فَتْوى لُغويّة: (الكِمَامَةُ)و(الكَمّامة) كلتاهما فاستعملْ...!!!
د.أيّوب
جرجيس العطيّة
قال صاحبُ المقال:(الكمامة للحيوان فقط
)زعماً منه بأنّ العربَ تُستعمل (الكمامة) للحيوان وليست للإنسان،فقد ورد في معاجم
العربية أنَّ (الكِمام)،بالكسر،و(الكِمامة ):شيءٌ يُسدُّ به فم البعير والفرس،أما (النقاب)
فهو للمرأة وكانوا يسمونه في الجاهلية( البرقع والقناع والنقاب)،أما الرجل فيلبس (اللثام)
أو( اللفام)..وكانوا يتلثمون في الغبار وفي الحرب وفي المواضع التي لا يريدون فيها
أن يعرفهم أحد ...
🔷وعليه
عند صاحب المقال:الكمامة للدابة أو البهيمة..
أمّا
النقاب والبرقع والقناع فهي للمرأة..واللثام واللفام للرجل ..
فينُكر صاحبُ المقال أن يقال لغطاء الفم(كِمَامَة)
بقوله:ثم انظرْ إلى من يسمّون غطاء الفم والأنف اليوم في هذه الجائحة ( الكورونا) ب(الكمامة)
التي هي للحيوان دون الإنسان لتدرك أن لغة القرآن عظيمة. ([1])
قلتُ:إنّ ما ذهبَ إليه
صاحب المقال فيه نظر للأمور الآتية:
1-أنَّ(الكِمامة)و(الكمام) تطلق على ما يُسدُّ به فم البعير
والفرس،وعلى وِعاءُ الطَّلْعِ وغِطاءُ النَّوْر(الزهر)، وَالْجَمْعُ كِمام وأَكِمَّة
وأَكْمَام؛ ([2])واستعيرت
أيضًا لـ(أكِمَّةُ
الخيولِ):وهي مخالِيها المعلقة على رؤوسِها وفِيها عَلَفُها([3])وعلّقوا
الأكمّة على الخيل وهي المخالي، الواحد: كِمامٌ ([4])،
بمعنى أنها ليست خاصة
بالحيوان..
بل
أطلق (نشوان الحميري) على كل شيء،بقوله:(الكِمام): ما يكمُّ به الشيء: أي يسدّ، وجمعه:
أَكِمّة. ([5])،وقول
جرير مستعملا الكمام للمرأة:
واستعملها المطرزي لـ(الصُّنْبُورُ)
النُّحَاسِيُّ فِي كِمَامٍ وَهُوَ قَصَبَةُ الْمَاءِ مِنْ الْحَوْضِ إلَى الْحَوْضِ ([7])
2-أنَّ(الكِمامة)أو( الكِمام)
على وزن (فِعال)وهو وزن آلة قياسيّ في العربية،كقولهم:خِطام،
وجِماحُ.وهو
رِباطُ القِرْبة،ما يربط به.والصِّراطُ: قنطرة جَهَنَّم. والقِراطُ: شُعْلة السِّراج.والقِراطُ:
الِمصبْاح.والقِماطُ:الحَبْل الَّذي يُشَدُّ به قوائم الشاةِ عند الذَّبْح.والمِقاطُ:
الحَبْل..وغيره كثير.([8]) بمعنى أنه يستعملُ لكلِّ شيء ..
3-أنَّ لفظ( اللثام واللفام)ليست
للرجل حصرا كما ذهب صاحب المقال،فالمعاجم تُشيرُ إلى أنه قد يكون للمرأة كذلك،فقد
جاء في المعاجم:((والنقابُ عند العرب:ما بلغت به المرأة
عينَها،واللِفام، بالفاء،ما بلغت به طرفَ أَنفِها، واللِثام،بالثاء،ما شدته على فِيها،ومن
ذلك قولهم: تلثمت المرأة، معناه: قد شدَّت ثوبَها على فِيها)). ([9])
ومثله:)) اللِّثامُ رَدُّ المَرْأَةِ
قِناعَها على أَنْفِها ورَدُّ الرَّجُلِ عِمامَتَه على أَنْفِه وقد لَثَمَتْ تَلْثِمُ
وقِيلَ اللِّثامُ على الأَنْفِ واللِّفامُ على الأَرْنَبَةِ والمَلْثَمُ الأَنْفُ وما
حَوْلَه وإِنَّها لَحَسَنةٌ اللِّثْمَةِ من اللِّثامِ))([10]) وقولهم:اللِّفام: النِّقاب
على طَرَف الأَنف مثل اللِّثام على الفَم، وقد لَفَمَتْ فاها بلِفام، إذا نَقَّبَتهُ. ([11])
فاللثام
واللفام للرجل وللمرأة.
4- وما كانَ للمرأة قد يكونُ للدوابِ أيضا من ذلك (البُرْقُعُ):
تَلْبَسُهُ الدَّوابُّ ونِساءُ الأعراب، فيه خَرْقانِ للعَيْنَين ([12])
ومثله
(القِناع)
الذي كان خاصا بالمرأة ،أطلقّ مجَازِا على السِّلاحُ يُقَالُ أخَذَ قِنَاعَهُ، أَي:
سِلاحَه ([13])،أو على ما يتقنع به.ولهذا أطلقَ في العصرِ الحديث على
القِنَاع الواقي:الذي يَحمي من الغازات السَّامَّة. ([14])
ومثله
قِنَاع الأكسجين: أداة تُشبه القِنَاعَ توضع على الفم والأنف وتتّصل بأنبوب
يُستنشق منه الأكسجين.فصار للمرأة والرجلِ وإن اختلفَ شكلُهُ.ولو
منعَ الكمام هناك لمنعَ القناع هنا؛لأنه في الأصل للمرأة..
5-أنّ (الكمامة)
مأخوذ من الفعلِ (كَمَّ) ومعناه:غطّى، وكَمَمْتُ
الشيءَ: غَطَّيته. يُقَالُ: كَمَمْتُ الحُبَّ(الزير) إِذا سدَدْت رأْسَهُ. و(كَمَّمَ)
النخلةَ: غطَّاها لتُرْطِب،والكَمُّ: قَمْعُ الشَّيْءِ
وَسَتْرُهُ،وَمِنْهُ كَمَمْتُ الشهادةَ إِذا قمَعْتَها وسَترْتها،و(كُمُّ )كُلِّ نَوْر:
وِعاؤه، وَ (الْكِمُّ) بِالْكَسْرِ وَ (الْكِمَامَةُ) وِعَاءُ الطَّلْعِ وَغِطَاءُ
النَّوْرِ وَالْجَمْعُ (أَكْمَامٌ) وَ (أَكِمَّةٌ) وَ (كِمَامٌ) وَ (أَكَامِيمُ)، وَهُوَ
الكِمَام، وَجَمْعُهُ أَكِمَّةٌ.([15])
ف(الكِمامةُ
والكِمام) مشتقٌ منْ (كمَّ) بمعنى غطّى عموما فلا مانع من استعمالِها
مع الإنسانِ أو مع غيره،ومثله (الكُمَّةُ): كلُّ ظَرْف غطَّيت بِهِ شَيْئًا
وأَلْبسته إِيَّاهُ فَصَارَ لَهُ كالغِلاف، وكل ما وارى شيئا فهو كِمام له ([16])
وَمِنْ
ذَلِكَ أَكْمَام الزَّرْعِ غُلُفها الَّتِي يَخرج مِنْهَا. وَقَالَ الزَّجَّاجُ فِي
قَوْلِهِ: ذاتُ الْأَكْمامِ، قَالَ: عَنَى بالأَكْمَام مَا غَطَّى. وَكُلُّ شَجَرَةٍ
تُخْرِجُ مَا هُوَ مُكَمَّم فَهِيَ ذَاتُ أَكْمَام. وأَكْمَامُ النَّخْلَةِ: مَا غَطى
جُمّارَها مِنَ السَّعَف وَاللِّيفِ والجِذْع.
وَمِنْ هَذَا قِيلَ للقَلَنْسُوة كُمَّة لأَنها
تُغَطِّي الرأْس، وَمِنْ هَذَا كُمّا الْقَمِيصِ لأَنهما يُغَطِّيَانِ الْيَدَيْنِ.
([17])
فيجوزُ أنْ يُقالَ:(كِمام)،و( كِمامة)،و(كُمّة).
6-وردَ
استعمال هذه الصيغة(الكِمَامة) عند بعض المعاصرين دونَ إنكار ،ومنهم أحمد رضا،فذكر
أنَّ (الكِمامة) لكل شجرة مثمرة ولكل بزر ولكل كبيسة: كمها، ج كمام وأكمة وكمائم.
وهي ما يجعل على منخر الدابة لئلا يؤذيها الذباب لئلا تعض. وغطاء يقي الفم والأنف
من استنشاق الغازات السامة وهو وضع جديد.. ([18])
7-
أنَّ المستعمل اليوم هو(الكَمّامَة)بتشديد الميم الأولى،وليس(الكِمَامَة)،ولو
قيل:(الكَمّامة)
لجاز؛لأنّها
على وزن صيغةٍ من صيغِ الآلةِ والأدوات في العربية هي (فعّالة).
8-
أأدرك صاحبُ المقال حينما منع استعمال صيغةٍ لأكثر من حالةٍ سماتِ لغة
القرآن...!!؟؟ أم يتحدثُ هو عن سماتِ العربية،وليس عن سمات الأسلوب القرآني..!!
والخلاصة: يجوزُ
أن يستعملَ (الكِمَامة)و(الكَمّامة)في العربية للإنسان والحيوان،ولغيرهما..
وما ذهبَ إليه صاحبُ المقالِ ففتواه اللغوية بعيدة عن
الاستعمال اللغويّ..
[2]- تهذيب اللغة (9/ 343)ولسان العرب (12/ 526) مختار
الصحاح (ص: 273) تاج العروس (33/ 398) المخصص (3/ 141)
[9]- الزاهر في معاني كلمات الناس (1/ 447) أمالي القالي (1/ 42) الإبانة في اللغة العربية (4/ 214) المعجم الوسيط (2/ 815)
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق