النص المفتوح التفكيك أنموذجاً ـــ أ.محمد عزّام- سورية
1-النص المفتوح في المناهج النقدية:
النص المفتوح هو النص الذي يجعل قارئه ينفتح على آفاق مختلفة من الثقافات والذكريات والمعلومات. والقارئ هو الذي يفتح مغاليق النص، ويسهم في سبر كوامنه، ويقول ما سكت عنه، ويظهر مكبوته. ذلك أن القارئ في المناهج النقدية الحداثية، أصبح يشارك المؤلف في كتابة النص، بما يستنبطه منه، وبما يضيفه إليه.
وليست التفكيكية هي وحدها التي تقول بالنص المفتوح، وإنما تقول بذلك أيضاً المناهج السياقية في النقد الأدبي كالمنهج التاريخي المفتوح على سياقه، والمنهج الاجتماعي المفتوح على الحياة الاجتماعية، والمنهج الأسطوري المفتوح على الميثولوجيا، والمنهج العلمي المفتوح على المنجزات العلمية في الوراثة والبيئة والجنس (العرق)... الخ فهذه كلها تجعل النص مفتوحاً على الآفاق التي تخصّ كل منهج منها.
كذلك يمكن القول إن المناهج النقدية (ما بعد الحداثية) قد أسهمت أيضاً في فتح النص على آفاقه، فالسيميائية مثلاً هدفت إلى تطوير طرائق منفتحة للقراءة، من أجل تفسير معاني الدلالات والإشارات،
ولأن النصّ في السيميائية هو شبكة من الشفرات، يقوم القارئ بفكّها، فإن مشاركة القارئ تصبح ضرورية، لأنه هو الذي يكشف عن بواطن النصّ. وعن الكيفية التي يتحدث بها. وهذا يعني أنه لا يوجد فاعل واحد للنصّ، بل هناك فاعلون كثر. وأن النصّ ليس مادة سكونية، بل هو تحوّل وصيرورة، وعالم متشابك متقاطع متواصل متنافر.
كذلك أعادت (جماليات التلقي) للقارئ حقّه الذي سلبته إياه الكلاسية، فجعلته (جماليات التلقي) منتجاً للنصّ، ومؤّولاً له. فالنصّ لا قيمة له ما دام حروفاً على الورق، حتى يعطيه القارئ الحياة. من خلال تفاعله معه. وهكذا انتقلت سلطة الأدب من (الكاتب) في الأدب الكلاسي والرومانسي، إلى (النصّ) في البنيوية. فـ (القارئ) في جماليات التلقي التي جعلت القارئ قوة مسيطرة تمنح النصّ الحياة، وتعيد إبداعه من جديد. وبهذا تصبح القراءة عملية إنتاجية، لا مجرد عملية تلقٍ واستهلاك فحسب.
وقد أسهم (التأويل) أيضاً في تفسير النصوص، بعد أن أصبح مجموعة من القواعد التي تحكم عملية تفسير النص الأدبي، بما فتح من المعاني الخفية المتوارية وراء العبارات الظاهرة. حيث يقوم المتلقي/ القارئ بتأويل الغامض، للخروج بحقيقة القصد. وبهذا تكشف القراءة التأويلية احتمالات النص الممكنة، وتتخلص من سلطة المعنى الأحادي، ومن عنف القراءة المغلقة، لأن النص الجيد، هو إمكان مفتوح على اتجاهات كثيرة...
2- النص المفتوح في المنهج التفكيكي:
أما (المنهج التفكيكي) فيختلف عن التفسير السياقي، والتحليل التأويلي، لأنه يحثّ القارئ على استقراء المدلولات، ويعطيه حرية اللعب الكامل بها، ويبيح له أن يفسرها كما يشاء، وإذا كانت البنيوية قد قالت بمشروعية (القراءات المتعددة) فإن التفكيكية تقول بمشروعية (القراءات اللا نهائية)، ذلك أن النص يحفل بالفجوات، وبمناطق الصمت التي ينبغي على القارئ أن يملأها، وهذا ما يجعل القارئ يقوم بمهمة كتابة النص ثانية.
وإنطاق الصوامت يعني قراءة (ما خلف السطور) أو استنباط المسكوت عنه في النص الأدبي.
وهكذا تبدو القراءة التفكيكية حرّة حسب كل قارئ وذخيرته الثقافية، واستنباطه من النصّ، وملئه لفراغاته، والنص –عند التفكيكيين- ليس سوى منطلق فحسب، إلى قراءات حرّة. ومن هنا قولهم: إن كل قراءة هي إساءة قراءة، لأن قراءة تالية ستفككها، لتصبح قراءة سيئة أمام تاليتها.
والفيلسوف الفرنسي المعاصر (جاك دريدا) هو مؤسس المنهج التفكيكي الذي بناه على أنقاض المنهج البنيوي. فلقد كان دريدا بنيوياً، ولكنه خرج على بعض مقولات البنيوية، وجاء بمنهجه التفكيكي في دراسته للنصوص المؤسسة للفلسفة الغربية، ثم اتجه إلى الأدب الذي وجد فيه استراتيجيات تفكيكية لمالارميه، وباتاي، وأرتو، وجينيه، وكافكا... الخ. ممن وجد في نصوصهم الإبداعية وحدات "قلقة" كثيرة تعمل على الإخلال بنظام الأدب.
ويطرح دريدا (التفكيك) Deconstraction و(علم الكتابة) Gramatology، كحلّين بديلين عن البنيوية، وكتجاوز لها في آن، حيث يستبدل (علم العلامات) البنيوي بـ (علم الكتابة) التفكيكي، ويستبدل منهج التحليل البنيوي بمنهج التحليل التفكيكي الذي يقوم باستنطاق واستجواب موضوعاته، بدلاً من عكسها. ويوجّه اهتمامه إلى نصوص بعينها، فيسعى في قراءتها إلى الكشف عن منطق لغة النصّ، بدلاً من منطق ادعاءات مؤلف النصّ، مشيراً إلى التناقضات الحتمية، وإلى التعارضات الميتافيزيقية في النصّ.
ويركز دريدا على نواقص الكاتب في قراءة تستهدف علاقة ما لم يدركها الكاتب، بين ما يسيطر عليه، وما لا يسيطر عليه من أنساق اللغة التي يستعملها. وهذا ليس هجوماً على الكتّاب، وإنما هو كشف عما لديهم من تناقضات مع أنفسهم، وعوامل تفكيك ذاتية في كتاباتهم. ذلك أن وضع المعرفة موضع التساؤل هو أجدى بكثير من اليقين الفوري، وعندما يتساءل الناقد عن صحة مقولات الكتّاب، فإنه يؤدي إلى زعزعة هذه المقولات، وبالتالي إظهار قيمة هذه الكتابات ومصداقيتها.
ويرفض دريدا (القراءة الشكلانية) كما يرفض (القراءة المحايثة) للنصّ، و(الباطنية) أيضاً، لأنه يرى أن الانحباس داخل النّص الأدبي غير ممكن، وأن القراءة المحايثة أو الباطنية للنصّ الأدبي تقوم على الاحتماء داخل الحدود المقامة تاريخياً، ولهذا فإنها لا يمكن أن تكون جذرية تماماً، وبالمقابل فإن الخروج من النص لا يعني ممارسة سوسيولوجية ساذجة، أو بيسكولوجيا سطحية، أو دراسة سيرة الكاتب.
وعادة دريدا في القراءة هي الوقوف عند قطعة من النصّ تبدو هامشية، أو عند حاشية، أو مصطلح، أو صورة، أو تلميح، والتشبث بالعمل من خلالها، حتى الوصول بها إلى حدّ التهديد بتعرية التقابلات التي تحكم النصّ ككل. وفي تعامله مع النصوص لا ينظر دريدا إلى النصّ كمجموع متجانس، فليس هناك من نصّ متجانس، بل إن في كل نصّ قوى عمل هي في الوقت نفسه قوى تفكيك. وهناك دوماً إمكانية لأن تجد في النصّ المدروس ما يساعد على استنطاقه، وجعله يتفكك بنفسه. وما يهمّ دريدا في قراءته ليس النقد من الخارجي، وإنما الاستقرار أو التموضع في البنية غير المتجانسة للنصّ، والعثور على توترات أو تناقضات داخلية فيه، يمكن أن يقرأ النصُّ من خلالها نفسه، ويفكك نفسه بنفسه(1).
ويصرّ دريدا على عدم ارتباط مشروعه بالهدم أو بالعدمية، فيرى أن قراءاته التفكيكية إنما هي عمليات (إيجابية) مزدوجة، لأنها تسعى إلى دراسة النصّ دراسة تقليدية لإثبات معانيه الصريحة أولاً، ثم تسعى ثانياً إلى تقويض ما تصل إليه من نتائج في القراءة الأولى، في قراءة معاكسة تعتمد على ما ينطوي عليه النصّ من معانٍ تتناقض مع ما يصرّح به. وتهدف القراءة الثانية (التفكيكية) إلى إيجاد شرخ بين ما يصرّح به النصّ وما يخفيه، بين ما يقوله صراحة وبين ما يقوله دون تصريح.
وعلى الرغم من أن دريدا يرفض اعتبار التفكيك منهجاً نقدياً، كما يرفض تقنين القواعد والإجراءات له. فإنه وضع مفاهيم ومصطلحات للتحليل التفكيكي تمثّلت في ميتافيزيقا الحضور، والتمركز حول العقل، والاختلاف أو (التأجيل)، والانتشار (أو التشتيت)، والتناقض (أو العمى)، والملحق (أو الإضافة)، والتكرار، والأثر. كما ينسف القراءات التقليدية ليواجه النصوص بحرية، ودونما إعداد مسبق، ودون أن يعمد إلى البحث عن مراكز أو بؤر أو بنى للنصوص الأدبية، هادفاً إلى إظهار تناقضها وعدم تجانسها. وهو يغوص إلى الأعماق، وينتقل من داخلها إلى خارجها متى شاء، دون أن يحبس نفسه داخل النصّ الأدبي، في حفريات معرفية في جسد الخطابات الفكرية والأدبية، من أجل الوصول إلى نتائج وخلاصات هامة.
ويَعُدّ النقاد التفكيكيون –بعد دريدا- النقد أدباً وإبداعاً ثانياً على أنقاض النّص الماثل، فيقول (ليتش): "إن عملية إنتاج التفكيك ذاتها هي بالضرورة إنتاج نصّ. وكل كتابة نقدية من هذا النوع تحتوي نقطتها العمياء الخاصة بها (أبوريا Aporia). فكل تفكيك يفتح نفسه أمام تفكيك آخر. ومعنى هذا أن الإنتاج الأخير لقراءة تفكيكية لا يمكن أن يكون نهائياً، لكنه مجرد خاتمة تخضع هي نفسها لعملية محو جديدة(2).
إننا نعيش في عصر (نقد النقد)، وبدلاً من الدراسة النقدية للأعمال الأدبية، فإننا نشهد استكشاف وإنتاج نصوص نقدية إبداعية أدبية.
يؤكد هذا نقّاد التفكيك، فيقول (جوفري هارتمان): "إن قوة المنظور النقدي يجب أن تصل إلى درجة لا يكون فيها المقال النقدي مكملاً بشيء آخر"(3).
وكأمثلة على هذا العبور من (النقد) إلى (الإبداع) الأدبي، فقد حقق (رولان بارت) هذا مثلاً في تحليله المشهور لقصة (سارازين) لبلزاك، والتي لا تزيد على ثلاثين صفحة، عالجها (بارت) في نقده الإبداعي بكتاب وصل حجمه إلى سبعة أمثال القصة التي تناولها، وتنبأ (بارت) في هذه الدراسة، بضرورة عبور لغة النقد إلى لغة الأدب. كما قدّم دريدا أمثلة عديدة على النقد الحداثي الإبداعي، منها ما جاء في كتابه (نواقيس) Glas حيث قدّم نماذج من النقد الإبداعي. قسم الكتاب فيه إلى عمودين: خصص العمود الأيسر في الصفحة لمناقشة أمور العقل، وخصص العمود الأيمن من الصفحة لشؤون الجسد. ثم قاطع الخطاب في العمودين بمقتطفات مرهقة.
ويرى دريدا في كتابه: علم الكتابة (أو الغراماتولوجيا) أن لا مركز ثابتاً خارجياً يمكن أن يُحال إليه النّص لتحقيق المعنى. وعندها يصبح البديل هو اللعب الحرّ بالمدلولات داخل النسق اللغوي المطلق الذي يترتب على اختفاء أو مراوغة المدلولات للدوال، والذي يجعل الدوال تشير إلى مدلولات عائمة متحركة دون ثبات، مما يجعلها دوالاً لمدلولات أخرى. وهذا الانغلاق التفكيكي يجعل من المستحيل الخروج في اتجاه أي مرجع أو مدلول خارج النصّ، إذ لا يوجد شيء خارج النصّ(4).
وإذا كان التضاد الثنائي يشكل مركزاً هاماً في التحليل البنيوي، فإن اللعب الحرّ بالمدلول يحلّ محله في التحليل التفكيكي، والذي يقوم على أن الدالات (الكلمات) لا تكتسب دلالتها من تجمعها داخل تقابلات ثنائية يحدد فيها معنى كلمة غائبة معنى كلمة حاضرة في النصّ كما يرى البنيويون، ولكنها تكتسب معناها المراوغ عن طريق لعب المدلولات وحركتها الحرّة. وهنا يتمّ تحديد المعنى بصفة مؤقتة فقط، إلى أن يفككه قارئ آخر أو مفسّر آخر. وهذا ما يتمّ في ضوء أفق توقعات القارئ، وهو أفق متغير أيضاً.
ويرى الناقد التفكيكي أن مهمته تجاه اللغة هي أن يفككها، ليفضحها ويكشف زيفها.
ذلك أن التفكيك يكتشف أن ما يبدو عملاً متناسقاً وبلا تناقضات هو بناء من الاستراتيجيات والمناورات البلاغية، وإن فضح هذا البناء ينسف الافتراض بوجود معنى متماسك... فالتفكيكية تفضح التناقض والمراوغة الموجودة في النصّ(5).
وإذا كانت البنيوية قد أقامت دراستها على لغة النصّ، أو بالأحرى (نحوه)، وليس على دلالته أو معناه، فإن التفكيكية قد جعلت (المعنى) مفتاح استراتيجيتها، وقالت بلانهائية المعنى، وباستحالة المرجعية لأية سلطة خارجية، وينفي وجود تفسيرات موثوقة. وبهذا أطلقت التفكيكية (المعنى) من عقاله، وأحالته إلى (لا معنى)، فلم يعد النّصّ مغلقاً أو المعنى نهائياً، بل أصبح النصّ مفتوحاً أمام القارئ الذي حلّ محل المؤلف، وتعدد بتعدد قراءات النصّ، وهذا يعني أنه ليس للنصّ معنى محدد، فليست هنالك بؤرة مركزية يتمحور حولها المعنى، وإنما هناك لعب بالمدلولات، وإنتاج للمعنى إلى غير نهاية، ومن ثم نفي التفسير النهائي للعمل الأدبي. هكذا يبدو النصّ مفتوحاً، والدلالة لا نهائية، وكل قراءة هي إساءة قراءة: reading are misreading وكل تفسير هو إساءة تفسير:
All interpreation are misinterpreation.
والتفكيكيون يطلقون القارئ في النّص ليفسّره كيفما شاء.
ويمكن الآن تفسير بعض المفهومات التي يأخذ بها (المنهج التفكيكي) في النقد:
1-الخطاب حجاب:
بمعنى أن العقل ذات متعالية، تتصف بالقدرة على الربط والتأليف، والربط بين شيء وآخر يعني إغفال أحدهما، أو طغيان الواحد على الآخر. كأنْ نقول: (الإنسان عاقل) فهذه المقولة تطمس الجانب الحيواني، من الإنسان. وكأنْ تقول بـ (العقل العلمي) فهذا القول يخفي أسطورية العقل. وكأنْ تقول بـ (العقل الغربي) فهذا القول يسكت عن استبعاده العقول الأخرى. وهكذا فإن (خطاب العقل) يحجب علاقته المزدوجة بـ (لا معقوله). وهذا يعني أن هذا الخطاب يمارس الحجب والتغييب. وأن (التفكيك) هو وحده الذي يكشف عن مخبآت الخطاب ومغيّباته.
2-النصّ لغة:
نقد النصّ يعني النظر إليه دون إحالته إلى مؤلفه أو إلى الواقع الخارجي. ففي النقد يستقلّ النصّ عن مؤلفه، كما يستقل عن مرجعه، ليغدو واقعة لغوية لها حقيقتها. فالنصّ لا الواقع هو الذي يغدو المرجع. ونحن لا نقرأه لأنه يعكس الواقع أو يميل إليه، فالنصّ الذي يعكس الواقع لا أهمية له، لأنه ينتهي بانتهاء الواقع الذي يتحدث عنه، والنصّ ليس مرآة للواقع، وإنما يشغل المسافة بين ما يقع وما يمكن أن يقع. وربطه بواقع هو إهدار لكينونته. وهو حجب مضاعف: إغفال لحقيقة النصّ من جهة، وطمس للواقع من جهة أخرى.
3-النقد كشف:
يقوم العمل النقدي على الكشف عن استراتيجية النصوص في الحجب أو المخاتلة.
إذ يرى النقد أن النصوص إنما هي أقوال مركّبة لها ألف سطح وسطح، وهي وقائع خطابية تفرض حقيقتها على الناقد، وتحثّه على قراءتها، بغية اكتشاف قواعد انبنائها وتشكّلها. والنقد قراءة تأويلية للنصوص واكتناه العالم. وهذا هو الفرق بين (النقد القديم) الذي يقوم على السلب والنفي، و(النقد التأويلي) الذي ينتج نصوصاً إبداعية على أنقاض النصوص الماثلة. والنقد التفكيكي لا ينظر إلى الخطاب على أنه جملة أفكار يتولّد بعضها من بعض، وإنما ينظر إليه بوصفه فضاء مفتوحاً يمكن الولوج إليه من أكثر من جهة: من خلال العناوين الفرعية، كأبواب للدخول من خلالها على الأنظمة المغلقة والأنساق الصارمة.
4-نقد النّصّ:
النص خطاب له أهميته وخصوصيته. إنه كلام اكتسب جدارته وفرض سلطته. وهو يتصف بالالتباس والاشتباه، ويمتاز بالغنى والكثافة، ويحتاج إلى القراءة، باعتباره يحجب ذاته وسلطته وموضوعاته. ولهذا كانت قراءته قراءة تفكيكية تسهم في الكشف عن محجوبه ضرورة حتمية، وتظهر المسكوت عنه فيه. ذلك أن النصّ الهام هو تعددي لا أحادي، وهو مفتوح لا مغلق. ويشكل لغة فريدة داخل اللغة. إنه ليس مجرد عاكس للمعنى بقدر ما هو عالَم من الدلالات، متعدد الأبعاد، مختلف السياقات، متراكب الطبقات. إنه ليس مجرد سطح لا بُعد له، بل هو وسط فكري، وفتح للمعنى، ومولّد للحقيقة. وهذا يعني أنه لا يكفي، في تعاملنا مع النص، أن نقوم بشرح مقاصده، أو تأويل معناه، بل يفترض أن نعالجه بطريقة جديدة، وذلك باستنطاق بداهاته، والحفر في طبقاته، وتفكيك أبنيته، وكشف آلياته، من أجل فضح بواطنه، وتعرية ألاعيبه في إخفاء ذاته وسلطاته.
إن نقد خطاب المؤلف يبيّن أن الأثر يستقلّ عن مؤلفه كما يستقلّ المخلوق عن خالقه. ونقد القراءة يبين أن القراءة التي تتعلق بالمقول والمفهوم تتناسى عالماً بكامله هو عالم العلامات والرموز. والمطلوب هو بيان تناقضات النّص وتوتراته، من خلال تفكيكه واستكشافه.
واستراتيجية النّص لا تهتم بتصريحات المؤلف. ولا بما يطرحه النصّ من قضايا.
فليس النصّ بأطروحاته، بل بما يتأسس عليه ولا يقولـه، بما يضمره ويسكت عنه. والنصّ يسكت ليس لأن مؤلفه ضنين بالحقيقة على غير أهلها، ولا تقية من سلطة يخشاها، ولا لغرض تربوي أو تعليمي، وإنما لأن النصّ لا ينصّ بطبيعته على المراد، ولأن الدال لا يدل مباشرة على المدلول، ومن هنا يتصف النصّ بالخداع والمخاتلة، ويمارس آلياته في الحجب والمحو أو في الكبت والاستبعاد. إذ يمارس النصّ حجباً مضاعفاً: فهو يحجب ذاته، كما يحجب ما يتكلم عليه. ومثال ذلك –عند علي حرب- هو دعوة ذوي العقائد: فما يصرّح به الداعية هو أنه يدافع عن مرجعيته وسلطته، ويتصرف إزاء سواه بوصفه أولى منهم بأنفسهم. وبذلك يستوي الإسلامي والقومي والماركسي وكل ذي معتقد يستخدم نفس الأدوات المفهومية، ونفس آليات الحجب والتضليل، ونفس البداهات المنسيّة من فرط انكشافها، وهذه هي خاصية الخطاب. إنه يحجب البداهة، كما يحجب اللاهوتي الناسوتي.
وتلك هي مخاتلة الكلام.
هكذا تقوم استراتيجية النصّ على جملة من الإجراءات يمارس من خلالها النصّ آلياته في الحجب والتضليل، وهنا مكمن السرّ في النصّ، أي أنه يخفي استراتيجيته ولا يُفضي بكل مدلولاته. ولهذا تبدو قوة النصّ في حجبه ومخاتلته، وليس في إفصاحه وبيانه، في اشتباهه والتباسه، لا في أحكامه أو إحكامه، في تباينه واختلافه لا في وحدته وتجانسه.
من هنا يقوم التعامل مع النصّ على كشف المحجوب والمستور. فما يحجبه القول هو الذي يجعل القراءة الكاشفة ممكنة. وكلما ازداد الحجب ازداد إمكان الكشف، وتنوّعت احتمالات القراءة، فثمة نصوص لا تستنفد قراءتها، وهذه خاصية النصّ الجيد: إنه لا يقول الحقيقة، أي لا يقول كل ما يريد قوله. وهذا معنى (إن للنصّ حقيقته)، أي أنه يقوم بينه وبين الحقيقة حجاب. وقارئ النصّ هو الذي يُحسن رؤية ما لا يُرى بصرف المعنى أو استنطاق الصمت أو ملء الفراغات. إن نقد النصّ هو قراءة ما لم يُقرأ.
5-القراءة التفكيكية:
القراءة نشاط فكري لغوي يُنتج الاختلاف والتباين، وليست مجرد صدى للنصّ. إنها احتمال من احتمالاته الكثيرة والمختلفة. والقارئ يقرأ، إذ يقرأ، ذاته. وليس القارئ في قراءته كالمرآة، لا دور لـه إلا أن يعكس الصور والمفاهيم والمعاني التي رام صاحب النصّ قولها والتعبير عنها، فالأحرى القول إن النصّ مرآة يتمرأى فيه قارئه، ويتعرّف من خلاله على نفسه بمعنى من المعاني، والنصّ الجدير بالقراءة يتيح للقارئ الجدير بالقراءة أن يستدعي قراءة ما لم يُقرأ، ويستنبط من النصّ ما خلف السطور...
والنصّ الجيد تختلف قراءاته بحسب العصور، والقرّاء، وتتعارض قراءاته بتعارض الأيديولوجيات والاستراتيجيات،
فالقرآن الكريم مثلاً كنصّ تختلف قراءاته باختلاف المجالات الثقافية والميادين العلمية: فالبلاغي يجد فيه ذروة البلاغة والإعجاز، والفقيه يستنبط منه الأحكام الشرعية، والكلامي يؤسس عليه منظومة عقائدية، والسياسي يستخلص منه نظام حكم ومشروع دولة، والصوفي يكتشف فيه مثالاً زهدياً وبعداً عرفانياً، والفيلسوف يجد فيه حثّاً على النظر والتفكر... وما يصدق على النصّ القرآني يصدق أيضاً على النصوص الأدبية والفلسفية... فإذا كان النصّ الفلسفي الذي هو نصّ برهاني نظري يقبل أكثر من قراءة، فمن باب أولى أن ينفتح النصّ الشعري على ما يختلف ويتباين من القراءات، إذ أن الشعر هو أكثر الكلام احتمالاً للتأويل، لأنه من أكثر الكلام استعمالاً للمجاز.
ولكن هذا لا يعني أن القارئ يقرأ في النصّ ما يريد أن يقرأه، أو ما يحلو له أن يقرأه، وإلا استحال الأمر عبثاً ولغواً. فليس القصد أن القراءة هي إمكان قول كل شيء في أي شيء، وإنما القصد أن القارئ، إذ يقرأ النصّ، إنما يستنطقه ويحاوره. وهو إذ يفعل ذلك إنما يستنطق ذاته في الوقت نفسه، ويستكشف النصّ بقدر ما يستكشف ذاته.
وإذا كان القارئ يستنطق حقيقة النصّ ويسائله عن دلالته، فإن النصّ –بدوره- يستنطق حقيقة القارئ ويسائله عن هويته. والنصّ مثل الجسد، قد "يراود" القارئ عن نفسه، فيغريه، ويفتح شهيته للكلام، ويحرك رغبته في المعرفة فيلتذ القارئ به، ويشتاق إليه، حتى يصبح النصّ بمثابة مرآة يرى فيها القارئ نفسه. كما تسهم المرآة في عملية التماهي مع الذات واكتساب الهوية، وتولّد ضرباً من الشعور النرجسي. وكل تماهٍ يخالطه عشق الذات والتذاذ بها. وهذه هي خاصية النصّ الجدير بالقراءة: إنه لا يحمل في ذاته دلالة جاهزة ونهائية، بل هو فضاء دلالي، وإمكان تأويلي. ولهذا فهو لا ينفصل عن قارئه، ولا يتحقق دون مساهمة القارئ. وكل قراءة تحقق إمكاناً دلالياً لم يتحقق من قبل. وكل قراءة هي اكتشاف جديد لبعد مجهول من أبعاد النصّ، أو كشف لطبقة من طبقاته الدلالية، وبهذا تسهم القراءة في تجديد النصّ، والنصّ لا يتجدّد إلا لأنه يملك بذاته إمكانية تجدّده.
من هنا انفتاح النصّ على الاختلاف والتعدد. وهذه النظرة المنفتحة إلى النّص تستمد مشروعيتها من اختلاف القراءات للنصّ الواحد، فلو لم يكن النصّ كذلك لما تغيّرت قراءته، ولما تنوّعت دلالته عند كل قراءة: ولهذا لا حياد في القراءة، بل إن كل قراءة فعالة للنصّ تعيد تشكيله وإنتاج المعنى. ولهذا نقول: إن القراءة الحرفية هي خدعة وصمت. وهي لا قراءة، لأنها لا تقرأ إلا الوجه الظاهر للنصّ، وتُمسك عن التفسير والتأويل. فاللفظ فيها لا يعني إلا معنى واحداً، والمعنى –على هذا- ظاهر بذاته، ولا يحتاج إلى شرح أو تفسير. ولكن هذا المعنى الحرفي الظاهر إذا كان ينصّ على حقيقة ظاهرة، فإنه يحجب حقيقة أخرى باطنة، ذلك أن النصّ ليس ذا بُعد واحد، وإنما هو ذو وجه آخر غير ظاهر يمكن استنباطه عن طريق التفسير والتأويل. ومهمة القارئ أن يعمل على تحرير النصّ من المعنى الواحد، للكشف عن (المعاني الثواني) أو (معنى المعنى). وقد كان نقادنا القدامى يصفون المؤلف الجيد بـ (الغوص) على المعنى، و (النفاذ) إلى العمق، ولإدراك (درر) المعاني. ومن هنا فإن النصّ لا يُفصح عن نفسه مباشرة، وإنما يحتاج إلى قدر من المعالجة، للوقوف على مضامينه ومعانيه الخفية الكامنة.
من هنا ضرورة القراءة المختلفة عن القراءة العادية، إذ القراءة التي تقول ما يريد المؤلف قولـه لا مبرر لها، لأن الأصل يُغني عنها. والمطلوب هو القراءة التي تقول ما لم يُحسن المؤلف قوله. هكذا تُلغي القراءةُ النصَّ، لأنها تقرأ فيه المختلف، فهي قراءة فاعلة ومُنتجة. ولهذا ليس كل خطاب يتيح إمكانية القراءة، فالنصّ المحكم ذو البعد الواحد هو عمل لا يستدعي القراءة، بل يحتاج إلى قارئ سلبي يُحكم عليه سيطرته بإسكاته، أما الخطاب المختلف، المراوغ، الملتبس، المتشابك الدلالات، المتعدد المستويات، المتراكب الطبقات، فهو وحده الذي يتيح إمكان القراءة الكاشفة، بل يتيح أكثر من قراءة، إذ أن قراءاته تتعدد بتعدد مستوياته، وتختلف باختلاف قرائه.
إن القراءات المهمة ليست هي التي تقول لنا ما أراد النصّ قوله، وإنما هي التي تكشف عن إرادة الحجب في الكلام، ولهذا فإن مثل هذه القراءة لا تتعامل مع النصّ كخطاب محكم متجانس، بل كفضاء رحب، أي كنصّ متنوع متعدّد. ولا تهتمّ بالمصرّح به، ولا تعنى بالمتن وطروحاته، بقدر ما تلتفت إلى الهوامش والحواشي والإحالات، وتُعنى باختلاف النصّ وتوتراته، وبخداع الكلام ومخاتلته، متجاوزة ما يريد المؤلف قوله، للكشف عما لا يقوله، ولا يفكر فيه. هكذا قرأ (علي حرب) مثلاً ابن عربي مستكشفاً معقوله من وراء لا معقوله، وأظهر لا عقلانية الجابري المتوارية وراء نقده العقلاني للصوفية.
إن مهمة الناقد هي ألا يؤخذ بما يقولـه النصّ، وأن يتحرر من سلطة النصّ، لكي يقرأ ما لا يقرأه النصّ.
ولكن انطلاقاً مما يقوله، وبسبب ما يقوله، فالنصّ يحتاج إلى عين ترى فيه ما لم يره المؤلف وما لم يخطر لـه. وعين الناقد هي المؤهلة لذلك، لأنها تنقّب في النصّ طولاً وعرضاً وعمقاً وفي كل اتجاه، كاشفة عن عنصر أو وجه أو مستوى يتصل بطبيعة النصّ وبقواعد تشكّله وببنيته، وتلك هي المعادلة الصعبة: أن يتعامل القارئ مع النصّ كحقل للبحث والتنقيب، أو كمنطلق للتساؤل والتجريب(6).
في القراءة التفكيكية ليس المهم ما يدّعيه صاحب النصّ. وإنما المهم هو النصّ. ونحن لا نقرأ النصّ كي نعرف ما أراد المؤلف قوله، وإنما نقرؤه قراءة منتجة تجدد المعرفة به. والنصّ الهام لا يمكن احتواؤه أو اختزاله، لأنه يملك القابلية على التجدد عبر قراءاته المختلفة، فكل قراءة تحييه وتعيد إنتاجه بقدر ما تقدم عنه نسخة جديدة مختلفة، ولهذا لا يمكن القبض على حقيقة النصّ، لأن النصّ ليس بما يقوله أو يطرحه، وإنما هو غير ما يقوله ويطرحه. والقارئ ليس ملتزماً أن يأخذ بما يدّعيه مؤلف النصّ، بل هو يرى ما لا يراه المؤلف، ويقرأ ما لم يقرأه.
6- بين التفكيك والتأويل:
يعثر الباحث في النقد على مصطلحات عديدة، من مثل: الشرح، والتفسير، والتأويل، والتفكيك... الخ. وهذه المصطلحات أصبحت مفاهيم، ثم مناهج نقدية، فقد كان (الشرح) و (التفسير) مثلاً منهجين في نقدنا القديم، واليوم يمكن اعتبار (التفكيك) و (التأويل) أيضاً منهجين في النقد الأدبي المعاصر، والتمييز بين هذه المصطلحات لا يعني إمكان الفصل بينها بصورة حاسمة، إلا بقصد الدراسة، فقد يصرّح الناقد بأن يشرح ويفسر فيما هو يؤول، وقد يبحث في طبقات المعنى عن (معنى المعنى) فيؤول. وقد يتجاوز ذلك إلى (ما خلف السطور) أو إلى (ما غفل عنه النصّ) فيكون بذلك مفكّكاً.
وإذا كان (الشرح) يقوم على المماهاة والمحافظة، لأنه يقوم على الكشف عن مراد المؤلف ودلالة النصّ، ويعطي الأولوية للمعنى على النصّ والقارئ، ويزعم فيه المفسر أنه يكشف عن مراد المؤلف ويقف على مقاصده، فإن (التأويل) يبحث عن المعنى الضائع. فهو انتهاك للنصّ. وخروج على دلالته. ولهذا فهو يشكل استراتيجية أهل الاختلاف والمغايرة، وبه يكون الابتداع والتجديد...
ولكن (مأزق الشرح) إذا كان يتجلّى في أن كلام المفسّر لا يتطابق مع النصّ المراد تفسيره، فإن (مأزق التأويل) يتجلّى في أنه يوسّع النصّ بصورة تجعل القارئ يقرأ فيه كل ما يريد أن يقرأه، فهو يصرف اللفظ إلى معنى جديد مغاير، ويحوّل النصّ إلى إنتاج المعنى، عبر كلام القارئ الذي يغدو نصّاً جديداً مختلفاً عن النصّ المقروء. فهناك دوماً هامش في النصّ يسمح للقارئ أن يقرأ ما لم يقرأ في النصّ.
وإذا كان القارئ يستنطق النصّ ليستخرج مكنوناته، فإن النصّ يسهم بدوره في استنطاق القارئ. وهكذا تزدوج فعالية القارئ: إذ يشتغل على ذاته، وعلى النصّ في آن، ويُعمل فكره لإعادة إنتاج المعنى، محوّلاً قراءاته إلى فعل معرفي خلاّق. وهذا هو مسوّغ كل قراءة: أن تختلف عما تقرأه. ومعنى الاختلاف أن لا معنى باطناً يُبحث عنه في النصّ، بل ثمة شيء يختلف عن نفسه باختلاف الكلام عليه، بخلاف (التفكيك) الذي يتجاوز ثنائية الظاهر والباطن، والسطح والعمق، ليقول إن الخطاب يحجب ذاته.
أما في (المنهج التأويلي) فيجري التعامل مع النصّ ليس بوصفه أحادي المعنى والدلالة، بل بوصفه متعدد الوجوه والأبعاد والسطوح. فالنص –في التأويل- كالجسد، يمكن تقليبه على أكثر من وضع، ورؤيته من أكثر من جانب، بحيث يكون هنالك مجال لأن نكشف فيه عما لم ينكشف، أو نقرأه قراءة جديدة مغايرة: إمّا بصرف النظر إلى معنى لم يكن محتملاً، أو بانتهاك النصّ للخروج على الدلالة واجتياز الحدود لتوليد معنى جديد، أو للكشف عن وجه آخر للحقيقة داخل النصّ. وبهذا فإن التأويل يتيح للمؤول أن يخترق الحواجز بين الأنا والآخر، ويتحرر من التصنيفات النهائية والحاسمة للثقافات والعصور...
وأما (التفكيك) فأول مَنْ بدأه (نيتشه) الذي وجّه سهام النقد إلى مفهوم الحقيقة.
ثم جاء (هيدجر) فوضع مصطلح (التفكيك)، وركّز نقده على الخطاب الغيبي. ثم جاء (ميشيل فوكو) صاحب (المنهج الحفري) في تحليل وقائع الخطاب وأنظمة المعرفة، وبالتوازي معه ظهر (جاك دريدا) الذي تبنّى مصطلح (التفكيك) وبرع في استثماره، حتى اشتهر به. مركزاً نقده على عالَم المعنى وفلسفة الحضور، من خلال عالم الكتابة ومفاهيم الأثر، والاختلاف، والإرجاء...
ويتجاوز (المنهج التفكيكي) ثنائية الظاهر والباطن، والسطح والعمق للنصّ، ليقول بأن الخطاب يحجب ذاته، أي يحجب بنيته وسلطته، فهو يحجب ذاته من فرط حضوره: فالخطاب اللاهوتي يحجب ناسوتيته من فرط جلائها. وفي حين يهتم (المؤول) بكشف الغطاء عما غمض وخفي، أي عن (معنى المعنى)، فإن (المفكك) يهتم بالكشف عن الأساس المحتجب للمعنى. والمحتجب ليس هو الباطن، وإنما هو المسكوت عنه أو المنسي أو المهمّش. وهكذا يقطع (التفكيك) الصلة نهائياً مع المؤلف ومراده، ومع المعنى واحتمالاته، لكي يلتفت إلى ما يسكت عليه المتكلم فيما هو يتكلم عليه. فالتفكيك حفر في طبقات النصّ لتعرية آلياته في إنتاج المعنى، أو فضح ألاعيبه في إقرار الحقيقة. ولهذا فإن التفكيك يشكل استراتيجية الذين يريدون التحرر من سلطة النصوص وإمبريالية المعنى وديكتاتورية الحقيقة. وهو يتجاوز منطوق النصّ إلى ما يسكت عنه النصّ، ولا يقوله، إلى ما يستبعده ويتناساه. إنه يقول لنا إن الخطاب ليس بمنظومته بل بالمسكوت عنه.
وهكذا يتداخل (التأويل) و (التفكيك) ويتماثلان، فكلاهما يتجاوز ظاهر النصّ إلى منطقه الخفي، غير أنهما يفترقان في:
1-(التأويل) يستقصي المفهوم، ويلتقط المعنى، ويفاضل بين وجوه الدلالة، بينما يتعدى (التفكيك) المعنى واحتمالاته، ولا يهتم بالمعنى بقدر ما يسعى إلى التحرر منه.
2-يسعى (التأويل) إلى الوقوف على مقاصد الكاتب، بينما يقطع (التفكيك) الصلة بالكاتب وقصده.
3-يفصل (التأويل) بين عالم الحقيقة وعالم المجاز، بينما يرى (التفكيك) أنه لا إمكان لقول الحقيقة دون مجاز، لأن الخطاب ذو طبيعة مجازية. ويخلخل التفكيك بنية النصّ، ويحفر في طبقاته، ويهتم بفراغاته وثقوبه، وهو لا يهتم بما يطرحه القول، بقدر ما يُعنى بما يستبعده أو يتناساه، ولا يبحث عن الدلالة الحقيقية للنصّ، بل يتعامل مع النصّ نفسه بوصفه واقعة مستقلة تملك حقيقتها، وتفرض نفسها، وبوصفه استراتيجية للحجب والخداع.
وهكذا فإن خطاباتنا ليست مرايانا، بل قد تكون العكس: أقنعة نتخفّى وراءها. من هنا جانب الخداع الذي يمارسه المتحدث. وكل نصّ يمارس غوايته أو سلطته على القارئ، وبخاصة إذا كان نصّاً جميلاً، فهو يصرفنا عن موضوع الكلام نفسه. لأن الكلام الجميل يصبح أجمل من الحياة نفسها، وربما بديلاً عنها. ولذلك ينبغي الحذر من النصوص والخطابات، فهي أشبه بمصائد نقع في شباكها...
وعلى الرغم من أن علاقة المؤلف بنصّه وبنتاجه تشبه علاقة الأب بابنه، أو الخالق بمخلوقاته، ولهذا يتعلق الكاتب بما يكتبه، ويتعصب له، فإن النصّ ينفصل عن صاحبه، ويصبح أثراً له كينونته المستقلة. وهو لا يشهد على حقيقة مؤلفه بل يفرض نفسه على القارئ بمقدار ما يخفي حقيقته عنه، ويحمله على استنطاقه، ومن هنا تمكن قراءة النصّ دون إحالته إلى مؤلفه، ويمكن النظر إليه في ذاته، وبمعزل عن كاتبه.
النصّ فضاء للتأويل، وإمكان لتعدد المعنى واختلافه، أو تشظّيه، وإذا كانت المناهج النقدية السائدة تسعى إلى معرفة مقاصد المؤلف، أو التقاط المعنى، أو شرح القول، فإن (المنهج التفكيكي) يرمي إلى تفكيك المعنى وإعادة إنتاجه، وإلى العمل على تحويله وتفتيته أو حتى تغييبه، وذلك بالكشف عن اللا معنى القابع وراء المعنى، وعن المنطقة الخفية من الحياة الباطنية للعقل والتي نسميها منطقة (اللا مفكر فيه)، وهي المنطقة الخارجة أو المستبعدة عن دائرة التفكير، لأن النقد التفكيكي حفر وتنقيب في طبقات الأقوال. وفضيحة للعقل والفكر، لأنه يكشف عما يدور عليه العقل من حمق وجنون ولا معقول، ويكشف عما تتناساه الذات المفكرة فيما هي تفكر. فالفكر ليس تمرئياً أو إشراقاً، بل ينبني على صمت أو كبت، ويقوم على استبعاد ونسيان....
الهوامش:
(1)دريدا –الكتابة والاختلاف- تر: كاظم جهاد- دار توبقال- الدار البيضاء 1988 ص49.
(2) V. Leitch: Deconstraction Criticism P. 229.
(3) G. Hartman: Crossing over Literary commentary as Literature comparative L teratuer (Summer 1976 P 265).
(4)J.Derrida: De La Gramatologie Paris. Minuit 1967. P 158.
(5) Art. Berman: From the new criticism to Deconstraction, P: 211.
(6) علي حرب –نقد النصّ- المركز الثقافي- بيروت 1993 ص22.
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق