شَياطِينُ أمْ تَكَامُلُ الوَعِي ؟ د.أيّوب جِرْجيس العطيّة

0




شَياطِينُ أمْ تَكَامُلُ الوَعِي ؟

د.أيّوب جِرْجيس العطيّة

   لقد شاعت خرافة ( شياطين الشعر ) في العصر الجاهلي ، أي أن للشاعر شيطاناً يعينه على قول الشعر أو ( أن الشيطان هو الذي ينفث فيه الشعر ) [1] وهو تعبير أطلقه القدماء على ما يعتري الشاعر من اضطراب عندما يقول الشعر ، حتى أنهم سموا لكل شاعرٍ شيطاناً ، فشيطان الأعشى أسمه ( مسحل ) و شيطان عبيد بن الأبرص ( هبيد ) ، وشيطان امرىء القيس ( لافظ ) وشيطان حسان بن ثابت ( من بني الشيصبان ) [2] ، وبقى هذا الاعتقاد لما بعد الإسلام ، و ورد أن الفرزدق كان يرى للشعر شياطين يدعى أحدهما ( الهوبر ) و الآخر ( الهوجل ) فمن انفرد به الهوبر جاد شعره وصح كلامه ومن انفرد به الهوجل فسد شعره ، يقول أبو النجم عن نفسه [3] :


           إِنِّي وكلُّ شاعِرٍ مِن البَشَرْ ... شَيْطانه أُنْثَى وشَيْطانِي ذَكَرْ
                فَما رآنِي شاعِرٌ إِلاَّ اسْتَتَرْ ... فِعْلَ نجومِ الليلِ عايَنَّ القَمَرْ
   وتفسير ذلك أن الشاعر إن لم يكن يرفع أقواماً و يضع أقواماً ، وأن فمه يتأجج ناراً فذلك الشاعر المغمور الذي لا يُعتد بشعره ولا يروي ( من أجل ذلك كان يميل الشعراء الى الاعتقاد أن شعرهم أحرف نارية تلقي بها الجن على ألسنتهم ، وأنهم يتناولون من الغيب فإذا جاءت القصيدة البارعة ، أعتقد أنها من هناك فيكون ذلك مدعاة إلى توكيد الثقة و الاعتداد بالنفس ) [4].

الشاعر و غياب الوعي :
   نسأل أنفسنا أيستطيع الأنسان أن يقدم شيئاً صحيحاً منظماً إذا غاب عنه وعيه و عقليه ؟

  فالشعر نتاج منظّم لا يصدر إلا من عقلٍ واعٍ ، فإذا كان الشاعر أو الكاتب يعتريه الإضطراب ، يكتب ولا يدري كيف تأتيه الكلمات و التعابير فلا يعني أنه غاب وعيه وأصبح في حالة ( الانجذاب ) لا أن الشيطان يقذف على لسانه الكلمات أو العبارات .
فإذا قلنا :إنه أصبح في غيبوبةٍ أو إنجذابٍ فهو نفيُ للعقل ، و بالتالي نفي للمعرفة ، وأنت لاتسمع ولاتحتكم لأنسان غاب وعيه أحياناً فكيف إذا غاب عقله ؟
ولو قال قائل أن بعض الأشخاص يعتريهم الأضطراب فيتحدثون بكلام لايفهم كقول أبي يزيد البسطامي ( أشرفت على ميدان الليسية فما زلت أطير فيه عشر سنوات ، حتى صرت من ليس في ليس بليس ، ثم أشرفت على التضييع حتى ضعت في الضياع ضياعاً .. في ضياعة التضييع ، ثم أشرفت على التوحيد في غيبوبة الخلق عن العارف و غيبوبة العارف عن الخلق ) [5] .
نقول : إنّ الوهم والاضطراب الذي سيطر على الكاتب أم لا ينكر ، لأن النتاج غامض لا يفهمه أعقل العقلاء ، ولا أشعر الشعراء ، والنتاج المضطرب لا يصدر إلا عن عقل مضطرب في تلك الحالة فلا تدخل هذه النصوص التي تمتلىء بالشطحات العقيدية و اللغوية في الأدب أو الكلام السليم الذي نتحدث عنه .

حقيقة ( شياطين الشعر ) :
أما الأعتقاد أن للشاعر شيطاناً يُوحي اليه الشعر أو ينفث فيه فالأمر فيه نظر ، والذي يبدو أن الخرافة نشأت من باب المجاز أو المثل كما سنوضحه فإذا ثبت ذلك فالأمر ليس خرافة ، وإنما ضرب من المجاز ، والأمر كما قلت أنه من باب المجاز للأسباب الآتية :
1ـ أن بعض الشعراء من كان ينفتح و يهذب شعره حتى يأتي النص مسبوكاً سبكاً جيداً و تظهر ألفاظه في غاية الإتقان .. وهذا خلاف غياب الوعي ، أو نفث الشيطان كما يقال .
2ـ لو كان الأمر كذلك لما بقيت الخرافة بعد الأسلام حتى أيام الفرزدق ألا على سبيل الضحك والمزاح لأن الأسلام بنى مجتمعاً قائماً على التوحيد ، بعيداً عن الخرافة و الأسطورة و التطير ، والذي يؤيد ما قررناه هو ما روي ( أن رجلاً أتى الفرزدق فقال إني قلت شعراً فانظره ، قال انشد ،فقال :
         ومنهم عمر المحمود نايله
                    كأنما رأسه طين الخواتيم
فضحك الفرزدق ، ثم قال : يا ابن أخي إن للشعر شياطين يدعى أحدهما الهوبر ، و الآخر الهوجل ، فمن انفرد به الهوبر جاد شعره و صح كلامه ، ومن انفرد به الهوجل فسد شعره وإنّهما قد إجتمعا لك في هذا البيت فكان معك الهوبر في فأجدت وخالطك في آخره فأفسدت . [6]
ففي قوله : ضحك الفرزدق ثم قال .. أي أنه قاله من باب الضحك لا إعتقاداً .
3ـ أن العرب لم يكونوا يفتتمون في أشعارهم بأستدعاء القوة الغيبية كما هو عند الرومان و اليونان، ( و كان ذلك ذلك لا يجاوز الأعتقاد و حركة النفس كبراً و غروراً ) [7].
ونذهب ما ذهب به الرافعي أن الذي إخترعه هو الأعشى لأنه أول من إحترف الشعر و جعله تجارة ، أي أنه هو الذي أنشأ المقولة ( شياطين الشعر ) ليدعم بها شعره فحالة كحال التجار و غيرهم عندما يضعون أحاديث ينسبونها الى الرسول (ص) ليصرفوا بها تجارتهم كقول أحدهم ( من أكل ثوم عكا،زار مكه ) .
ثم ذكر الرافعي رحمه الله ( أن جهنام تابعة الأعشى [8] وهونفس لقب عمرو بن قطن من بني سعدٍ ، وكان يهاجي الأعشى فكأنه شيطانه لأنه لا يزال يهيجه و يبعثه على الشر و لعل هذا هو الأصل ، ثم اتخذ الأعشى بعد ذلك مسحلاً ، وأما ما نُسب من ذلك الى أوائل الشعراء كأمرىء القيس وما زعموا من أن له قصائد و مطارحات مع عمرو الجنيً و أن شيطانه لافظ بن لاحظ ، فهو من تخرصات
الرواة ) [9] .
4 -ونفى الله عزّ وجلّ عنه ذلك بقوله تعالى:(وما علمناه الشعر وما ينبغي له)
إذًا هنا تعريف للشعر في هذه الآيه الكريمة بأنّـه عِـلم وبأنه من الله عز وجل يهبه من يشاء .فكلمة علّمناه تقتضي أنّـه علم ومَـلكة يؤتيها الله من يشاء
وفي هذا إشارة إلى أنّ الشعر- مطلقًا- لا علاقة لـه بالجـن
وما يشيع في ذلك هو من ردة فعل العامّـة تجاه إمر يعجزون عنه فيحيلون ذلك إلى من لديه قدرة خارقة وهم الجنّ

-وقد يُطلق عند البعض على الرجل الحاذق أو الفطن الشيطان مجازاً فيقال فلان شيطان إن كان حاذقاً في عمل ما كالصناعة أو التجارة ، قال الجاحظ :
( والعرب فيما حكاه أبو عبيدة يعرفون الجنيً بأسماء فإذا كفر و ظلم و تعدى و أفسد قيل :
شيطان ... الخ ، وقد يسمون الغضب شيطاناً ، و من ذلك قول أبي الوجيه العللي في أمرٍ : كان ذلك حين ركبني شيطاني ! قيل وأي الشياطين تعني ؟ قال : الغضب ، كما يسمون به الكبر ، و منه قول عمر (رض) : لأنزعن شيطانه من تغرته [10] و كذلك يريدون بالشيطان في بعض معانيه الفطنة و شدة المعارضة ) [11].
5ـ وقد سمّى سيد قطب تلك الحالة بالنشوة أو الإلهام معللاً نشوء ( شياطين الشعر ) من وقوع مثل
هذه الحالة قال :
( ففي بعض الحالات يكون الانفعال من التوهج و المرارة و الإشراق بحيث يغمر إحساس الأديب و يجعله في شبه نشوة .. وإنما تقفز الألفاظ و العبارات و تتناسق و تتناغم و كأنها تصنع ذلك بدون اختيار ، و خرافة ( شياطين الشعر ) ربما تكون قد نشأت من وقوع مثل هذه الحالة . وقد يتم الشاعر عمله في هذه الحالات الفذة ثم يراجعه فيعجب لنفسه كيف أتته القدرة على صوغ هذه العبارات ! وقد يقف أمامها معجباً و متعجباً كما لو كان يشهدها أول مرة ) [12].
فالشعر موقف وتعبير عن لحظة فالقة من لحظات الحياة تمتزج فيه القيم الشعورية مع القيم التعبيرية ليسمو بالنفس الإنسانية و يرفعها من الحياة العادية و أوحال الحياة الى الحياة الرائعة  السامية ، فلايمكن أن يكون الشعر وهو بهذا الشكل و التعبير ناتجاً من عقلٍ مضطرب ، أو من وحي شيطانٍ .














وذكروا أن الشعر نشأ من المعتقدات الاسطورية والسحرية وسجع الكهان في بدأ أمره ليتطور بعد ذلك إلى فن أدبي له ميزته اللغوية والجمالية .
بل بقيت أثار ولمسات الاسطورة والخيال حتى بعد تبلور فن الشعر بصورة القصيدة المعروفة في العصر الجاهلي كما نلحظ ذلك في فكرة وجود نوع من الوحي الخفي لبعض الاشخاص ينطقوه شعرا ، كالجن مثلا .
في الجاهلية قالوا أن هناك مكانا هو موطن للجن اسمه وادي عبقر ،قال ابن الأَثير : عَبْقَر قرية تسكنها الجن فيما زعموا ، فكلَّما رأَوا - أي العرب - شَيئاً فائقاً غريباً مما يصعب عملُه ويَدِقُّ أَو شيئاً عظيماً في نفسه نسبوه إِليها فقالوا : عَبْقَرِيٌّ .


[1] ـ الأدب الجاهلي ، د.شوقي ضيف ، ص95 ط8 سنة 1960 م .
[2] ـ جمهرة أشعار العرب . ص 19.
[3] ـ نظرات في الأدب و النقد ، عبدالرزاق البصير ص 103 ط 199 سلسلة دار الكتاب الغربي .
[4] ـ تاريخ آداب العرب ، مصطفى صادق الرافعي ج3 ص58 ط2 ، 1974 م دار الكتاب العربي .
[5] ـ نظرات في النقد و الأدب ، عبد الرزاق البصير ص 101 .
[6] ـ جمهرة أشعار العرب ص24 .
[7] ـ تأريخ آداب العرب ، الرافعي 3/59 .
[8] ـ أي شيطانه .
[9] ـ تأريخ آداب العرب ، الرافعي 3/59 .
[10] ـ تغرته : غليانه أو الكبر .
[11] ـ الحيوان للجاحظ ج1 ص38 .
[12] ـ النقد الأدبي سيد قطب ص38 ط 5/1983 م دار الشروق .

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق