] - الأدب الإسلامي ، د. محمد حسن ريغش، ص56.
[7] - الثقافة الإسلامية ، عبد الملك عودة،ط3، 1986 منشورات جامعة صنعاء ص270
[8] - إطارإسلامي للفكر المعاصر،د أنور الجندي ص329.
[9] - أحمد فـرح ، شاعـر من فلسطين له مجموعة شعـرية اسمها ( البردة الجديدة ) ومن أمثال أحمد فرح : محمد المجذوب ، صاحب دواوين  ( نار ونور ) و ( همسات قلب ) و ( ألحان وأشجان ) وهو شاعر من سورية.
ومنذر الشعار من سورية أيضاً،صاحب دواوين(الغليان)و(نشيد الإعصار)و(الصواب) ،ووليد الأعظمي من بغداد صاحب دواوين(الشعاع)(زوابع) و (أغاني المعركة)، وسعيد تيم ومروان حديد....وغيرهم كثير.
[10] - الأدب الإسلامي ،د محمد حسن ريغش، ص69 .
[11] - الأدب الإسلامي ،د محمد حسن ريغش ص 71-72
[12] - تاريخ آداب العرب،مصطفى صادق الرافعي،ط4، 1974،دار الكتاب،بيروت 1/21.
[13] - المصدر نفسه 1:22

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق