ونبحث عن النظرية المعاصرة التي طرحت في مجال تفسير النص وفهمه أو تأويله، وهي الهرمنيوطيقا أو التأويلية وقد كان لها تأثيرها في الكثير من البحوث الجديدة حول المعرفة الدينية وتفسير النص الديني، وربما كانت الأكثر تأثيرا في هذا المجال من غيرها من النظريات.
أسماء الهرمنيوطيقا (التأويلية)
أسماؤها: وقد عبر عنها في بعض الكتابات بـ (علم التأويل والتأويلية)1، وقد فرق علماؤنا وخاصة في علم التفسير بين التأويل والتفسير وأن التأويل يعني التوصل لمعنى أعمق من التفسير، والظاهر أن هذا العلم اقرب للتأويل من التفسير كما سيتبين، وبعضهم يصر أن المراد من هذه اللفظة (التفسير). أو معنى يشمل التأويل والتفسير، فهو (علم التفسير). لأنه الترجمة اللفظية للكلمة بلغتها الانجليزية (hermeneutic), ولكن نعبر عنه أحياناً بالتأويلية أو تفسير النص وفهمه، لأنه أكثر وضوحاً للقراء، وربما عبرنا أحياناً بالهرمنيوطيقا.
تاريخها ومصدرها: وهذا المصطلح اشتق من فعل يوناني (HER MENEUIN) بمعنى الإظهار والتبيين والترجمة والتفسير، وقد ذكروا بأنه اشتق من (هرمس) في اليونانية وهو الملاك الذي ينقل رسائل الآلهة من بعضهم لبعضهم الآخر، حسب الأساطير اليونانية، وفي نفس الوقت يساعد البشر في فهم الرسائل الرمزية للألهة، وفي فهم كلام كل منهم مع الآخر2.
وفي مصدر آخر، أن هرمس هو الرسول الذي يروح ويغدو بين زيوس والالهة الأخرى، أو بين زيوس والبشر3.
وقد ذكر أن أول من استخدمه أر سطو في باب منطق القضايا من كتابه (الأرغنون)، وفي القرون الوسطى استخدم المصطلح بمعنى تفسير وتأويل الكتاب المقدس، حيث يشير إلى مجموعة من القواعد التي يجب أن يتبعها المفسر لتفسير النص الديني (الكتاب المقدس)، ثم وسع ليشمل تفسير مطلق النصوص، وقد طبع أول كتاب باسم (الهرمنيوطيقا) عام 1654 ومؤلفه (دان هاور).
والاشتقاق المذكور لا يساعدنا على التعريف الدقيق لهذا العلم، وذلك لأنه لا يمكن أن نعرف الهرمنيوطيقا بأنها (علم التفسير) أو (علم التأويل) كما في بعض الكتابات، وذلك لأن الهرمنيوطيقا، وإن ظهرت في بداياتها (في القرن السابع عشر) كعلم وإتجاه مستقل في الفكر البشري بصورة (علم التفسير) أو (فن تفسير النصوص) ولكنه في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين توسعت بحوثه كثيراً بحيث لا يمكن لهذا التعبير (علم التفسير، أو فن تفسير النصوص) أن يكون معبراً بدقة عن الجهود والبحوث الكثيرة التي دخلت عالم الهرمنيوطيقا في عصرنا.
وقد تجاوز هذا المصطلح في نظرياته الحديثة مجال النص الديني، بل تجاوز حتى النص إلى تفسير سائر المواقف والسلوك الإنساني، فكان لها تأثيرها الأساس والخاص في الكثير من العلوم ومجالات المعرفة، وخاصة العلوم الإنسانية أمثال الفلسفة والتاريخ، وعلم الاجتماع والنقد الأدبي، وغيرها.
علاقتها بالنص الديني:
وبعض آراء وبحوث الهرمنيوطيقا أو التأويلية وإن لم تطرح لتفسير النص الديني، بل لمطلق النص بعامة، أو للنصوص الأدبية أو لفهم النصوص في العلوم الإنسانية بخاصة أو للنص الديني غير الإسلامي، ولكن لا شك بتأثيرها في مجال الدين والقضايا والنصوص الدينية، فإنها إما أن تبحث عن وضع منهج وقواعد للتفسير وفهم النص، أو الأعم من النص والسلوك والمواقف بصورة عامة كما في بعض نظرياته، أو تبحث عن تفسير حقيقة الفهم والرؤية الفلسفية له، ومعالمه العامة، والشروط الوجودية لحصوله، ولا تبحث عن منهج معين للتفسير، كما في النظرية المعاصرة وهي الهرمنيوطيقا الفلسفية، لذلك فإن آراءها ومعطياتها سوف تؤثر في القضايا والنصوص الدينية، وخاصة أن أكثر الأديان الإلهية تعتمد على النص الديني المستمد من الوحي، بالإضافة إلى الاعتماد على أقوال الأنبياء، أو سنة الرسول(ص) وأولياء الدين وأقوالهم، لذلك فالنظريات التي تطرح حول النص أو مطلق السلوك وتفسيراته سوف تؤثر في مجال القضايا والنصوص الدينية.
وذلك لأن هذا العلم يبحث عن مسائل عديدة ترتبط بالنص بالرغم من اختلاف اتجاهاته ونظرياته، ولكنها تشترك في أن لها تأثيرها الكبير في تفسير النص وفهمه، وربما تغيرت أو تطورت النظرة والطريقة في عملية التفسير لاختلاف آراءها، فهي تبحث عن مجالات عديدة مرتبطة بالنص فربما بحثت مثلاً حول طبيعة النص ومعناه، وحقيقة الفهم والتفسير وعلاقة النص بالتراث والتقاليد، والعلاقة بين النص والمؤلف، وتركز كثيراً على علاقة المفسر بالنص، وهل للنص شخصية مستقلة عن المؤلف، وليس لقصد المؤلف ومراده من النص أهمية وإنما المهم فهم المفسر، أو أنّ المهم الوصول لقصد المؤلف، وهل يمكن الوصول إليه، وكيفية ذلك، وما هي تأثيرات ظروف المؤلف أو المفسر ومكوناته الثقافية والفكرية والاجتماعية، في النص وتفسيره وخاصة مع اختلاف زمان وظروف المفسر عن المؤلف، هذه مسائل وأمثالها بحثت عنها نظريات التأويلية.
ومن هنا ارتبطت بالكثير من القضايا المعاصرة المطروحة في مجال الفكر والثقافة والمعرفة الدينية, بل كان لها تأثيرها بالفعل في هذه القضايا، أمثال البحث عن إمكان أو مشروعية القراءات المختلفة للدين أو النص الديني والإسلامي, وتاريخية الفهم، وحصر كل فهم وتفسير بزمانه، والتغير المستمر والدائم لعملية الفهم، على اعتبار أنها ترى أن كل فهم يتأثر بظروفه وخلفيات المفسر وهي متغيرة دائماً، فالتفسيرات متغيرة ومتعددة، وتاريخية النص وتأثره بثقافة عصره، وبالوعي التاريخي لمؤلفه, والاهتمام بدور المفسر ومحوريته في تفسير النص بدلاً عن الاهتمام بالمؤلف والنص ومحوريته، أو بالعكس والتأكيد على التأثير الدائم والجبري لوعي المفسر وخلفياته وظروفه ومعلوماته وميوله وأحكامه المسبقة في تفسير النص، وغيرها من البحوث والمجالات التي لا شك بتأثيرها في الفكر الديني والإسلامي.
تعريف الهرمنيوطيقا:
ذكرنا أنه لا يمكن أن يذكر للتأويلية تعريف معين، لاختلاف النظريات والآراء التي طرحها أصحابها في مجال تأويل النص وتفسيرها من حيث الموضوع والهدف ومجال البحث وما عرضها من تغييرات وتطورات خلال تاريخها، بحيث كان الاختلاف بين بعضها اختلافاً جذرياً، فكان لها في كل مرحلة فهم ومعنى وطابع معين، لذلك لم تسلك في مراحلها مسيرة واحدة تصاعدية, وإنما كانت بعض مراحلها تختلف تماماً عن مرحلة أخرى، لذلك لا يمكن أن يذكر لها تعريف واحد معين يجمع مراحلها وتطوراتها ونظرياتها المختلفة.
وقد ذكرت لها تعاريف من قبل أصحابها، ولكنها تعريفات مختلفة حسب الاتجاهات والمراحل التي مرّ بها هذا المصطلح، أمثال (علم تفسير الكتاب المقدس، علم تفسير النصوص، العلم بقواعد فهم النصوص، منهج المنع من سوء الفهم، كما عند شلاير ماخر، منهج المعرفة في العلوم الإنسانية كما عند (ديلتاي), البحث عن حقيقة الفهم وفلسفته كما عند (هيدجر وغادامر), وسنرى خلال استعراض مراحلها ونظرياتها مدى تأثيرها في اختلاف التعريفات، مع اختلافها أيضاً في مجالات تأثيرها، وقد أشرنا إلى بعض هذه الاختلافات في الموضوع والهدف والمجال، فبعضها يهتم بقصد المؤلف، ولكن بعضها يهتم بفهم المفسر، وبعضها يعتقد بوجود معنى معين نهائي للنص، بينما الهرمنيوطيقا الفلسفية, وهي أشهر وآخر نظرية معاصرة في هذا العلم، أنكرت وجود معنى معين ونهائي ومطلق للنص، وإنما للنص تفسيرات متعددة غير متناهية بعدد المفسرين وخلفياتهم وظروفهم المتعددة المختلفة، لذلك فإن أفضل طريقة للتعرف على هذا العلم, هو البحث والتعرف حول أهم نظرياته حسب مراحل تطوره, وسنؤكد أكثر على نظرية (هيدجر وغادامر) وخاصة (غادامر) لأنها الأكثر شهرة ونفوذاً أو حداثة في العصر الحديث في مختلف مجالات تأثير التأويلية وخاصة في تفسير النصوص والنص الديني بخاصة.
مراحل الهرمنيوطيقا:
بما أن الهرمنيوطيقا علم جديد وله اتجاهات وآراء ومراحل مختلفة، وعلماء متعددون في الغرب ولا زالت تواصل مسيرتها حيث تظهر أسماء واتجاهات جديدة مع اختلافهم الكبير في الرأي، لذلك وقع بعض الاختلاف بين الباحثين, في أسماء هذه الاتجاهات والمراحل، أو بعض آراء علماءها، فبعض المراحل سميت بالرومانسية بينما بعض الباحثين سماها بالكلاسيكية، لذلك فلا أهمية للتسمية، وإنما المهم التعرف على بعض آرائها ، وأما البحث بتوسع عن هذه الاتجاهات والمراحل وعلماءها وآرائها, فلا تتسع له هذه الدراسة، ونذكر هنا بعض الآراء والتقسيمات العامة لهذا العلم.
تقسيم للمراحل:
فالبعض ذكر بأن التأويلية مرت بثلاث مراحل، الكلاسيكية التي تعتمد طرح منهج لتفسير النص المقدس، أو مطلق النصوص، والرومانسية بدأت مع (شلاير ماخر) تعتمد طرح منهج لتجنب سوء الفهم، والفلسفية التي تبحث عن حقيقة الفهم وظروف حصوله دون أن تطرح منهجاً للفهم، بينما البعض قسمها لثلاث مراحل. الكلاسيكية لشلاير ماخر وديلتاي والفلسفية لهيدجر وغادامر والكلاسيكية المعاصرة، حيث رجعوا للاعتراف بآراء شلاير ماخر.
وفي جميع هذه المراحل ما قبل المرحلة الفلسفية فإن علماء الهرمنيوطيقا كانوا يهتمون بالوصول لقصد المؤلف أو بوجود معنى معين للنص، ولكن في الفلسفية لم تهتم بصحة الفهم أو خطأه وإنما بحثت عن حقيقة الفهم.
تقسيم آخر للمراحل:
وبعضهم قسم المراحل إلى المرحلة المنهجية, والنفسية, والفلسفية, ولاختلاف الاتجاهات اختلفت التعريفات للهرمنيوطيقا, حيث ذكرت لها تعريفات متعددة نذكر بعضها:
(تفسير الكتاب المقدس(أنصار الكنيسة) ، تفسير النصوص عامة (مارتي كلاديتوس) ، العلم بقواعد فهم النصوص (أغوست ولف)، منهج تجنب سوء الفهم (شلاير ماخر) ، منهج معرفة العلوم الإنسانية (ديلتاي) ، تفسير حقيقة الفهم(هيدجر وغادامر)).
وبعضهم سمى نظرية شلايرماخر بـ(الهرمنيوطيقا العامة).
اتجاهات الهرمنيوطيقا:
وذكر بعض الباحثين للهرمنيوطيقا اتجاهات متعددة مختلفة لها ولا يمكن وضع أصول عامة مشتركة لهذه الاتجاهات نذكر بعضها:
1ـ الاتجاه المحافظ: ويمثله شلاير ماخر وديلتاي وهرش، ويذهب إلى أن المفسر يتمكن من خلال المنهج الصحيح التوصل لمقاصد المؤلف والحقيقة الموضوعية للنص والعمل، ونعبر عن هذا الاتجاه بالتقليدي والرومانسي.
2ـ الاتجاه المعتدل: ويمثله غادامر وريكور واميليوبتي، ويذهب إلى أن التفسير خلاق دائماً، وحوار جدلي دائماً بين المفسر والمؤلف (النص) ولذلك لا يمكن الحديث عن الحقيقة الموضوعية أو المعنى الذي قصده المؤلف بل التفسير هو (امتزاج أفق المفسر مع أفق النص)، وتوافق بينهما.
3ـ والاتجاه المتطرف, ويمثله نيتشه وهيدجر وفوكوودريدا حيث يرى أنه مع التأكيد على خلاقية المفسر فمن المشكوك به أن يتمكن المفسر من التوصل للمعنى الأصلي للعمل، فكل التفسيرات لمعنى النص احتمالية ونسبية.
4ـ وأخيراً الاتجاه النقدي, ويمثله جون هابرماس وكارل اتو، ويذهب إلى أنه من خلال التأمل الناقد يتمكن أن يكون أكثر وعياً بالأعراف، حتى يكون أكثر صيانة من تأثير التراكمات الأيديولوجية والثقافية والاجتماعية للتقاليد، التي يعيشها المفسر, ولكن لا التحرر الكامل منها، وفي رأي هابرماس أن التحرر من هذا الانحراف شرط على خلاف الواقع4.
ولكن في كتاب (إشكاليات القراءة) (يمثل المفكر الألماني شيلر ماخر الموقف الكلاسيكي بالنسبة للهرمنيوطيقا)5.
وفي كتاب (الفلسفة والتأويل) (إن الهرمينيا, أي فن التأويل) و(مؤسس الهرمنيوطيقا الفلسفية شلاير ماخر), ويعتقد أن للهرمنيوطيقا جذورها في أعمال أفلاطون وأرسطو6.
وفي كتاب (إشكاليات القراءة) ومصطلح الهرمنيوطيقا مصطلح قديم بدأ استخدامه في دوائر الدراسات اللاهوتية ليشير على مجموعة القواعد والمعايير التي يجب أن يتبعها المفسر لفهم النص الديني (الكتاب المقدس) ويعود قدم المصطلح إلى عام (1654 م) ومازال مستمراً حتى اليوم خاصة في الأوساط البروتستانية وقد اتسع مفهوم المصطلح وتطبيقاته الحديثة. وعلى كل حال فلا يهمنا اسماء هذه النظريات واصحابها ومراحلها، وانما نبحث هنا عن بعض الآراء التي كان لها تأثيرها في الفكر أو النص عامة والفكر أو النص الديني والإسلام الحداثي خاصة7.
المراحل التاريخية للتأويلية:
يمكن تقسيم المراحل التي مرت بها التأويلية خلال مسيرتها التاريخية بصورة عامة، إلى ثلاث مراحل، المرحلة الكلاسيكية ، والرومانسية والفلسفية، ولكن المرحلة الأكثر تأثيراً ونفوذاً في عصرنا وفي البحوث الحديثة، هي التأويلية الفلسفية، وهي الروح الحاكمة على هرمنيوطيقا القرن العشرين، ويعتبر شلاير ماخر (1768-1834) المؤسس للتأويلية الحديثة، وإن كان يحسب على الاتجاه الرومانسي ولكن له تأثيره في التأويلية الفلسفية، أما التأويلية الكلاسيكية فإنها مرتبطة بعصر النهضة ، أي القرن السابع والثامن عشر الميلادي.
ونتحدث الآن عن معالم كل مرحلة من هذه المراحل الثلاث، والنظريات التي ظهرت فيها.
المرحلة الأولى: التأويلية الكلاسيكية:
عوامل وظروف ظهورها:
وكما ذكرنا إنها نشأت في عصر النهضة، فإن نهضة الأصلاح الديني في القرن السادس عشر الميلادي, وانتشار الفكر البروتستاني، أدت إلى قطع علاقة المسيحيين البروتستانت بالكنيسة في روما، والقضاء على مرجعية تلك الكنيسة في تفسير الكتاب المقدس، وبذلك شعروا بالحاجة الملحة لوضع قواعد ومنهجية معينة لتفسير الكتاب المقدس ، وهذا الاحتياج كان السبب الرئيس لهذا الاتجاه في المعرفة ويسمى بـ(الهرمنيوطيقا), يتكفل بمهمة القيام بطرح منهج ومنطق لتفسير الكتاب المقدس ، وكما ذكرنا أن أول كتاب صدر في هذا المجال باسم الهرمنيوطيقا تأليف (دان هاور) طبع عام (1654) ميلادية وقد عرف فيه مصطلح الهرمنيوطيقا (القواعد والمناهج اللازمة لتفسير الكتاب المقدس)
لقد تأثرت التأويلية الكلاسيكية كثيراً بالاتجاه العقلي السائد في عصر النهضة, حيث شاعت آنذاك هذه الفكرة التي تؤكد على إمكان الوصول للحقيقة في جميع المجالات، ولكن بشرط أن يظفر الباحث بالمنطق والمنهج المتناسب مع المجال الذي يبحث عنه، ففي الفلسفة يحتاج للمنطق، وفي العلوم الطبيعية يحتاج للتجربة الحسية.
معالمها:
وفي رأي هذا الاتجاه أن الوصول لقصد المؤلف وفهم النص فهماً موضوعياً، حالة عادية وطبيعية ولا يوجد أي مانع من الوصول إليه، إلا وجود بعض الغموض والإجمال في بعض النصوص، ممّا يعرقل عملية الفهم، ولكن يمكن إزالة الغموض عنها من خلال الاعتماد على بعض القواعد والأصول التي ترسم المنهج الصحيح في فهم النص.
وفي ضوء هذا الاتجاه يكون تعريف التأويلية أنها (علم يبين لنا منهج الفهم الصحيح للنص، ومنطق إزالة الغموض), ولذلك فإن مهمة التأويلية تبدأ حينما تتعثر عملية الفهم، وتتوقف المسيرة الطبيعية والعادية لها، بسبب وجود بعض الغموض في النص.
والتأويلية الكلاسيكية تتلاءم كثيراً مع المعنى والمنهج التقليدي لمصطلح التفسير، حيث تكون مهمة المفسر فيه إزالة الغموض وكشف القناع عن قصد المؤلف ومراده ...
المرحلة الثانية:
التأويلية الرومانسية، بدأت من شلاير ماخر (1768 ـ 1834)، سماه ديلتاي (كانت الهرمنيوطيقا)، ويعتبر المؤسس للتأويلية الحديثة، وله أكبر الأثر في المفكرين بعده سواء اتفقوا معه في الرأي أم اختلفوا، بل يعتبر مؤسساً حتى في غير مجال فهم النص كما في مجال (التجربة الدينية)، وكذلك له دوره الكبير في نقل التأويلية من تفسير النص الديني لعامة النصوص.
ولذلك نؤكد على آراء شلاير ماخر، وديلتاي: [معالم نظرية شلاير ماخر: والحديث بتوسع عن نظريته لا مجال لـها هنا، وإنما نشير لبعض معالمها:
1ـ الجانب الموضوعي أو اللغوي والذاتي للنص: لكل نص جانبأن: الأول: موضوعي: ويتمثل في لغة النص، والمعنى اللفظي المباشر لألفاظ النص وهو يعتمد على معرفة اللغة وبعض القواعد اللغوية والأدبية ، وهذا الجانب مشترك بين المؤلف والآخرين العارفين بلغته وقواعدها.
الثاني: الذاتي: وهو فكر المؤلف وذهنيته وقصده، وهو المعنى الكامن في ذهن المؤلف ، حيث أن النص كالكتابة ممتزجة باحساسات الكاتب ، وقد أودع داخله وما يدور فيه من احساسات ونوايا في قالب الألفاظ.
2ـ خصائص الجانب اللغوي والذاتي: المعنى اللفظي محدد ومعين، يمكن التوصل إليه من خلال معرفة القواعد اللفظية, ولكن المعنى الذاتي وهو المهم في عملية التفسير فليس الوصول إليه سهلاً ، لأنه يرتبط بفكر المؤلف ومشاعره وكيفية استخدامه الألفاظ، وإيداع قصده فيها، ولابد من التعرف عليها لأجل فهم النص أو إعادة بناء قصد المؤلف وإحياء تجربته من قبل المفسر.
فعملية تفسير النص تتوقف على النفوذ لذهنية المؤلف ، من خلال التعرف على الفضاء الحاكم على المؤلف حين إبداعه النص، والدقة في فهم ألفاظ النص، ودلالاتها وإشاراتها، والتعرف على الظروف الثقافية والحضارية للمؤلف، ورؤيته الكونية وبذلك يتوصل بدقة لقصد المؤلف وبناء مراده.
وتقوم نظرية شلاير ماخر (على أساس أن النص عبارة عن وسيط لغوي ينقل فكر المؤلف إلى القارئ، وبالتالي فهو ـ النص ـ يشير في جانبه اللغوي أو الموضوعي إلى اللغة بكاملها، وهو المشترك الذي يجعل عملية الفهم ممكنة ويشير في جانبه النفسي أو الذاتي، إلى الفكر الذاتي لمبدعه، وهذان الجانبان يشيران إلى تجربة المؤلف التي يسعى القارئ إلى إعادة بنائها بغية فهم المؤلف أو فهم تجربته، والعلاقة بين الجانبين علاقة جدلية), والكتابة فن والفن تتفاعل فيه مشاعر الإنسان وأحاسيسه. وذكر (ريكور) من أنصار الهرمنيوطيقا في فرنسا، بأن شلاير ماخر تأثر بـ (كانت) الذي وضع قواعد للتفكير. حيث شاعت آراء كانت في عصره، فتأثر بها في الجانب اللغوي حيث استهدف شلاير ماخر في هذا الجانب وضع (قواعد عامة للتفسير) تعتمد على القواعد الأدبية والنحوية واللغوية وأمثالها.
وتأثر بالرومانسية الأدبية التي شاعت في عصره، التي تؤكد على الإبداع الشخصي ونبوغ الفنان وعلى نوع من الشهود المختص به، وبذلك نلاحظ أن الجانب اللغوي يؤكد على القواعد العامة المشتركة، بينما الجانب الذاتي أو الفني يؤكد على القضايا المختصة، وقد أكد شلاير ماخر أكثر على الجانب الذاتي أو الفني، في ملاحظة خصوصيات صاحب العمل ونبوغه وإبداعاته وآليات عمله، وما يتميز به عن غيره، وقد انتشر ( التفسير الفني) في الغرب بعده وتطور إلى التفسير النفسي أو السيكولوجي، وربما وجد في رأي شلاير ماخر نوع من التعارض بين التفسير اللغوي والفني، لأن الأول يؤكد على الجوانب المشتركة والثاني على الجوانب المختصة.
إذن لا تكفي معرفة اللغة، والقواعد اللفظية واللغوية بل حتى القواعد التي وضعتها الهرمنيوطيقا الكلاسيكية في فهم النص وتفسيره، في الوصول لقصد المؤلف من إبداعه، والتعرف على داخله وذهنيته، بل لابد من عنصر آخر في عملية الفهم، هو عنصر الحدس والتنبؤ بقصد المؤلف وفكره الذاتي.
3ـ قواعد لتجنب المفسر سوء الفهم: لذلك فإن عملية تفسير النص ليست سهلة وطبيعية خلافاً لما تدعيه التأويلية الكلاسيكية، وإنما العادي والطبيعي فيها هو (سوء الفهم)، وذلك لأجل تعدد المفسر والمؤلف، واختلاف ظروفهما، وكذلك لأجل مدى صدق تنبؤه وحدسه، ومطابقته مع قصد المؤلف ، لعدم الجزم أو الوثوق بهذه المطابقة دائماً وخاصة مع تقادم زمن النص والمؤلف عن زمن المفسر، لذلك فإن احتمال سوء الفهم ، مما يعرض دائماً عملية التفسير ، ومن هنا كان من الضروري وضع قواعد تعصم المفسر عن سوء الفهم، مع العلم أن قوة الحدس والتنبؤ لا يمكن إخضاعها لضوابط وقواعد معينة ومحددة، (وعلى ذلك لابد من قيام (علم) أو (فن) يعصمنا من سوء الفهم ويجعلنا اقرب إلى الفهم.
وينطلق شيلر ماخر لوضع قواعد الفهم من تصوره لجانبي النص اللغوي والنفسي، ويحتاج المفسر في التوصل إلى معنى النص، إلى موهبتين الموهبة اللغوية، (بأن يملك الفهم الشامل الدقيق لأنواع الألفاظ والصور اللغوية، والقدرة على النفاذ إلى الطبيعة البشرية أي الوعي الفني والنفسي بذهنية المؤلف الإبداعية والوصول لمقاصده من النص، وهذا الجانب يعتمد على ضرب من التنبؤ يقوم به المفسر، مع اطلاعه على ثقافة المؤلف ، وثقافة عصره وظروفه الثقافية والاجتماعية) والموهبة اللغوية وحدها لا تكفي لأن الإنسان لا يمكن أن يعرف الإطار اللامحدود للغة، كما أن الموهبة في النفاذ إلى الطبيعة البشرية لا تكفي لأنها مستحيلة الكمال، لذلك لابد من الاعتماد على الجانبين ولا يوجد ثمة قواعد لكيفية تحقيق ذلك)8 [لأنه بما أن للفنان بعض المختصات والإبداعات، فإنه يعرض له نوع من الشهود يحاول بيانه من خلال أعماله، وهذا الشهود شأن شخصي ربما لا يلاحظ عند الآخرين، وعلى المفسر والباحث أن يبحث عن ذلك الإبداع والشهود الشخصي للمتكلم أو الفنان من خلال مقارنة عمله بأعمال الآخرين. [لذلك فإن شلاير ماخر لم يضع منهجاً لتفسير النص (وإنما يكتفي ببعض المعايير والقوانين التي يراها ضرورية لتجنب سوء الفهم، إنه يحاول أن يتجنب سوء الفهم المبدئي) في أي عملية تفسير, ولكنه في هذه المحاولة لتجنب أسوء الفهم) يطالب المفسر ـ مهما كانت الهوة التاريخية التي تفصل بينه وبين النص ـ ان يتباعد عن ذاته وعن افقه التاريخي الراهن ليفهم النص فهما موضوعياً تاريخياً، إنه يطالب المفسر ـ أولاً ـ أن يساوي نفسه بالمؤلف، وأن يحل مكانه عن طريق إعادة البناء الذاتي والموضوعي لتجربة المؤلف من خلال النص)9
4ـ الاشتراك في النوع الإنساني: يؤكد على أن الاشتراك في النوع الإنساني بين المفسر والمؤلف مما ييسر عملية الفهم لندرك مشاعرهم ومعاني كلماتهم وإشاراتها، بالإضافة لما ذكرناه من معرفة اللغة، وظرف المؤلف، فان وجود المشتركات الإنسانية تساعد كثيراً على فهم الآخر، لأن كل أحد يحمل جزءً من غيره في داخله لذلك يمكنه فهمه، يقول (الاشتراك في الإنسانية أساس كل فهم) وهذه تساعد المفسر على حالة مساواة نفسه مع المؤلف.
5ـ تعميم النظرية لغير النص: طرح تعميم الهرمنيوطيقا, لغير النص الديني, وشمولها للكتابة ولكلام المتكلم أيضاً.
6ـ اعتقاده بوجود معنى نهائي ومعين للنص وأهمية قصد المؤلف: يعتقد كالسابقين عليه وخلافاً للهرمنيوطيقا الفلسفية بإمكان وجود معنى أو فهم خارجي معين للنص، مستقل عن التفسيرات قد تطابقه وقد لا تطابقه أي هو المراد الواقعي للنص، وإمكان مطابقة فهم المفسر، مع ذلك المعنى الواقعي للنص المتمثل في قصده الحقيقي، وأما كون المفسر معرض دائماً لسوء الفهم فلم يدفعه ذلك للقول بعدم إمكان الفهم المعين.
كما يعتقد بوجود معنى ـ نهائي ـ للنص، لا أن للنص تفسيرات متعددة أو لا نهائية وجميعها مشروعة وعلى حق بل هو يعتقد بوجود معنى نهائي معين للنص، ومهمة المفسر الكشف عنه، ولكن له تفسيره الخاص للمعنى النهائي، فقبل شلاير ماخر كان يفسر المعنى النهائي للنص بمراد المؤلف وقصده المباشر من النص. ولكن شلاير ماخر فسره، بذلك المعنى والفهم الذي يتوصل إليه المفسر من خلال قراءة جميع حياة المؤلف، والظروف السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية التي عاشها المؤلف، لتأثيرها الفاعل في عمله ونصوصه، لأنه في رأيه أن (كل نص) يعبر عن (حياة المؤلف) كلها، أي أن النص هي حياته، فلأجل فهم النص لا بد من التعرف على حياته، لا زمان صدور النص فحسب، ولذلك يلزم على المفسر والباحث التعرف على تلك الظروف التي عاشها المؤلف.
فإنه وإن اعتقد بأن المهم الوصول لقصد المؤلف ومراده، ولكنه يعتقد بأن قصد المؤلف وما في ذهنه أوسع وأبعد مما يفهم من اللفظ مباشرة، فذلك المعنى الحقيقي والنهائي الكامن في النص، الذي يعتبر مراده الحقيقي، هو أعمق وأوسع من المدلول اللفظي المباشر للنص، ولذلك لأجل التوصل إليه لابد من دراسة الخصائص الفردية والمشاعر النفسية والشخصية للمؤلف, والتعرف على ظروف عصره، الفكرية والحضارية, والمعاني اللغوية والعرفية لعصره، وهي التي تمثل الدوافع الحقيقية لوعي المؤلف الثقافي وقصده ورسالته، وهو جزء من ذلك النظام الحاكم فيها ، لذلك على المفسر أن يعيش تلك الظروف ليفهمها، وان يعرف حياة المؤلف وشخصيته, ليعرف قصده الحقيقي، ولا يكفي مدلوله اللفظي، ومراده المباشر حين الكتابة والكلام.
لذلك يمكن القول بأن شلاير ماخر يشابه فرويد في بحوثه حول اللاشعور .
ومن هنا يظهر فرق نظريته عن الهرمنيوطيقا الفلسفية حيث أن شلاير ماخر يؤمن بـ(محورية المؤلف) ويقول بالأهمية لقصد المؤلف ، وبوجود تفسير معين ونهائي للنص، بينما تلك النظرية تتنكر لقصد المؤلف، وتؤمن (بمحورية المفسر) ، وترفض وجود تفسير معين ونهائي للنص، وإنما النص يقبل التفسيرات اللامتناهية وسيأتي توضيحها.
ولكن نرى شلاير ماخر يقول في بعض أحاديثه (بأن مهمة الهرمنيوطيقا فهم النص كما فهمه مؤلفه بل حتى أحسن مما فهمه مبدعه) فإن الشارح لنظرية (كانت) وفلسفته من المحتمل أن يتعرف عليها أعمق من (كانت) نفسه، لأنه مطلع على بحوث (كانت) وعلى ما استجد من تطور وبحوث جديدة حولها.
7ـ تأثره بالرومانسية ومعالمها: ومن خلال بعض هذه المعالم التي ذكرناها لنظرية شلاير ماخر، يتبين السبب في تسميتها بـ(الرومانسية) لتشابهها مع بعض معالمها كما ذكرنا، حيث تؤكد الرومانسية على ما يختص به الفنان من إبداعات وآليات وأساليب.
فإن الملاحظ أن الرومانسية شاعت آنذاك في أوربا وتأثر بها معاصروها, وأحدثت انقلاباً كبيراً فيها، في بدايات القرن التاسع عشر ، ومثلها مجموعة من الفلاسفة أمثال فيخته وشيلنج وبعض النقاد أمثال الاخوة شلغل (فردريك واغوست), وقد اعتبرت الرومانسية أن الاتجاه العقلي انحراف في عصر النهضة, لأن الاتجاه العقلي كان يفترض بأن العقل الإنساني وبالرغم من محدوديته يتمكن من خلال التفكير والمنهج والمنطق الصحيح النفوذ للنظام المنطقي والمتناسق للعالم, والتعرف على الحقيقة الكامنة في أعماق كل موضوع يبحث عنه.
إن الرومانسية لا تنفي إمكان الوصول للحقيقة ، والفهم الموضوعي المعين للموضوعات، ولكنها تؤكد على نقصان الفهم، وإمكان ظهور سوء الفهم ، ويمكن تعريف الرومانسية بأنها الشوق والضمأ الذي لا يروى للكمال، وعلى ضوء هذه الرغبة يلزم على العالم والفيلسوف أن يكون باحثاً عن الكمال، وأن لا يقنع بواقعه ومدركاته الراهنة، بل عليه مراجعتها دائماً وأن يهجر التفاؤل الساذج والثقة البالغة في الوصول للحقيقة، حيث تؤكد على عدم جزم الإنسان بسهولة بمدركاته عن الواقع، وإنما يمكنه ادعاء فهم الشيء فحسب في حالة إمكان إدراكه إدراكاً (ضرورياً) وتحديده تماماً, ولابد من وجود قواعد تعصم المفسر عن سوء الفهم.
إن الرومانسية في بعض معانيها تحاول اكتشاف العالم الداخلي للفنان ومشاعره، ولكنها في الوقت نفسه تؤكد على دور القارئ وانطباعاته تجاه العمل الفني وتفاعله مع مشاعر الفنان والعمل الأدبي أو الفني، وفي المعجم الفلسفي (الرومانسية في الأدب ضد الكلاسيكية وفي الفلسفة ضد العقلانية ويطلق اصطلاح الفلسفة الرومانسية أو الرومانسية الفلسفية على مذاهب الفلاسفة الألمانيين الذين عاشوا في القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر وأشهرهم فيخته، شلينغ وهيجل وشوبنهاور ، وتتميز مذاهب هؤلاء الفلاسفة بالخصائص التالية وهي :
1- مناهضة اتجاهات القرن السابع عشر.
2- تحدي قواعد علم الجمال والمنطق واحتقارها.
3- تعظيم شأن الهوى والحدس والحرية والتلقائية .
4- التعلق بفكرة الحياة وفكرة اللانهاية)10
إذن (ثمة نغمة رومانسية تغلف كلاسيكية شلاير ماخر تتجلى في اعتباره النص تعبيراً عن (نفس المؤلف)، وفي مطالبته المفسر أن يكون ذا طاقة تنبؤية، إلى جانب معرفته باللغة، حتى يمكنه اكتشاف الجوانب المتعددة للنص، وبهذه الطاقة التنبؤية يسعى الإنسان لفهم الكاتب إلى درجة يحول نفسه تماماً إليه، أي أن يكون هو الكاتب)11.
والرومانسية متأثرة بآراء كانت ، التي تؤكد على عدم إدراك الواقع, لذلك أكدت على قصور الفهم وحصر الفهم والإدراك بظواهر الأشياء لا واقعها، ولكن شلاير ماخر الم يتطرف في هذا الرأي, بل وضع قواعد لتعصم المفسر عن سوء الفهم وقصوره.
ويلهم ديلتاي وآراؤه:
وقد أثرت آراء شلاير ماخر في الفيلسوف الألماني ويلهلم ديلتاي (1833-1911) وفي بعض الكتب (ويلهلم ديلتي) حيث بحث عن منهج للتفسير والفهم الصحيح في مجال العلوم الإنسانية.
وهو الشخصية المهمة الثانية في عالم التأويلية الرومانسية وفتح آفاقاً جديدة فيها, أثرت فيمن جاء بعده، ولأجل معرفة نظريته, لابد من التعرف على الظروف الحاكمة على القرن التاسع عشر، ونذكر آراءه في نقاط:
1ـ ظروف ديلتاي: لقد نشأ ديلتاي في القرن التاسع عشر، حيث حدث تطور كبير في علم المنهج ونعني به التأمل الفلسفي في أسس العلوم وأصولها وأنظمتها.
وقد تأثر هذا الاتجاه كالاتجاه الرومانسي كثيراً بآراء (عمانوئيل كانت) الفيلسوف الألماني الشهير حيث بذل (كانت) جهوده قي سبيل زعزعة الميتافيزيقيا والفلسفات الشائعة آنذاك، مع محاولة دعمه وتحكيمه لأسس العلوم التجريبية، وقد أضاف لجهوده وآراءه دعماً المنجزات الكبيرة الناجحة للعلوم التجريبية والفيزيائية الحديثة في القرن التاسع عشر، وشاعت في عصره النظرية القائلة بأن القضايا التي لا تقبل التجربة، كالقضايا الميتافيزيقية فهي فارغة من المعنى. كل ذلك أدى إلى أن يسيطر على أذهان علماء المنهج آنذاك، هذا التصور بأن العلم الصحيح, والحقيقة المطلقة (أي القضايا الصادقة دائماً) إنما يمكن الوصول إليها من خلال العلوم التجريبية فحسب، ولا يتيسر ذلك في غيرها, [مما دفع الوضعيين إلى تطبيق المنهج التجريبي في العلوم التاريخية والإنسانية أمثال (أوجست كونت، وجون ستيوارت مل).
لقد رأى الوضعيون أن الخلاص الوحيد لتأخر العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية يكمن في ضرورة تطبيق نفس المنهج التجريبي للعلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية ، سعياً للوصول إلى قوانين كلية يقينية، وتجنباً للذاتية وعدم الدقة في مجال الإنسانيات ، لقد آمنوا أن كلاً منهما يخضع لنفس المعايير المنهجية في الاستدلال والشرح، ورأوا أن الحقائق الاجتماعية مثلها مثل الحقائق الفيزيقية واقعية وعملية, ويمكن بالمثل قياسها، وهذا ما عبر عنه جون ستيوارت مل بقوله (إذا كان علينا أن نهرب من الفشل المحتم للعلوم الاجتماعية بمقارنتها بالتقدم المستمر للعلوم الطبيعية، فإنّ أملنا الوحيد يتمثل في تعميم المناهج التي أثبتت نجاحها في العلوم الطبيعية لجعلها مناسبة للاستخدام في العلوم الاجتماعية)12.
2ـ الفرق بين الأعمال التاريخية وغيرها: وقد أدى الاهتمام بالبحث التاريخي في القرن التاسع عشر إلى أن يواجه علماء المنهج هذا التساؤل الأساسي (هل أن الفهم الموضوعي والحقيقي والواقعي مختص بالعلوم التجريبية، وأما العلوم التاريخية والإنسانية فإنها محرومة من هذا الفهم؟)
والسبب في طرح هذا التساؤل: أن الاتجاه التاريخي وهو اتجاه نسبي لتوفره على نوع من النسبية وعدم الثبات يعتقد أن كل ظاهرة وواقعة معينة إنما يمكن فهمها فهماً موضوعياً وحقيقياً في داخل مرحلتها الزمنية وظروف عصرها وحدوثها لأن لكل عصر معاييره ومفاهيمه وتفسيراته المختصة به، وقد امتزج وعي المفسر والعالم والفنان، في كل مرحلة زمنية بالعناصر الفكرية والثقافية والمعرفية لعصره، ومثل هذه الحالة تؤدي إلى عدم تيسر الفهم الموضوعي والمطابق للواقع في القضايا التاريخية ، وإلى أن يكون كل فهم تاريخياً.
والمراد من القضايا التاريخية, تلك القضايا التي وقعت في عصر آخر يختلف عن عصر المفسر ، سواء كانت أعمالاً أدبية أو فنية, أو حوادث تاريخية. وقد وسع ديلتاي التأويلية لتشمل الكتابة والأقوال، بل الأعمال تشمل كذلك والسلوك الإنساني، لأنها تعبر عن مقاصد الإنسان كالكتابة والأقوال, فهي تخضع لقواعد واحدة.
والسبب في عدم إمكان أو تيسر الوصول للفهم الموضوعي في القضايا التاريخية أن تلك الموضوعات التاريخية بمعناها الشامل للإبداعات والأعمال الفنية والأدبية, والنصوص الدينية, والآراء الفلسفية, والحوادث التاريخية, إنما نشأت في إطار العناصر الفكرية والمعرفية والثقافية لعصرها بينما المفسر أو العالم أو المؤرخ أو الفنان، الذي يسعى لفهم معطيات العصور السابقة الأدبية أو الفلسفية أو الفنية يعاني دائماً هذه المحدودية, في فهمه وتفسيره للأثر أو النص التاريخي, وأنه تحيط بوعيه وذهنه, العناصر والمعايير الفكرية والثقافية والمعرفية لعصره.
فالمؤلف في عصر, والمفسر في عصر آخر, ومنظومة المعلومات الحاكمة على كل منهما تختلف عن الآخر, فهو يتأثر على سبيل الحتم بثقافة عصره ومعاييره، وهذا الاختلاف الدائم بين عصر النص والعمل التاريخي ، وعصر المفسر أو الباحث يؤدي دائماً إلى أن تتهدد اعتبار العلوم التاريخية والإنسانية إشكالية حقيقية, حيث لا يمكن معها الوصول للمراد الحقيقي, والموضوعي, للأعمال الأدبية أو الفنية أو التاريخية لعصر آخر. وهذه التاريخية والنسبية في الفهم تقتضي سلب إمكان التفسيرات المطلقة في القضايا التاريخية, ولكن هناك طريق للتخلص من تاريخية الفهم ونسبيته، مع أن ديلتاي يعتقد بوجود معنى معين خارجي للنص.
3ـ مهمة ديلتاي: ومن هنا بذل (ديلتاي) جهوده من أجل التخلص عن هذه الإشكالية في العلوم الإنسانية, وحاول رد الاعتبار إليها من أجل أن تكتسب نفس الاعتبار والقيمة والمكانة التي تملكها العلوم التجريبية، مدافعاً عن إمكان الوصول للفهم الموضوعي والمطلق في هذه العلوم. لقد عارض ديلتاي النظرية التي حكمت على القضايا التي لا تخضع للتجربة بأنها فارغة المعنى، وحاول رد الاعتبار للمعارف والقضايا غير التجريبية، لذلك وسع من آراء شلاير ماخر من قواعد لتفسير النص فحسب، إلى علم المعرفة بعامة والى قواعد للمعرفة في العلوم الإنسانية، أو المعنوية جميعها، مع أنها غير قابلة للتجربة ولكنها مع ذلك تعبر عن حقائق واقعية من خلال وضع منهج معين لها لأجل التخلص من تاريخية الفهم، وأراد أن يقوم في الأعمال التاريخية بنفس العمل الذي قام به (كانت) في العلوم الطبيعية، أي وضع فهم يصل من خلالها إلى المعنى والتفسير الموضوعي، ورد الاعتبار لمعطيات العلوم التاريخية والإنسانية.
لذلك في رأي ديلتاي أن مهمة الهرمنيوطيقا وضع الأصول التي تدعم العلوم الإنسانية والتاريخية، ومن هنا بذل جهوده في سبيل الوصول لمنهج عام للعلوم الإنسانية وبناء نظام أساسي لهذه العلوم، هذا النظام يشتمل على الخطوط العامة والأسس الشاملة لمختلف أنواع العلوم والمجالات الإنسانية سواء الفنية أو الفلسفية والحقوقية والدينية والتاريخية، حيث تمثل هذه الخطوط والأسس العامة الشاملة المناهج والأصول والقواعد المعيارية، لتؤدي بالتالي إلى الدفاع عن موضوعية هذه العلوم ومعطياتها وتحكيمها.
ولذلك حاول أن يضع منهجاً عاماً لدراسة العلوم الإنسانية، يصل من خلاله للفهم الموضوعي، وذلك لأن لها منهجاً يختلف في طبيعته عن المنهج التجريبي في العلوم الطبيعية، فالطبيعة غريبة عن الإنسان ويستطيع المرء إدراكها بواسطة الملاحظة الحسية ، أما العالم التاريخي الاجتماعي، فهو عالم الإنسان، ولا يمكنه إدراكه إلا من الداخل؛ ولهذا فإن العلاقة بين الإنسان والموضوع في العلوم الروحية علاقة مباشرة؛ لأن هذا الموضوع هو (التجربة الإنسانية الحية)، ومن هنا فإن الأساس في العلوم الروحية هو التجربة الحية، ويقصد بها الأحوال والعمليات والنشاطات الباطنية كما نستشعرها ونحياها ونعيها13.
فهو يرى أن الإدراك الفني والإنساني هما غاية العلوم الاجتماعية، وهذان يمكن الوصول إليهما من خلال التحديد الدقيق للقيم والمعاني التي ندرسها في عقول الفاعلين الاجتماعيين وليس من خلال العلوم الطبيعية، وهذه هي عملية الفهم الذاتي أو التفسيري, لنصل إلى مثل هذا الفهم من خلال العيش مرة أخرى في الأحداث الاجتماعية14 بأن يعيش المفسر ظروف النص ومؤلفه الفكرية والثقافية ويمكن التوصل لذلك بمساعدة (النص) لأن النص وعي خارجي، يسحبنا لنعيش خلاله التجربة الحياتية للآخرين ونساهم فيها، ومما يساعد على ذلك الاشتراك في البشرية بين الناس والتعرف على ظروف المؤلف وخصوصياته النفسية والاجتماعية والثقافية كما ذكر شلاير ماخر15. ففي رأيه ـ بما أن موضوع العلوم الإنسانية هو الإنسان نفسه ـ لذلك لأجل التعرف على الإنسان الآخر وآرائه وأعماله وإبداعاته، لابد من إحياء تجربته وإحياء الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية للمؤلف، لابد أن يعيش المفسر والباحث الفضاء الذي عاشه الآخر ليفهمه ولابد من التعرف على أعماله وآثاره الباقية وغير الباقية، من طريقة علاقاته بالآخرين وبما أن البشر يشتركون في البشرية، وإنما الاختلاف في الظروف التاريخية، فإذا أمكن أن يعيش المفسر الظروف التاريخية للآخر، فسيكون مثل الآخر, ففي رأيه لأجل معرفة الآخر لابد أن يكون هو بنفسه الآخر، وكلما اقترب منه أكثر، فسيكون فهمه له أكثر، لذلك يلزم إحياء تجربته والعيش في الفضاء الذي عاشه.
4ـ التجربة الحياتية واشتراكها: يرى ديلتاي أن الحياة تجربة يعيشها الإنسان بكل أنواعها ومجالاتها، وكما يمكنه أن يعيش تجربة حياته يمكنه أن يعيش تجربة حياة الآخرين، ليكشف من خلالها مقاصد أعمال الآخرين وأهدافهم، والصفات المختصة بها، وأعمال البشر خلافاً للحوادث الطبيعية فلها باطن وعالم داخلي قابل للفهم، والملاحظ أن اشتراك المفسر مع أصحاب تلك الأعمال في التجارب الحياتية مما يوفر أرضية هذا الفهم وظروفه. وما تدركه الحواس من موضوعات وأعمال العلوم التاريخية والإنسانية هي ظواهر الحياة ، ولكن الحواس غير قادرة على (فهمها)، لأن هذا الفهم متوقف على فهم (ذهنيات مبدعيها), ولا يمكن فهمها بدون ضوابط وقواعد منهجية للفهم، ويمكن للمفسر أن ينتقل في دراسته لمرحلة تاريخية سابقة ويغفل فيها عن مرحلته، ويساعده في ذلك المعرفة المباشرة بتجاربنا الداخلية، التي تشترك مع تجارب الآخرين.
5ـ الفرق بين العلوم الإنسانية والطبيعية: ويؤكد ديلتاي الفرق بين خصوصية وأهداف منهج العلوم الإنسانية والطبيعية ، فإن خصوصية منهج العلوم الإنسانية وهدفه, الفهم والتفسير، بينما في الطبيعية التوصيف والاستعراض للعلاقات العلمية للظواهر الطبيعية من خلال التجربة، وموضوع العالم الطبيعي الحوادث والظواهر التي ليست من صنع الإنسان، ففي العلوم التجريبية هناك شيء خارج عن الإنسان كجبل أو حيوان يحاول البحث عنه، بينما المؤرخ يبحث عن فهم ما صنعه الإنسان وأعماله ونشاطاته حيث يحاول فهمها من خلال التعرف على نواياه وأهدافه وآماله وشخصيته وخصائصه وظروفه، فموضوع البحث في العلوم الإنسانية هو الإنسان نفسه أو جانب من حياته، حيث يكون الباحث وموضوع بحثه من (نوع واحد) فهو الإنسان يريد أن يبحث عن الإنسان ومهمة الباحث فيه (التفسير) لا (التوصيف).
فمنهج العلوم الطبيعية استقرائي علمي, وأما فهم العلوم الإنسانية والتاريخية فهو تأويلي تفسيري، لا علاقة له بالاستقراء لأنه لا يتكرر ولذلك يمكن معرفته من خلال البحث ومنهج التفسير.
6ـ اعتقاده بوجود معنى معين ونهائي واهتمامه بقصد المؤلف: ويعتقد ديلتاي بوجود معنى قطعي وموضوعي للنص، وهو قصد المؤلف وهو معنى مستقل قد تطابقه التفسيرات وقد لا تطابقه، لذلك فلقصد المؤلف أهمية كبيرة ولابد من التعرف على الطرق الموصلة إليه. ويعتقد بوجود (معنى نهائي للنص)، ومعنى معين، وأكد كثيراً على مراد المؤلف وقصده، ولكن التعرف عليه يستلزم إحياء تجربة المؤلف وفضائه. وكلما تعرف المفسر على فضائه أمكنه أكثر أن يفهمه وأن يعرف فكره أكثر. ولكنه يعتقد أنه ربما كان فهم المفسر للنص أفضل من فهم المؤلف.
تقييم آراء شلايرماخر وديلتاي:
ولسنا في مجال الحديث عنهما، لأن الهدف من هذا الكتاب البحث عن آراء الهرمنيوطيقا الفلسفية وخاصة آراء غادامر، ولكن الملاحظ أن فيها بعض الآراء المفيدة والفاعلة في عملية فهم النص، يمكن الاستفادة منها، مع وجود بعض الملاحظات عليها، ولعل بعض آرائها وخاصة آراء شلاير ماخير اثرت في هيدجر وغادامر والتأويلية الفلسفية كما اثرت آراءه حول التجربة الدينية في التعددية الدينية.
نشير إلى بعضها: 1ـ الاهتمام بقصد المؤلف. 1ـ الاهتمام بمراد المؤلف وقصده، وأن هدف المفسر الوصول لهذا القصد وبنائه أي أن المفسر عن طريق النص يحاول التعرف على مقاصد المؤلف وإحياء وإعادة تجربة المؤلف وبناء قصده الذهني.
2ـ وضع فهم وقواعد للفهم: حيث حاول وضع القواعد والمناهج لعملية الفهم والتفسير التي تصل بالباحث للمعنى المعين أو تعصمه عن سوء الفهم، مع التأمل الدقيق في ألفاظه ودلالاته، وظروف المؤلف الفكرية والثقافية ومقاصده مع الاعتقاد بأن (قصد المؤلف), ربما كان أوسع وأعمق من المعنى المباشر للفظ النص، وربما تعرض قصده أو فكرته لتطوير أكثر بعده كما ذكره حول الشارح لنظرية كانت. وتدعو إلى تجرد المفسر عن الأحكام المسبقة والتفسير بالرأي، وإمكان ذلك ولا تمنع الفأصلة الزمنية بين المؤلف والمفسر من حصول هذا التجرد.
3ـ اعترافه بوجود معنى معين للنص: حيث يعترف بوجود معنى وتفسير معين للنص، لا أنه فارغ من المعنى أو أنه تصح منه المعاني والتفسيرات المتعددة بل المتناقضة، [ومثل هذه الآراء تتلاءم مع المنهج التقليدي المتعارف والصحيح بين علماء الإسلام وغيرهم في تفسير النصوص، وبذلك تتميز هذه النظرية مع التأويلية الفلسفية التي تتنكر لقصد المؤلف ووجود معنى معين للنص، ووجود منهج معين لعملية الفهم والتفسير.
ملاحظات على هذه النظرية: ولكن يمكن أن نذكر بعض الملاحظات عليها: تتلخص بعدم شمولية بعض آرائها لجميع النصوص وخاصة النص الديني.
1ـ ما ذكره شلاير ماخر من إمكان الوصول لفهم يفوق قصد المؤلف ، فهذا الرأي يمكن صدقه على بعض الأعمال الأدبية أو البشرية كما ذكرنا، وسنذكره في موضوع التأويلية الفلسفية ولكنه لا يصدق على النص الديني، النازل من السماء حيث يلزم البحث عما قصده الشارع المقدس من النص، إلا أن يريد المدلولات الالتزامية أو البطون أو الأدلة الجديدة كما سنوضحها حول التعددية الصحيحة في تفسير النص الديني، فهذا معنى صحيح ولكن هذه المعاني مما يقصدها الشارع المقدس أيضاً ، بالإضافة إلى إرادة المعاني المباشرة أيضاً، ولكن حمل رأيه على هذا المعنى خلاف الظاهر ، إلا أن نقول مراده الأعمال والنصوص الأدبية والعلمية البشرية وهو معنى صحيح.
2ـ تأثر المؤلف بظروف عصره, وتقلبات حياته، وانفعالاتها وحالاتها فلا يصدق على نصوص الشارع المقدس، وان صدقت على الأعمال البشرية أو الأدبية، إلا أن يكون مراده مناسبة النصوص والأحكام للظروف التي بعث فيها النص أو يستخدم نفس القواعد والأساليب العقلائية او عرف الصدور، في عرض أو فهم مقاصده ، لذلك على المفسر أن يدرس ظروف صدور النص ومعاني ألفاظه وهذه الأساليب والقواعد اللغوية والعقلائية وشأن النزول والصدور ، ليتوصل للمراد الموضوعي الحقيقي للنص، ربما لا يتوصل إليه لو لم يدرس ذلك، وهذا معنى صحيح ، ويستخدمه علماؤنا في دراسة النصوص، ولكن هذا لا يعني تقيد أحكام النصوص الدينية ومحتوياتها بتلك الظروف .
3ـ اعتقاده بسوء الفهم أو عدم وضوح قصد المؤلف ، أو التأثر بالرومانسية في فهم النصوص والأعمال، فننكره في جميع النصوص، وأن صدق في بعضها، كالنصوص والأعمال المجملة، أو الأدبية، وقد وضحنا هذه الفكرة في هذه الدراسة من الاختلاف بين النصوص والمسائل.
المرحلة الثالثة: التأويلية الفلسفية:
المرحلة الثالثة: الهرمنيوطيقا الفلسفية, نشأت في القرن العشرين, وبدأت من مارتن هيدجر (1889-1976), وأعماله الفلسفية ولكنها طورت وطرحت كنظرية علمية لتفسير النص من قبل تلميذه (غادامر). وقد أحدثت تحولاً رئيسياً وجدياً في اتجاه التأويلية وأهدافها ووظائفها، وكان لها النفوذ الأكبر في أذهان الباحثين، لذلك نتحدث عن آراء هيدجر وغادامر: [آراء هيدجر: ونذكر بعض معالمها في نقاط:
1ـ تغيير الهدف من الهرمنيوطيقا من علم المنهج إلى هدف فلسفي: وقد أقام هيدجر التأويلية على أساس فلسفي ، حيث ذهب إلى انه لابد من رفع مستوى علم الهرمنيوطيقا من مجال علم المنهج والتعرف عليه إلى مجال الفلسفة، لذلك غير من وظيفة هذا العلم ومنهجه، فبدلاً من البحث حول (منهج لفهم النصوص أو منهج عام للعلوم الإنسانية)، أو عن (النظرية التفسيرية) أو المعيار لتقويم الفهم الصحيح عن غيره، لابد من البحث عن معنى الفهم والتفسير نفسه وحقيقته، فهذا هو نفسه موضوع البحث.
وطالما أن الفلسفة هي فهم الوجود، فلابد أن يستفاد من التأويلية في مجال فهم الوجود.
2ـ الفرق بين الموجود والوجود: ويفرق هيدجر بين (الموجود أو المتواجد أو الكائن المشخص) وبين الوجود نفسه.
ويرى أن الفلسفة انحرفت بعد افلاطون عن مسارها الطبيعي الصحيح حيث أهملت البحث عن معنى (الوجود) وحقيقته وفهمه، وأخذت تبحث عن فهم (الموجود)، أي أن الفلسفة الغربية اهتمت بالبحث عن (الماهية) أو الموجود، بينما كان عليها البحث عن الوجود نفسه. وفي رأيه ان فلاسفة اليونان القدماء كانوا يسلكون المسير الصحيح في البحث الفلسفي ، حيث كانوا يبحثون حول معنى الوجود نفسه، ولكن بعد افلاطون انحرفت الفلسفة الغربية عن مسارها الأصلي، فبدلاً من التساؤل عن معنى الوجود بحثت عن فهم الموجودات.
إن البحث والتفكير الدائم حول الموجود أدى إلى الغفلة عن البحث عن الوجود نفسه، وعدم الفصل بين الوجود والموجود من عوامل سوء الفهم.
(لقد رفض هيدجر في نظرية الوجود في الفلسفة الغربية اعتبارها الإنسان هو محور الوجود ، وهو العنصر الفاعل في المعرفة وإعطائها الوجود دوراً ثانوياً يخضع فيه للذاتية ويستجيب لمقولاتها ، لقد كان الوجود ـ عند هيدجر ـ هو السجين المختفي والمنسي تماماً في المقولات للفلسفية الغربية ، السجين الذي كان كل أمل هيدجر أن يخلي سبيله)16.
3ـ اهتمامه بفهم الوجود ومشروعه: لذلك طرح هيدجر مشروعه لفهم الوجود ، وذلك من خلال فهم الإنسان ووعيه لوجوده نفسه، وفي رأيه أن الوجود الإنساني الذي يعبر عنه بـ(الدزاين) يمكنه التوصل لمعنى الوجود من خلال فهم نفسه، ففهم الإنسان ووعيه لوجوده هو المفتاح الوحيد لفهم طبيعة الوجود، ويعبر عن فهم الوجود الإنساني ووعيه لنفسه بـ(الهرمنيوطيقا).
لذلك (وجد منهجاً يمكن أن يفسر عملية الوجود في الوجود الإنساني بطريقة تكشف عن الوجود نفسه) ويعتبر دراسة المتواجد أو الكائن المشخص و(الدزاين) نقطة الانطلاق لدراسة مشكلة وحقيقة الوجود في معناها الواسع.
وقد ذكر ذلك كله في كتابه (الوجود والزمان) الذي كتبه عام (1926)، وأشار فيه إلى مشروعه الفلسفي، ولكن يلاحظ أن هيدجر لا في هذا الكتاب ولا في كتبه اللاحقة, لم يحاول إكمال مشروعه الفلسفي بحيث يبين طريقة توصله من خلال البحث عن النظام الوجودي للمتواجد أي الإنسان إلى فهم معنى الوجود وإنما توقف عند حد تحليل المتواجد ، دون أن يتجاوزه لإقامة علم انطولوجي شامل يسمح بدراسة الوجود في معناه الواسع، لا في هذا الكتاب ولا في كتبه اللاحقة وإنما له أحاديث قليلة حول الوجود ، وقد وعد تقسيم كتابه (الوجود والزمن) إلى قسمين: يبحث في القسم الأول عن فهم الوجود الإنساني (الدزاين) ليكون مقدمة للبحث عن القسم الثاني وهو البحث عن معنى الوجود ، ولكنه لم يكتب القسم الثاني أبداً .
4ـ اهتمامه بقبلية الفهم وتاريخية الوجود: ومن أهم آراء هيدجر التي اثارت اهتمام غادامر:
الأول: تأكيد هيدجر على دور قبلية الرؤية والفهم، وقبلية البناء والتركيب الوجودي.
الثاني: إشارته لتاريخية الوجود.
أما بالنسبة للرأي الأول : فقد أكد هيدجر ضمن بحثه حول حقيقة الفهم الهرمنيوطيقي على أن الوجود الإنساني الذي يمثل وجود المفسر، يمارس دائماً عملية الفهم الهرمنيوطيقي ، وهذا الفهم يتحدد في حدود البناء والتركيب المسبق الذي يحيط بكل وجود إنساني ويتشكل من الواقع الموجود، والوجود في العالم، والفهم القبلي والبناء والتركيب القبلي يوفران الفهم والتفسير في حدود الوجود في العالم لكل وجود إنساني، وهو في كتابه يحاول تفسير وتحليل البناء الوجودي الخاص للإنسان.
ليس وجود الإنسان (الدزاين) وجود متكامل نهائي، هو في حالة صيرورة وتكامل وتغير دائماً وعملية الفهم التلقائي لوجوده الخاص السابق على مرحلة التفسير هي عملية وجودية متغيرة، هي جزء من وجود الإنسان ومن مقوماته ، هي نحو من وجود كل وجود إنساني، وكل وجود إنساني متعلق ومرتبط بزمان ، هو (وجود في العالم) أي في دنياه الخاصة بعلاقاتها الفردية والاجتماعية والأهداف الخاصة ،هذه العلاقات التاريخية, قالب لكل وجود إنساني محاصر فيها ، والدزاين يعيش في هذا العالم، محاصر بهذه العلاقات, لذلك كان كل فهم مرتبط بمرحلته التاريخية, ولكل وجود إنساني وجوده الخاص وفرديته المعينة وليست له جهة اشتراك وماهية مشتركة وثابتة مع الآخرين كما هو في سائر الموجودات حيث لها جهة اشتراك، ان ماهيته كامنة في وجوده وهو يمكنه باختياره أن يصنع خصوصية وجوده، وان يبني وجوده الخاص، أما بالصورة القيمة المعتبرة، أو غير المعتبرة، وهو يؤكد دائماً على وجود فهم تلقائي ذاتي للوجود كامن في وجود الإنسان قبل مرحلة الفهم النظري والتفسيري، فإنه يعتقد بأنه قبل مرحلة الفهم التفسيري والتعبيري للوجود، هناك مرحلة من فهم الوجود يعبر عنها بالفهم الهرمنيوطيقي ، فإن الفهم التفسيري يبين من خلال قوالب لفظية تعبيرية معينة وموضوع ومحمول، وللغة وقوالب الموضوع والمحمول والقضايا اللغوية تأثيرها فيه، واما الفهم الهرمنيوطيقي السابق على هذا الفهم فإنه مجرد ومعرى عن تأثير اللغة والموضوع والمحمول، وسعي التأويلية وجهدها الأساسي الوصول إلى ذلك الفهم القبلي.
وأما عن الرأي الثاني: فقد أشير لتاريخية وجود الإنسان في الأعمال الأولى لهيدجر، وإن لم يؤكد بصورة معينة عليها حين بحثه عن البناء الوجودي للوجود الإنساني، لكن تلميذه غادامر استفاد من هذه الفكرة كثيراً واعتبر تاريخية الوجود وبالتالي تاريخية الفهم من العناصر الرئيسية للهرمنيوطيقا الفلسفية، لأن لكل وجود إنساني ظرفه ومرحلته الزمنية المختصة به، وهو في حالة صيرورة وتغير وكل فهم مرتبط بدنياه الخاصة وبمرحلته، فكل فهم تاريخي؛ لأن كل فهم متلائم مع دنياه الخاصة ولا يمكن للمفسر أن ينفك عن مرحلته ولهذه المرحلة تأثيرها الكبير في عملية التفسير، لذلك فالمهم هو ذلك الفهم التلقائي، وهو متغير لتغير وجود الإنسان نفسه، وهذا الرأي يعتمد على نظريته في الوجود الإنساني؛ لأن لكل إنسان موقع وجودي معين، يصنع فيه أحكاماً مسبقة، تحدد فهمه ونظره للأشياء من زاوية معينة محددة بموقعه وأحكامه المسبقة، لا يمكنه أن يشاهد من غير هذه الزاوية، ويتكون فهمه للأشياء من خلالها، واختلاف البشر باختلاف هذه المواقع الوجودية.
وقد استفاد في ذلك من الفلسفة الظاهرية التي يعتبر (هوسرل) أستاذ هيدجر مؤسساً لها حيث أكدت على أهمية الإدراك القائم على مفاهيم قبلية للظاهرة.
(وقد اعتبر هيدجر هذا المجال هو الوسيط الحيوي للوجود التاريخي للإنسان في العالم، ولكن هذه المفاهيم الفلسفية تختلف عن المعقولات العقلية التي اعتد بها الفلاسفة قبله، إن هذا المجال الحيوي هو إدراك الإنسان لوجوده في شكله الأكمل، هذا الإدراك هو ما يشكل المجال الحيوي للمعرفة وللوجود عند هيدجر، لقد رأى هيدجر في وعي الإنسان لوجوده مفاتيح لفهم طبيعة الوجود، كما يفصح عن نفسه في تجربة حية، وهذا الفهم تاريخي واني في نفس الوقت، بمعنى أنه ليس فهماً ثابتاً ولكنه يتشكل من خلال تجارب الحياة الحية التي يواجهها الإنسان)17.
فوجود المدرك يمارس دائماً عملية الفهم والتفسير الهرمنيوطيقي بذلك الفهم التلقائي, وهذا الفهم يتشكل من واقع الموجود في العالم, ولكن هل يبدأ إدراكنا للشيء وبالتالي فهمه من فراغ، ان الإنسان فيما يقول هيدجر يجد في وجوده, وعلى مدى هذا الوجود فهماً محدداً لماهية الوجود المكتمل ، هذا الفهم ـ كما أشرنا ـ ليس فهماً ثابتاً, ولكنه فهم يتكون تاريخياً, وينمو في مواجهة الظواهر ، إن الوجود الإنساني الموجود في العالم في ظل هذا الفهم عملية مستمرة في فهم الظواهر والوجود في نفس الوقت . إذن بما أن وجود الإنسان في العالم متغير، فتفسير الإنسان لوجوده بذلك الفهم المسبق في حالة تغير، وذلك لأن المتواجد يتمايز بأنه زماني أصلاً, والعلاقات الدنيوية زمانية غير أن المتواجد لا يوجد حزمة من الوقائع الآنية، ولا يملأ إطاراً معيناً بل من طبيعته أن ينبسط ويمتد بحيث يكون وجوده منذ البداية قابلاً للامتداد.
وبذلك تصبح التأويلية عملية الفهم, وجودية غير ثابتة.
5ـ استقلالية النص والعمل الفني: ويظهر من هيدجر أن العمل أو النص الفني حين يصدر من مبدعه، فيكون له وجود مستقل وشخصية مستقلة عن مؤلفه، بمعنى أن لا أهمية لقصد مؤلفه أو فهم مخاطبه في عصره، وإنما المهم قراءات الآخرين حسب معلوماتهم المسبقة عن مضمون النص, وتوقعاتهم وأسئلتهم من النص حين حوارهم معه، هذه المعلومات والتوقعات التي تصنعها في الغالب المرحلة التاريخية التي يعيشون داخلها.
فإنه (يؤمن بأن العمل الفني يستقل بنفسه وهذه خاصيته الأساسية، ... إن العمل الفني لا يشير إلى معنى خارجه عند المبدع أو في العصر, إنه يمثل نفسه في وجوده الخاص، كما أن الشعر لا ينقل لنا داخل الشاعر أو أحاسيسه أو تجربته، بل هو تجربة وجودية يعيشها المتلقي والمفسر، وما ينتج عن هذه التجربة ، ... ومعنى ذلك أن للعمل الفني بناءه الخاص، وأن هذا البناء هو وجوده المتميز، إن هذا الوجود لا يعني انتماء العمل الفني إلى (أنا) ذات تجربة تعني شيئاً تريد أن تقدمه من خلال العمل ، إن وجود العمل الفني لا يتأسس على أي تجربة ،بل الأحرى القول: انه حدث أو دفعة تبدد كل شيء يمكن أن يكون سابقاً عليها، إن وجود العمل الفني ـ أو تشكله ـ دفعة تفتح عالماً لم ينفتح من قبل ، هذه الدفعة تحدث بطريقة تجعلها ثابتة)18.
أي أن النص والعمل ثابت، ولكن التفسير له, مختلف ومتعدد لتعدد خلفيات المفسرين.
6ـ عملية الفهم حوار بين النص والمفسر: ويرى بأن عملية الفهم والتفسير (حوار) بين العمل أو النص الفني مع المفسر، وهناك معلومات وتوقعات وأسئلة من المفسر ربما أثرت في عملية الفهم ومعناه ومحتواه وبذلك تتعدد التفسيرات حسبها.
7ـ تأثير الأحكام والآراء والمعلومات المسبقة: وفي رأيه كل فهم مسبوق بأحكام وآراء ومعلومات وتصورات مسبقة عن الشيء لا نقدم على فهم أي شيء بذهن فارغ, ففهم كل شيء مسبوق بفهم ابتدائي عنه، ولابد من تصور قبلي عنه يمكن أن يطابق الشيء حقاً وبمكن أن لا يطابقه، لا يحصل أي تفسير بدون تصور عنه.
(وفي فهم النص وتفسيره لا نبدأ من فراغ, بل نبدأ ـ كما في فهم الوجود ـ من معرفة أولية عن النص ونوعه, حتى أولئك الذين لا يتصورون وجود مثل هذه المعرفة أو ينكرونها يبدأون من تصور أن هذا النص ـ مثلاً ـ قصيدة غنائية, ومن جانب آخر فنحن لا نلتقي بالنص خارج إطار الزمان والمكان ، بل نلتقي به في ظروف محددة، نحن لا نلتقي بالنص بانفتاح صامت، ولكننا نلتقي به متسائلين, مثل هذه الأسئلة تمثل الأساس الوجودي لفهم النص، ومن ثم لتفسيره تماماً كما أن إدراكنا للوجود المكتمل من خلال وجودنا الذاتي يؤسس فهمنا للوجود في العالم.
وإذا كان العالم ينفتح من خلال العمل الفني, فإن الانفتاح الوجودي عند المتلقي ـ من خلال وعيه بوجوده الذاتي ـ يجعل عملية الفهم ممكنة، إن الوجود الذاتي للمتلقي لحظة من لحظات الوجود الحقيقي، والعمل الفني بالمثل لحظة وجودية وحين تلتقي اللحظتان يبدأ الحوار، يبدأ السؤال والجواب الذي تنكشف به حقيقة الوجود، وتتطور ـ من ثم ـ تجربتنا الوجودية في العالم، فإذا انتقلنا للنص الأدبي الذي يتحلى فيه العالم من خلال اللغة ... ومهمة الفهم هي السعي لكشف الغامض من خلال الواضح المكشوف، واكتشاف ما لم يقله النص من خلال ما يقوله بالفعل, وهذا الفهم للغامض والمستتر يتم من خلال الحوار الذي يقيمه المتلقي مع النص)19.
فدائماً يشبه فهم الوجود بفهم النص والعمل الفني، فلا يوجد تأويل نهائي ومطلق للوجود, لأن وجود الإنسان في تواجد مستمر والتأويلات إنما توجد من خلال التجربة الحياتية والنشاط العملي وهي متغيرة ومتعددة، وكل فهم وتأويل مبين للغير، أو لا زال باقياً في الذهن دون أن يبين، لابد أن يبدأ من فهم عام مسبق أو معلومات عامة مسبقة عن مضمون النص، إن معرفتنا العامة عن الصناعة تؤدي لفهمنا لمعمل النجارة، وفهمنا لهذا المعمل يؤدي لفهمنا للمطرقة المستعملة فيه وسائر آلاته، وفهمنا المسبق عن التاريخ يوجب فهمنا لبعض حوادثه وحروبه المعينة، إن هذه المعلومات العامة المسبقة عن الموضوع تشكل أرضية الفهم، وتثير في المفسر أسئلة من النص.
وكذلك يعتمد تأويل النص ونوع فهمه على نوع رؤية المفسر ومواقفه من القضايا ، فإن هذا العامل له تأثيره في تأويله وتفسيره للنص وإنه يؤثر كيف نتعامل مع الموضوع ويحدد لنا النقاط المعينة من الموضوع، التي يتوجه لها نظرنا وتأويلنا وإنما تتحدد هذه النقاط حسب خلفياتنا واهتماماتنا المسبقة.
وهذان العنصران يؤديان إلى عنصر ثالث له أهمية وتأثيره في فهم النص، وهو توقعات المفسر من التأويل، هذه التوقعات التي نشأت مسبقاً في ذهنية المفسر, وتتحدد حسب خلفياته .
ولكن هذه العناصر أو الخلفيات والخلفيات الثلاثة، أي المعلومات العامة والمواقف والتوقعات, لم يصنعها المفسر نفسه بل إن الكثير منها نشأت من خلال الثقافة الحاكمة على المرحلة التي يعيشها المفسر، والتي صنعت مفاهيم معينة عن مختلف الأشياء, وزرعتها في أذهان الذين يعيشون داخل تلك المرحلة والظروف, فالكثير من أنواع الفهم والتأويل البشري يتشكل حسب المرحلة التي يعيشها الإنسان ، حيث صنعت فيه مفاهيم صحيحة أو باطلة، لذلك يكون كل تفسير وفهم تاريخياً مختصاً بمرحلته التاريخية ، ويتحدد حسب هذه الخلفيات والعناصر المسبقة.
كما أن تأكيد هيدجر على فردية وجود كل إنسان وتاريخيته وزمانه الخاص به وخصوصية كل موجود إنساني، من حيث وجوده في العالم بمعنى اختصاصه بعلاقاته وآماله وتوجهاته وشؤونه الفردية الخاصة التي تميزه عن غيره، وليست هناك جهة اشتراك أو ماهية مشتركة مع غيره، وإنما لكل فرد ماهيته المختصة به المتشكلة من هذه الخصوصيات ، قد أثر كثيراً على الوجودية المعاصرة كما اعترف بذلك أقطابها أمثال جان بول سارتر.
وسيرى القارئ أن هذه الآراء قد أثرت بقوة على تلميذه غادامر حيث حاول تطويرها وتوضيحها وتحديدها أكثر20.
آراء غادامر في التأويلية الفلسفية:
وقد أثرت آراء هيدجر في تلميذه (غادامر) أو (جادامر) كما في بعض الكتابات الفيلسوف الألماني(1900)، ولعله أقوى من طرح التأويلية الفلسفية في العصر الحديث، ووضح معالمها وحاول تثبيتها ودعمها، في كتابه المعروف (الحقيقة والمنهج). وقد انتقد في كتابه الرأي الشائع الذي يؤكد على إمكان الوصول للحقيقة من خلال المنهج ، وإنكاره لوجود المنهج ناشيء من تفسيره الجديد لعملية الفهم، حيث تعتمد في وجودها على الأحكام والآراء المسبقة للمفسر كما سنذكره، وتحليله لحقيقة الفهم وفلسفته وشروط وجوده، وعدم وجود فهم معين كقصد المؤلف يراد الوصول إليه، كل ذلك وغيره يجعل من المنهج غير ممكن بل وغير مطلوب.
نظرة في المؤثرات والمعالم لآراء غادامر: (يبدأ جادامر في كتابه الحقيقة والمنهج بطرح تاريخي نقدي للهرمنيوطيقا منذ شلاير ماخر وحتى عصره مروراً بديلتاي، ويرى ان تركيز شلاير ماخر كان على وضع القواعد والقوانين التي تعصمنا من سوء الفهم الذي نكون أقرب إلى الوقوع فيه خاصة إذا تباعد النص عنا في الزمان، وصارت لغته غامضة بالنسبة لنا، إن نقطة البدء ـ فيما يرى جادامر ـ ليست هي هي ما يجب أن نفعل أو نتجنب في عملية الفهم بل الأحرى الاهتمام بما يحدث بالفعل في هذه العملية بصرف النظر عما ننوي أو نقصد ... إن هرمنيوطيقية جادامر لا تسعى ـ مثل هرمنيوطيقية ديلتاي ـ للبحث عن منهج للإنسانيات ، ولكنها محاولة لفهم العلوم الإنسانية على حقيقتها بصرف النظر عن المنهج ... إن عملية الفهم في الإنسانيات وفي العلوم الطبيعية أيضاً ، عملية تتجاوز إطار المنهج إذ المنهج لا ينتج في النهاية إلا ما يبحث عنه، أو لا يجيب إلا على الأسئلة التي يطرحها، إن أي منهج يتضمن إجاباته، ولا يوصلنا إلى شيء جديد ، هرمنيوطيقية جادامر إذن تتجاوز إطار المنهج لتحليل عملية الفهم نفسها)21.
وفي هذا السياق يؤكد جادامر على ضرورة التمييز بين قوة الحقيقة التي يتضمنها الفهم وبين تقنيات البحث ومناهجه المفردة من جانب (علوم الروح) المزعومة.
(إن العلوم الإنسانية تلتقي ببعض الأصناف من التجارب القائمة خارج العلم، بتجربة الفلسفة، بتجربة الفن، ، وبتجربة التاريخ ذاته، وهي كلها أنواع من التجارب تعلن عن حقيقة لا يمكنها الخضوع إلى التشبث بالوسائل الميتودولوجية للعلم) إن الفهم ليس منهجاً مكملاً لمناهج علوم الطبيعة وديلتاي من هذه الناحية قد فشل في تقسيمه للمنهج العلمي بإقامة تعارض بين علوم الروح وعلوم الطبيعة.
فالمعارضة الجذرية التي يجب أن نخاطر بها تخص (الحقيقة والمنهج) بحيث إن البنية المشتركة التي توحد بين الظواهر التأويلية تتمثل في مقاومة الحقيقة والمعنى لكل محاولة اقتحام من طرف العلم، وجادامر يجابه بذلك مسالة تجربة الحقيقة كما تبدو خارج العلم بالقيام ضد علوية الفكر الحديث والاعتقاد بأن المنهج العلمي هو المنهج الوحيد القادر على ضمان تجربة الحقيقة (إن طبيعة الأشياء ذاتها تجعل من حركة الفهم حركة شاملة وكلية) لذلك ينزع طموح الهرمنيوطيقا بأكمله إلى فهم الفهم ، وهذه المهمة تتمثل في بسط إجراء يخص الفهم (إذا اتخذنا الفهم كموضوع تأمل، فإن الهدف لا يتمثل في إعداد تقنية للفهم على النحو الذي كانت تسعى إليه الهرمنيوطيقا القديمة)22.
والملاحظ أن التأويلية الفلسفية بصورة عامة لا تختص بفهم النص، أو العلوم الإنسانية بل تشمل الأعمال الفنية, بل جميع أفعال الإنسان وأعماله، لأنها تهتم بالبحث عن حقيقة الفهم بصورة عامة وتدرس الشروط الوجودية لحصوله والعوامل المؤثرة ، ولكن لهذه الهرمنيوطيقا اهتمام خاص بموضوع (تفسير النصوص وفهمها).
وقد بحث فيها أيضاً عن الكثير من القضايا المهمة أمثال البحث عن حقيقة الفهم، وإمكان الوصول للفهم الموضوعي، والهدف من تفسير النص وإمكان القراءات المتعددة للنص الواحد وغيرها، مع التأكيد على أن آراء الهرمنيوطيقا حول فهم النص تختلف في طبيعتها تماماً عن الاتجاه التقليدي في تفسير النص.
معالم نظرية غادامر: ولأجل توضيح نظرية جادامر نذكر أهم معالمها ومعطياتها على شكل نقاط ، وكما ذكرنا أنها أهم النظريات تأثيراً وانتشاراً في فهم النص، في العصر الحديث:
1ـ استقلالية النص عن المؤلف: أي عدم الاهتمام بقصد المؤلف وللنص شخصية مستقلة، يذهب غادامر أن للنص بعد إبداعه من مؤلفه ، هوية مستقلة عن مؤلفه، وليس الهدف من تفسيره الوصول لقصد المؤلف وفهمه، فلا أهمية لقصد المتكلم، أو الكاتب من عمله وكلامه أو كتابته، كما لا أهمية لفهم مخاطبيه الأصليين الذين كتب لهم النص، وإنما المهم ما يفهمه المفسر حسب معلوماته المتطورة وأحكامه وآرائه المسبقة وتوقعاته وأسئلته من النص وما ينتج من حواره معه، فظاهرة التفسير تدور حول (محورية المفسر) لا (محورية النص والمؤلف).
وليس للنص معنى جامد ولا يرتبط فهمه يقيناً بمعرفة تاريخ ولادة النص وظروفه، وإنما يرتبط بالنص نفسه، وبأفكار المفسر وأفقه الشخصي23 ، حيث يحاول الوصول إلى أفق المعنى المتبلور في النص فنحن نواجه النص نفسه لا مؤلفه، وليس من المهم للمفسر أن يعرف ماذا يريد المؤلف إلقاءه من خلال النص، فلا أهمية للتعرف على ذهنية المؤلف وعالمه الداخلي وقصده، حيث يحاول الوصول إلى أفق المعنى المتبلور في النص؛ لأن للنص معنى أوسع من قصد المؤلف24، ويمكن أن تكون له تفسيرات أخرى ليست مقصودة له، ويمكن أن تظهر له تفسيرات متجددة على ضوء الأحكام والمعلومات المسبقة المتجددة.
بل إنه صرح في كتابه (الحقيقة والمنهج) أن المؤلف أحد مفسري النص، وفهمه إحدى القراءات، ويمكن أن تكون له قراءات متعددة أخرى، ولا ترجيح لقراءته على الأخرى.
ومن هنا تحدث البعض من أنصار هذه النظرية عن ( موت المؤلف) تأكيداً لعدم الأهمية لقصد المؤلف من نصه، فقد كتب رولان بارث مقالته المعروفة عن موت المؤلف (إن المؤلف على المستوى اللساني ليس أكثر من لحظة كتابته، إن ملفوظ النص لا يعتمد على شرائط المؤلف الزمانية والمكانية ، ليس ثمة زمن سوى زمن القول وكل نص مكتوب أبداً هنا والآن)25.
وتحدث ريكور (إن للنص فضاءاً مستقلاً للمعنى لم يعد قصد المؤلف يبعث فيه الحياة ،فالمؤلف قد انقطعت صلته بالنص. إن حدث النص ليس حدثاً من إنشاء المؤلف وليس معنى لمعنى المؤلف، بحيث إن القارئ بخلاف المؤلف لا تنقطع صلته بالنص، إذ يدخل النص ليجعله شيئاً يخصه)26.
فإن الشكل أو العمل الفني أو النص الذي يمثل تجربة الفنان أو الكاتب يجعل التفسير مفتوحاً عبر الأجيال، وأما قصد المبدع أو المؤلف قد انتهى, ولم يبق إلا هذا الشكل فإنه توجد فيه حقيقة كامنة تقبل التغير والتعدد (ومثل هذه المهمة تستند بالضرورة إلى نصوص لا بغاية التقاط الأغراض الذاتية للمؤلف، كما هو الحال في الهرمنيوطيقا الكلاسيكية ، وإنما لتركيبها (النصوص) بطرق مختلفة (إذ أن مقصد المؤلف لا يحدد التأويل الصحيح ) ووجوب تركيب نص ما يعود إلى أنه يحتوي على رموز وتعابير ذات دلالات متعددة وإلى أن تعدد معاني النص يفتحه على قراءات وتأويلات مختلفة ولو أنها متفاوتة من حيث المصداقية بحيث يحتفظ النص على الدوام بطبيعته الجدالية)27.
لذلك فإذا صنع الفنان تمثالاً أو رسماً، فليس المهم قصده من عمله، أو فهم معاصريه ومخاطبيه، وإنما ما يستوحيه المشاهد من هذا العمل، وربما استوحى كل مشاهد تصوراً يختلف عن تصور الآخر حسب خلفياته ومشاعره وظروفه. ولعل أكثر النظريات المعاصرة في فهم النص تقبل هذا الرأي، وإن للنص شخصية مستقلة عن المؤلف فلا تختص بالهرمنيوطيقا الفلسفية بل تشمل بعض المذاهب الأخرى في الهرمنيوطيقا، والنقد الأدبي ، ويتقبلها النقد الأمريكي الحديث. إن جميع هذه الاتجاهات على الرغم من اختلافاتها في الرأي تشترك في عدم الاعتماد في تفسير النص على عنصر خارج عن النص وهو وعي المؤلف وأفقه المعرفي وقصده من خلق النص ، ولا يجدر بالمفسر والقارئ أن يبذل جهوده واهتمامه لمعرفة أفق المؤلف أو مبدع العمل الفني ووعيه ومشاعره النفسية ونواياه حين إبداعه للعمل الفني أو الأدبي ، مع التأكيد على أن لكل واحد من هذه الاتجاهات أدلته الخاصة على هذه النتيجة المشتركة ، والملاحظ أن استدلال كل اتجاه من الاتجاهات الهرمنيوطيقية أو الأدبية على التنكر لدور المؤلف وصاحب العمل، يعتمد على نوع رؤيته لعملية فهم النص وحقيقة التفسير.
فمن باب المثال، يمكن الإشارة لاتجاه النقد الأمريكي الحديث، فإنه يؤكد على عدم الأهمية لقصد المؤلف ، فكما أنه لا يمكن التوصل إليه، وكذلك لا يمكن جعله معياراً لتقييم العمل الفني ومدى نجاحه، فإن عملية النقد والفهم والتفسير لابد أن تعتمد فحسب على العناصر الداخلية للنص، وأما السعي في سبيل التعرف على حياة المؤلف أو صاحب العمل وصفاته النفسية وأمثالها، فلا يساعدنا على فهم النص.
والبنيويون كذلك، برؤيتهم المعينة لحقيقة فهم النص ومنهجه، لا يرون مبرراً لمعرفة المؤلف وقصده، فهم ينظرون للنص كسند تاريخي مؤلف من عدة رموز، ولا يعني التفسير إلا حل تلك الرموز وتوضيحها، ولابد من إلغاء دور المؤلف ، ويؤكد (رولان بارت) من البنيويون الفرنسيين في مقالته المعروفة (موت المؤلف) بأن النقد التقليدي والمنهج السائد في فهم النص لم يهتم بدور القارئ، وإنما وجه كل اهتمامه بالمؤلف ودوره في الأعمال الأدبية، ولكن لابد من إلغاء دور المؤلف، وإعادة ولادة القارئ ، ولابد أن تكون ولادة القارئ على حساب موت المؤلف.
ودراسة هذه الآراء وتقييمها تحتاج لدراسة موسعة28.
2ـ عملية التفسير حوار بين المفسر والنص: ذكرنا أن غادامر يعتقد بعدم الأهمية للمنهج في عملية الفهم، وإنما يمكن الاستفادة من المنهج في العلوم التجريبية، وأما في تفسير النص بل مطلق القضايا والظواهر الفنية والتاريخية، والنص وأهدافها، لا يمكن الوصول للحقيقة فيها من طريق المنهج أو وضع قواعد معينة، وبذلك خالف شلاير ماخر وديلتاي في إمكان وضع المنهج لعملية الفهم والتفسير.
وعلى رأيه ليست عملية التفسير إنصاتاً سلبياً بحيث يكون المفسر مستمعاً يحاول البحث عن معرفة قصد المؤلف ورسالته، وإنما هي عملية حوار بين المفسر والنص بحيث يكون لوعي المفسر تأثيره الفاعل وليس أحدهما مستمعاً فحسب، والآخر متحدث، بل كلاهما يتحدثان، المفسر والنص، وكل طرف منهما، لابد أن يقبل بأن الحقيقة ليست كلها عنده والآخر كله باطل ولا يملك شيئاً من الحقيقة وإلاّ لو كان يعتقد كذلك لم يتم الحوار. وليس الفهم إلا نتيجة هذا الحوار، كما يتحاور شخصان فإن نتيجة الحوار غير معلومة مسبقاً إذ لا تحصل من كلام أحدهما لتعرف مسبقاً وإنما هي نتيجة الكلامين، فليست كامنة في النص، أو العمل نفسه، أو في تجربة المفسر وذهنيته، لتعلم مسبقاً ولكنها في مركب جديد ناتج من التفاعل بين تجربتنا والحقيقة التي يجسدها العمل.
وهذه المعرفة لم تكن ممكنة لولا تجسد تجربة المبدع في وسيط مستقل وثابت يبدأ من المبدع وينتهي للمتلقي.
وعملية الفهم عملية مشاركة وجودية تقوم على الجدل بين المتلقي والعمل، والمنطق الحاكم على الحوار والجدل منطق السؤال والجواب، يبدأ السؤال من المفسر والنص يجيب، وهذه الأسئلة تنطلق من الأفق المعرفي للمفسر، ولكن النص أحياناً يسأل المفسر عن مقبولاته وقناعاته ومعلوماته وتوقعاته، ويحاول تصحيحها خلال عملية الحوار، فليس دائماً يفرض المفسر معلوماته عن النص عليه بل ربما صححت على ضوء النص، فيعتقد غادامر بأن المفسر لأجل أن يستفيد من النص لابد له من أسئلة وتوقعات يستهدف حصول الإجابة عليها من النص [وذكر البعض: إن غادامر لا يقصد من ذلك بأن كل من يقدم على النص، وهو يحمل أسالة معينة فلابد أن يجد أجوبته في ذلك النص، مثلاً لو كان يحمل أسئلة عن السياسة أو الطب، حين قراءته للقرآن الكريم أو السنة فسيجد الأجوبة الطبية أو السياسية منها، وأما لو لم يحمل هذه الأسئلة فلا يجد معلومات طبية أو سياسية فيهما، بل مراده أن لكل قارئ أسئلة وتوقعات في مجالات مختلفة، وبهذه الأسئلة يدخل عالم النص، وبما أن علاقة المفسر بالنص متبأدلة، فان النص أيضا يحاول (تعديل وتصحيح) أسئلة المفسر وتوقعاته، حيث سيلتفت بعد القراءة أن النص لا يتضمن الأجوبة على بعض أسئلته، بل ربما خلال القراءة ستولد أسئلة وتوقعات جديدة، فمثلاً يقرأ كتاباً وهو يتوقع انه يبحث عن التوحيد، ولكن سيراه يبحث عن موضوع آخر.
ومثل هذا التفسير لأسئلة المفسر، يحمل الكثير من الصحة، وليس فيه ما يستوجب الإشكال، ولكننا سنحاول الرد والملاحظة على التفسير الآخر لأسئلة المفسر، الذي ذكرناه، وإنها تفرض معنى على النص، وان المفسر لا يفهم المعنى بدون تلك الأسئلة والتوقعات، وان مضمون النص يتحدد حسب هذه الأسئلة. لأن عملية الفهم حوار وسؤال من الطرفين وإنما يحصل الفهم حينما يتم التوافق بين المفسر والنص، وتنصهر التجربتان في ناتج جديد هي المعرفة التي يثيرها العمل أي تركيب وامتزاج الأفق المعرفي للمفسر مع أفق المعنى للنص وربما كان أحدهما من عصر والآخر من عصر آخر فتكون عملية الفهم والتفسير هي عملية تركيب وامتزاج أفق الماضي والحاضر، ومهمة الهرمنيوطيقا اتصال الآفاق وتوافق الحوار واجتماعهما على معنى معين، ويعبر غادامر عنه (باندماج الأفقين، الأفق الفكري والمعرفي للمفسر ووعيه مع أفق المعنى للنص، حيث أن للمفسر أفقاً فكرياً ووعياً مسبقاً, وللنص كذلك, وإذا اندمج الأفقان وتم التركيب بينهما، حصل الفهم والتفسير29.
3ـ تأثير خلفيات المفسر وأحكامه ومعلوماته المسبقة30: فإن هذه الخلفيات هي شرط وجودي لحصول عملية الفهم، هي التي تثير عملية الفهم، ففي رأيه أن عملية الفهم تبدأ من المفسر, فالنص لا ينطق، إلاّ إذا طرح المفسر عليه السؤال والموضوع. وهذه الأسئلة ناشئة من أحكام ومعلومات المفسر المسبقة ويجيبه النص في حدود سؤاله, وما يتوقعه المفسر من النص ، إن النص يحاور المفسر في حدود هذا السؤال والخلفيات ولا أو الخلفيات يتجاوزها ، وهكذا تدور عملية حوار جدلية بينهما, وربما خلال ذلك زالت بعض الأحكام المسبقة من وعي المفسر وحلت محلها أحكام مسبقة أخرى، لأن الأحكام المسبقة تتعرض للتصحيح بدورها خلال عملية الحوار دون أن يحاول المفسر تصحيحها قبل الفهم وربما لا يتمكن باختياره ذلك، بل لابد أن تتعرض بنفسها للتصحيح، ونتيجة هذا الحوار يحصل الفهم ويتحدث النص.
وبذلك سوف يتأثر فهم النص بالأحكام والمعلومات المسبقة للمفسر؛ لأنّه مع القول بأن حدث الفهم امتزاج وتوافق بين النص والمفسر فهذا يعني أننا لم نفهم النص وحده, بل كانت لخلفياتنا تأثيرها في معناه وأنه سيتلون بها، وكل منهما سيكتسب من الآخر لأنه يرى عدم إمكان تجرد المفسر عن الأحكام المسبقة, مع اعترافه بعدم وجود معنى ثابت للنص، وعدم الأهمية لقصد المؤلف وغيرها من الآراء. فلا تحصل عملية الفهم في الحوار بين النص والقارئ، بدون نقاط اشتراك بينهما، وإذا لم توجد نقاط اشتراك وتصورات عن النص. لم يفهم المفسر النص، لأن كلاً منهما يعبر عن أفقه الفكري، وإذا كان أحدهما متقارباً من الآخر، فلابد من وجود نقاط اشتراك، وكلما اقترب الفضاء الثقافي للمفسر من المؤلف أكثر، كان فهمه اقرب، كما لو قرأ المعاصر كتاباً معاصراً، او قرأ المسلم كتابا إسلامياً، ولكن بالرغم من كل ذلك لا يتحد أي فهم مع فهم آخر، لا يتحد فهم المفسر مع فهم المؤلف، ولا مع مفسر آخر لما سنذكره.
ولا شك بصحة بعض هذه الآراء، وان تصورات المفسر وتقاربه أو معاصرته للنص، له تأثيره الفاعل والكبير في فهمه وتفسيره أكثر وأفضل وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها، ولكن سنذكر الملاحظات على القول بأنه لا يمكن فهم أي نص، بدون تصور مسبق عنه أو أن التصور المسبق سيفرض معنى على النص، أو القول بأنه لا يوجد اتحاد واشتراك في الفهم والتفسير بين المفسرين، أو أن المفسر يفرض أهواءه وخلفياته جبرياً على النص، فإن ملاحظاتنا ستتوجه إلى أمثال هذا الرأي، أو بعض الجوانب السلبية من هذه النظرية، لو كانت تقصدها حقاً، ولم تكن استنتاجات من المفسرين لها، دون الملاحظات على الجوانب الإيجابية والفاعلة منها.
ولكن غادامر يؤكد على تجنب الأحكام المسبقة التي تؤدي لسوء الفهم حيث يقسم هذه الأحكام لما يؤدي للفهم الصحيح وغيره، دون أن يقدم معياراً للتمييز بين ما يؤدي لحسن الفهم أو سوئه.
إذن فالفهم لا يحدث بدون سؤال وتصور من المفسر، ويتأثر هذا الفهم بهذه الخلفيات والمفسر لا يقدم على فهم النص ولا يحاوره ولا يسأله وهو فارغ الذهن، بل له وعي فكري وأفق معرفي يتشكل من قبليات المفسر، وهي مجموعة من المعلومات والأحكام والتوقعات المسبقة، وهذه الخلفيات كما أنه لا يمكن للمفسر التخلص منها لأنها التي تولد الفهم ويخضع المفسر لها جبرياً في عملية الفهم، وكذلك فإنها مطلوبة وضرورية في عملية الفهم، وشرط لازم لوجوده31.
(ولذلك ينتقد غادامر فكرة الوعي التاريخي الذي يقوم على أساس منهجي فحواه التخلص من النوازع والأهواء الذاتية لتجربتنا الحاضرة والتي تلون حكمنا على التاريخ وبالتالي تجعلنا غير قادرين على رؤية الماضي رؤية موضوعية ، يرى غادامر ـ على العكس ـ أن الأهواء والنوازع بالمعنى الحرفي هي التي تؤسس موقفنا الوجودي الراهن الذي ينطلق منه لفهم الماضي والحاضر معاً، إن المنهج العلمي الصارم حين يطالب المؤرخ بالتخلص من أهوائه ونوازعه وكل ما يشكل أفق تجربته الراهنة، لا يفعل أكثر من أن يترك هذه النوازع تمارس فعلها في الخفاء بدلاً من مواجهتها باعتبارها عوامل أصيلة في تأسيس عملية الفهم ويذكر غادامر أن هذا المنهج الصارم لم يتحقق في الأعمال التاريخية حيث يرى أنها متأثرة بالاتجاهات السياسية للعصر الذي كتبت فيه)32 إذن فيرى غادامر أن السعي لحذف الأحكام والآراء والمعلومات المسبقة، كما أنها غير ممكنة فإنها غير مطلوبة، وإن عملية التفسير بمعناها الدقيق تعني الاستفادة من تلك الأحكام والمعلومات الشخصية في ذهن المفسر، وبذلك فإن غادامر رد الاعتبار لخلفيات المفسر التي حاولت النظريات السابقة في فهم النصوص رفضها33، ومطالبته المفسر بالتجرد الموضوعي عنها ليصل للفهم الموضوعي أو لقصد المؤلف، فإذا كان التفسير بالرأي بالمصطلح الإسلامي وهو فرض المفسر أحكامه المسبقة على النص مذموماً فإنه في هذه النظرية جبري بل ضروري ومطلوب.
فمثلاً حينما يقرأ شعر المتنبئ فإن معلوماته وأحكامه المسبقة الناشيءة من قراءته وقراءات الآخرين وآرائهم التي انتقلت لذهنه من عصره وعصور سابقة، كلها تؤثر في تفسيره وقراءته لشعر المتنبئ وفي أسألته من النص، أو سؤال النص منه، ولا يمكنه التجرد منها، كما لا يمكنه باختياره تصحيحها، وتمييز الصحيح والخاطئ منها، ولكنها قد تتعرض للتصحيح خلال عملية قراءة النص.
ولكن كيف تتكون هذه الأحكام والمعلومات المسبقة في وعي المفسر؟
يرى غادامر بأن هذه الخلفيات مرتبطة بالمرحلة بالأعراف التاريخية التي يعيشها المفسر، فإن فيها الكثير من القناعات التراثية والقيم والآداب والعادات والأخلاق، وتفسيرات الآخرين السابقين للنصوص وغيرها, مودعة في لا شعور المجتمع, وتنتقل إلى لا شعور الأفراد، ويتقبلونها ويعملون وفقها بدون أن يحاولوا تصحيحها. فهو مثل (هيدجر) يرى أن الظروف التي نشأ فيها المتكلم أو المفسر تؤثر في أعماله وفهمه، ستنتقل من خلال هذه الظروف واللغة مفاهيم لذهنه، وأحكام وآراء مسبقة معينة، تختلف عن المفاهيم والأحكام لشخص آخر عاش ظروفاً أخرى، وربما لكل إنسان ظروف شخصية معينة، بالإضافة للظروف العامة، ففي بيت واحد ربما اختلف إخوان في الفهم لقضية واحدة وهذه المفاهيم والأحكام المسبقة تشكل زاوية رؤيته وفهمه للأشياء والنصوص بما يختلف عن زاوية رؤية الآخر.
ولا شك بصحة تأثير هذه المؤثرات في المفسرين وتفسيراتهم ومواقفهم في بعض المجالات لأنها حقيقة وجدانية، ولكن يمكن الملاحظة على تعميم هذا التأثر أو جبريته، وعدم وجود الفهم أو الموقف المشترك في كل المجالات، كما سنشير لذلك.
وهذه نقطة جوهرية في نظرية غادامر لأن كل مفسر يعيش داخل التاريخ تحيط به هذه الخلفيات ولا يستطيع أن يتجاوز أفقه المعرفي الراهن في فهم الظاهرة التاريخية ولا يستطيع أن ينتقل للماضي أيضاً ليشاركه في فهمها.
ويرى غادامر بأن النص التاريخي بما يشمل كل نص وردنا من التاريخ سواء كان عملاً أدبياً أو فنياً أو واقعة تاريخية أو غيره، تعرض لتفسيرات عبر التاريخ هي تشكل تاريخ هذا النص فهناك مفاهيم كانت في محيطه وحتى قبل وجوده وقد انتقلت هذه المفاهيم والأحكام إلى ذهنه وهي تؤثر في فهم المفسر لذلك النص والعمل وفي تفسيراته، وهي تؤثر جبرياً في فهم المفسر لذلك الشيء الذي ارتبطت به هذه التفسيرات، لأن كل إنسان ينشأ في ظل هذه الأحكام، وهي تمثل الموقع الوجودي الخاص للإنسان، لذلك ربما يرى أو يفهم بما لا يراه أو يفهمه الآخر، لذلك كان كل فهم تاريخياً بالإضافة إلى الآراء والتفسيرات والظروف المعاصرة المؤثرة في وعي المفسر، كلها تؤثر في فهمه للنص أو الظاهرة.
إن كل مفسر يعيش داخل التاريخ تحيط به مجموعة من المعلومات والأحكام (لأن الوجود الإنساني تاريخي ومعاصر يعيش الحاضر وليس معزولاً عن تأثير الأعراف (التفسيرات التاريخية للظاهرة) التي انتقلت إليه عبر التاريخ ، ولا يستطيع الإنساني أن يتجاوز أفقه الراهن في فهم الظاهرة التاريخية، ولا يستطيع أن يتحول للماضي ويشاركه ليفهمه فهماً موضوعياً)34.
فلا يبدأ فهمنا للتاريخ عن فراغ بل يبدأ من الأفق الراهن الذي يعتبر التاريخ أحد مؤسساته الأصلية.
4ـ ليس للنص تفسير نهائي ثابت، وإنما له تفسيرات متعددة لا نهائية: لأنه على ضوء نظريته في حقيقة الفهم فيكون كل نص قابلاً لتفسيرات متعددة حسب تعدد المفسرين وخلفياتهم وعدم حصر الحقيقة النهائية عند مفسر معين)35. لأن المفروض تعدد المفسرين وتعدد خلفياتهم وتغيرها، لأن كل مفسر خاضع لظروفه، كما ذكرنا، ولا يمكن آن يتساوى فهمه مع فهم غيره، وكل من القراء يفسره حسب خلفياته، بل حتى المفسر الواحد ربما اختلفت تفسيراته باختلاف ظروفه ، والنص وإن كان ثابتاً ولكن المفسر متغير فتحدث امتزاجات متعددة فيكون للنص تفسيرات لا متناهية، وبذلك يظهر تأثر غادامر بهيدجر، يقول بارت (إن النص حقل للمنهجية, ويمارس النص أرجاء لا متناهية للمدلول).
ويؤكد غادامر على دور اللغة، وينكر الفصل بين الفهم واللغة، ويرى أن حقيقة الفهم لغوية، إن الفهم يحصل داخل اللغة، كل فهم مفسر وكل تفسير مرتبط باللغة، وفي رأيه إن كل لغة نوع من النظرة للعالم ويرى بأن عالم أذهاننا محاط باللغة، لذلك لا يمكن فصل أنفسنا عن اللغة ، إن للغة تأثيرها الكبير في حدث الفهم.
(وكما يقيس الإنسان ويحقق وجوده من خلال فهم التاريخ والفن بدءاً من وعيه الراهن، يعيش في إطار اللغة، إن غادامر يرفض ـ مثل هيدجر ـ الوظيفة الدلالية للغة، ويؤكد على العكس أن اللغة لا تشير إلى الأشياء بل الأشياء تفصح عن نفسها من خلال اللغة، وفهمنا لنص أدبي لا تعني فهم تجربة المؤلف، بل تعني فهم تجربة الوجود التي تفصح عن نفسها من خلال النص)36
(وغادامر يبحث من خلال الفهم الذي يحدث لدى الإنسان بخصوص التقليد التاريخي الذي ينتمي إليه وممارسته الحس الجمالي عن الأنماط الكبرى للفهم ، إن مقارنة أثر فني أو وثيقة من الماضي تمثل حدثاً تاريخياً جديداً ينتمي إلى تاريخ هذا الاثر او تلك الوثيقة مثلما ينتمي إلى تاريخ التأويلات ذاته، وفي هذا السياق يندرج مفهوم الوعي بالتحديد التاريخي، إن كل فعل تأويل بخصوص آثار الماضي والوثائق المتعلقة به يمثل توسطاً جديداً يحدث في صميم عامل اللغة باعتبارها الوسيلة التي تسمح لوقائع الماضي بأن توأصل وجودها وتأثيرها وأهمية اللغة التي أدت بغادامر إلى وضع تماثل جذري بين اللغة والوجود البنية اللغوية للعالم)37.
(فحقله حقل الدال والسلسلة الدالة وهو لا يحتوي على أية عملية من عمليات البنوة التي تسود العمل في علاقته بالمؤلف من موقع أبوي أو عندما يعود المؤلف إلى النص فإنه يعود ضيفاً فالنص متعدد ومعانيه المتعددة غير متمركزة ولا متعلقة)37.
5ـ عدم إمكان وجود التفسير الموضوعي والحقيقي والواقعي وهو الفهم المطابق لواقع النص: فإنه لأجل الاختلاف الزماني بين المفسر والنص وتأثير الوعي الفكري والأفق المعرفي للمفسر وخلفياته وآرائه وأحكامه المسبقة التي ذكرناها في عملية الفهم فلا يمكن أبدا التوصل لفهم مجرد عن تأثير وعي المفسر.
بل لا يمكن أن يكون هناك فهم معين لواقع النص، لأن كل فهم متأثر بخلفيات المفسر وهي متغيرة كما ذكرنا والمفروض أنه لا أهمية لقصد المؤلف ومراده فلا يمكن أن يكون هناك تفسير محايد تماماً عن المفسر.
6ـ عدم وجود معيار لتقييم التفسيرات المتعددة، التي طرحت للنص: فعلى ضوء هذه النظرية لا يمكن الحكم على أن هذا التفسير صحيح وذاك باطل أو ترجيح تفسير على آخر، إذ لا يوجد تفسير ثابت معين لقصد المؤلف يكون هو المعيار، وكل معيار يطرح يكون بدوره متأثراً بخلفيات المفسر، فيكون نسبياً أيضاً ، وكل ما يمكن قوله هو (وجود) تفسيرات متعددة للنص الواحد بعدد المفسرين ، فلا يوجد تفسير موضوعي حقيقي معين كقصد المؤلف يكون معياراً.
ولعل أهم نتيجة تترتب عليها كما سنشير إليه، وأشار إليه المعترضون الغربيون لهذه النظرية هي (نسبية المعرفة) وليس هناك تفسير ثابت بل كل التفسيرات متغيرة ومتعددة، لأن كل فهم متأثر بالأحكام المسبقة للمفسرين وهم بدورهم متأثرون من ظروفهم التاريخية وهي متغيرة دائماً فتكون جميع التفسيرات نسبية متغيرة لذلك كانت هذه النظرية من مذاهب (النسبية) .
وكل هذه التفسيرات مشروعة وعلى حق، لأنه على تفسير غادامر للحقيقة إن كل فهم هو يمثل الحقيقة، وليست هناك حقيقة خارجية وراء الفهم يقاس به الفهم، بل الفهم هو الحقيقة ولا فرق في رأيه بين الفهم الصائب وغيره.
هذه أهم خصائص ومعالم نظرية غادامر حول التأويلية الفلسفية.
ومن الجدير أن نذكر أن هناك نظريات في الغرب مشابهة لهذه النظرية في تفسير النص والعمل، ذهبت إليها تيارات أخرى، أمثال أتباع فرويد والماركسية والبنيويون وأنصار النقد الادبي الامريكي وغيرهم ، حيث ذهبوا أن للنص أو العمل شخصية مستقلة عن المؤلف ولا أهمية لقصده ، كما أن التأويلية الفلسفية لا تختص بهيدجر وغادامر ، بل هناك من الفلاسفة من ذهبوا إليها مع اختلاف في بعض الآراء أمثال جاك دريدا من فلاسفة فرنسا، ولكن هنا نخص بالبحث آراء هيدجر وغادامر.
موقف علماء الغرب من هذه النظرية:
إن هناك الكثير من علماء الغرب قد اعترضوا على هذه النظرية وأنصارها، أمثال هيدجر وغادامر ودريدا وغيرهم، وأيدوا المنهج الكلاسيكي أو الرومانسي في عملية الفهم والتفسير من إمكان وجود المنهج وأهمية قصد المؤلف وأمثالها.
ولكن مما يؤسف له, كما هو الشأن في الكثير من النظريات الغربية حيث لم يتقبلها الكثير من الغربيين أنفسهم، واعترضوا عليها ورفضوها، ولكن وجد في الشرق, أو بين المسلمين, من يتقبلها ويدافع عنها، ويطبقها على التعاليم والنصوص الإسلامية، ويحاول نشرها بين المسلمين. وربما طرحها بعض المترجمين كنظرية مسلّمة في الغرب، بينما لم يتقبلها الكثير من الغربيين، بل ربما ليست معروفة عند بعضهم أو لم يعرفوا غادامر، وقد ناقش الكثير من العارفين بها آراءها وأصحابها، وتبنوا المنهج الكلاسيكي أو المتعارف في فهم النص وتفسيره كما سنذكره، إذن فأكثر الغربيين لم يعتنوا بها، ومن تبناها فهو قليل جداً.
ففي إشكاليات القراءة (في مواجهة هرمنيوطيقية جادامر الجدلية التي لا تهتم بالمنهج كان المنهج هو رد الفعل في الجدل المعاصر جداً حول الهرمنيوطيقا ... فإن مفكري الهرمنيوطيقا المعاصرين أمثال بيتي وبول ريكور وهيرش يسعون لإقامة >نظرة موضوعية< في التفسير لهم مثل شيلر ماخر يحاولون إقامة الهرمنيوطيقا علماً لتفسير النصوص يعتمد على منهج موضوعي صلب يتجاوز عدم الموضوعية التي أكدها جادامر، إن الهرمنيوطيقا عند هؤلاء المفكرين لم تعد قائمة على أساس فلسفي ولكنها صارت ـ ببساطة ـ علم تفسير النصوص أو نظرية التفسير)38. ونشير لبعض المعترضين على الغربيين:
1ـ ولعل أهم اعتراض على آراء غادامر بدأ في الستينات (1960) من قبل (هابرماس وكارل اوتو) حيث اعترضا عليه في تأكيده على الأحكام المسبقة والأعراف وتأثيرها.
فيرى هابرماس (مفكر ألماني) أنه على رأيه فسوف لا يبقى مجال للرد والنقد على نظريته.
ووافقه على ذلك (كارل اوتو) وأنه على آرائه لا يبقى مبرر للحوار، لقد أغلقت هذه النظريات الأبواب بوجه كل نقد وتقييم لأي تفسير ورأي، لأن كل تفسير أو رأي إذا كان متأثراً بخلفيات المفسر فهذا يقتضي تبرير ومشروعية وصحة كل رأي وتفسير، ولا يقبل النقد والاعتراض, لأننا لو اعترضنا عليه فسوف يقول صاحبه لو كنت تعيش الخلفيات التي أعيشها ستصل لنفس النتيجة، فعلى ضوء هذه النظرية لابد من قبول كل رأي ومشروعيته)39.
ومن اعتراضات الفيلسوف الألماني المعاصر هابرماس على غادامر. هو أن هذه النظرية تؤدي للنسبية40 في العلوم الاجتماعية، واعترض عليه في إنكاره لوجود المعيار الموضوعي وأنه لابد من وجود معيار لتمييز الفهم عن سوء الفهم وأنه لا يمكن الاكتفاء بحقيقة الفهم وإمكانه, بل لابد من ملاحظة مدى اعتبار الفهم وصحته، وانتقد غادامر في تأكيده على التأثير الجبري والتكويني للمواريث والأعراف الثقافية على الفهم والمعرفة, وذهب إلى مكان انتقادها41 في العلوم الاجتماعية حيث يمكن نقد الأحكام المسبقة والأعراف. [وأما (بيتي 1890) وهو مفكر ايطالي, فقد اعترض على النظرية باعتراضات:
1ـ فقد اعترض على تأثير ذهنية المفسر وأحكامه المسبقة .
2ـ ودافع عن وجود منهج ومعايير علمية يمكن من خلالها تمييز الفهم المعتبر عن غير المعتبر، وتحصيل الفهم والتفسير الخارجي والموضوعي المعين في العلوم الإنسانية.
وهو يحاول البحث عن منهج عام لتفسير جميع العلوم، وهي رسالة الهرمنيوطيقا. ودافع بشدة في مقابل التأويلية الفلسفية مخالفاً لها في إمكان التوصل لفهم موضوعي في العلوم الإنسانية بعامة وفي فهم النصوص بخاصة.
3ـ الهدف الأساس من عملية التفسير الوصول لقصد المؤلف، فلابد من تجرد المفسر عن أحكامه المسبقة ، فما اعتمدته الهرمنيوطيقا الفلسفية من القول بضرورة وجود الأحكام والتصورات المسبقة، يعتبر خطراً جدياً في تفسير العلوم الإنسانية .
4ـ ويظهر منه دعمه لمدرسة ديلتاي في تأويل التجربة الإنسانية .
5ـ وفي رأيه أن للنصوص بل لجميع الأعمال الثقافية معاني مستقلة عن آراء المفسر.
وأما (هيرش 1928) مفكر أمريكي من أتباع الكلاسيكية الحديثة في التأويلية فقد اعترض على هذه النظرية أيضاً.
1ـ دافع عن وجود الفهم الموضوعي الحقيقي المعين، وعن إمكان التوصل إليه في العلوم الإنسانية بعامة، وفي فهم النصوص بخاصة، ووجود معنى نهائي للنص، ولزوم التوصل لمنهج ومعيار لتمييز التفسير المعتبر عن غير المعتبر.
2ـ إن الهدف النهائي من عملية التفسير التوصل لقصد المؤلف وهو المعيار لتمييز التفسير عن غيره، فيلزم الاهتمام بقصد المؤلف وانتقد غادامر في قوله (بمحورية المفسر) في عملية التفسير.
3ـ ينتقد تيار النسبية والشك في التفسيرات واعترض على غادامر أن نظريته تؤدي إلى النسبية والشك لأن قوله بتاريخية الفهم وتأثير الخلفيات يؤدي لذلك، كما أن غادامر لم يذكر معياراً لتمييز التفسير الصحيح عن غيره لتزول النسبية42.
4ـ إذا لم يفهم نص صدر في زمان سابق لتأثير الظروف والخلفيات والفأصلة الزمانية على المفسر فلابد أن لا يفهم النص الصادر في زمان بل ومكان واحد أيضاً حيث يختلف كل زمان ومكان عن آخر من حيث الثقافة فلابد أن تتغير التفسيرات وتتعدد في مرحلة زمنية واحدة.
وانتقد التيار السائد في هرمنيوطيقا القرن العشرين، لذلك انتقد هيدجر وغادامر والنقد الأدبي الأمريكي الحديث، وكل اتجاهات الشك والنسبية في التفسير، لقد أكد في رسالته (اعتبار التأويل) أن المعيار الأصيل في التأويل الصحيح يتركز على الوصول إلى (القصد الأصيل للمؤلف) ومهمة المفسر هو الوصول لهذه الحلقة المفقودة إذا اتضحت فسوف يتضح كل شيء ، لقد بحث في مقابل الاتجاهات الخطرة للنسبية أي اتجاهات الهرمنيوطيقا الفلسفية والنقد الأدبي عن المعايير التي تضمن الوصول للتفسيرات الصحيحة وهذه المعايير لا تحصل إلا بالقول بأهمية قصد المؤلف43.
ملاحظات على التأويلية الفلسفة: تمهيد في آراء غادامر إيجابياتها وسلبياتها:
قبل أن نذكر الملاحظات يجدر أن نقول بأن الهرمنيوطيقا ربما اشتملت على بعض المفاهيم والآراء المفيدة والصحيحة ـ كما أشرنا لذلك ـ والتي يمكن لكل باحث، ومفسر الاستفادة الفاعلة منها في إثراء الفكر والفهم، وخاصة الكلاسيكية والرومانسية منها، بل حتى الفلسفية حيث ذكرنا أن بعض آرائها صحيحة وخاصة في بعض النصوص والأعمال، ولكن مع التأشير على بعض سلبياتها وخاصة في النص الديني، أو بعض الآثار التي ربما ترتبت عليها حتى لو لم يلتفت إليها أصحابها، أو بعض الآراء والاستنتاجات المتطرفة أو المنحرفة التي حاول البعض استخراجها من هذه النظرية، سواء قصدتها هذه النظرية أو لم تقصدها. وخاصة بما يرتبط بالفكر الديني أو الإسلامي.
كما يجدر أن نقول: إنه يمكن أن تفسر الهرمنيوطيقا الفلسفية، وخاصة آراء غادامر بتفسير آخر، وربما كان رأياً صحيحاً، غير التفسير الشائع لها، وانه لا شك بأن للبشر ظروفا ومستويات ثقافية مختلفة، لذلك تكون لهم تفسيرات مختلفة عن بعض المسائل، وربما كانت التفسيرات المتعددة والمختلفة في بعض المسائل والمجالات كثيرة، وفي بعضها قليلة، كما أن التعدد والاختلاف قد يكون طولياً، وقد يكون عرضيا، بمعنى أن البعض ربما فهم من النص معنى، بينما فهم آخر منه معنى مغايراً تماما، وهذا هو التعدد العرضي، أو أن البعض فهم منه فهماً متكاملاً عميقا موسعاً ، بينما فهم منه الآخر فهما سطحياً ، أو في بعض جوانبه، وهذا هو التعدد الطولي، وفي التفسيرات العرضية يمكن أن يكون كلها خاطئة، أو أن أحدها صحيح والآخر خاطئ، وربما كان جانب من التفسير صحيحاً، وجانب منه خاطئاً، وكل هذه التعددية لا شك في وجودها في الواقع الخارجي، فإذا كان هذا هو قصد الهرمنيوطيقا الفلسفية أو غادامر فهو رأي يمكن أن نقول بصحته، فقراءة الطبيب لكتاب طبي تختلف عن قراءة غيره، في عمق الفهم وشموليته، فالبشر يختلفون في فهم بعض النصوص والمسائل، لاختلاف معلوماتهم ودراساتهم وثقافاتهم والكثير من العوامل، وهذه حقيقة وجدانية لا تقبل الإنكار.
ولكن هذا لا يعني اختلافهم في جميع المسائل، فإن الطبيب وغيره يشتركون في فهم الكثير من النصوص والقضايا العادية أو اليومية أو الثقافية وإن اختلفوا في فهم بعض المسائل العلمية.
ولكن لو توفر لأي شخص الظروف والمعلومات التي توفرت للأخر فسوف يتحد في الفهم مع الآخر حتى في المسائل العلمية، وأما القول بضرورة التغاير والتعددية في الفهم في جميع النصوص والمسائل والمفسرين وحتى مع الاشتراك في الظروف والمعلومات، كما ذهب اليه غادامر فهو غير صحيح.
إذن فإذا كان مراد غادامر الاختلاف والتعددية في الفهم في بعض النصوص والمسائل بالمعنى الصحيح وخاصة في المسائل الاجتهادية أو الاختلافية ـ كما ذكرنا بعض أمثلته، وسنذكر أمثلة أخرى لاحقاً ـ فهو رأي صحيح، وأما إذا كان رأيه الشمولية في التعددية لجميع النصوص والمفسرين فهو غير صحيح، إذن فلهذه النظرية تفسيرات صحيحة معتدلة، وتفسيرات متطرفة أو منحرفة، ونحن نذكر مختلف التفسيرات مع ذكر الملاحظات عليها.
ولكن الظاهر أن ما يترتب على آراء غادامر، سواء تنبه أو التزم بذلك أو لم يلتزم، بل ربما حاول البعض من المتأثرين بها استنباطها منها، ليس إلا التعددية والاختلاف الشامل في جميع التفسيرات والمسائل والنصوص ولجميع الناس والمفسرين، وأنه لا يوجد شخصان يتحدان في فهم أي نص أو شيء، لاختلاف الخلفيات والأحكام المسبقة والظروف الشخصية والعامة التي يعيشونها، وهذا رأي غير صحيح.
وسنذكر في هذه الدراسة بعض الملاحظات على بعض الجوانب أو التفسيرات السلبية المتطرفة في هذه النظرية، أو بعض الآراء والتعددية المتطرفة والمنحرفة، التي حاول البعض حتى من الكتاب المسلمين استنتاجه من أمثال هذه النظريات الغربية، وربما دون أن يلتفت أو يقصده أصحابها، وخاصة في تعميمها للفكر أو للنص الديني بعامة، أو الإسلامي بخاصة, أن هذه النظرية كما رأينا تؤدي لنسبية القراءة والتفسير وتعددها وليست هناك قراءة مطلقه ثابتة لكل نص مع ضرورة الخضوع للخلفيات المتغيرة, وقد ذكرنا إشكالات بعض الغربيين عليها، وهي مهمة، وربما أشرناإليها.
ويمكن الملاحظة على هذه النظرية في نفسها أو حسب التصور الإسلامي، ونحن نشير لكلا المجالين، وذلك لان بعض الكتاب المسلمين يلاحظ تأثرهم بها، وحاول تطبيقها في النصوص والتعاليم الإسلامية، وخاصة في مجال القراءات المتعددة للدين، اوفي تيارات تجديد العقل او الفكر الإسلامي، وتغير الشريعة وأمثالها.
وسنذكر أننا لا ننكر التعددية في التفسير أو الرأي أو الحكم ولكن في بعض النصوص والمجالات وضمن شروط معينه، ونستعرض الملاحظات على هذه الآراء:
الملاحظة الأولى:
عدم مشروعية أي نقد أو تقييم للنظرية: فإنه على هذه النظرية لا يبقى مبرّر ومجال للحوار، والنقد والتقييم، للتفسيرات والآراء المختلفة بل المتناقضة كما أشار لهذا الإشكال بعض الغربيين، ونذكر هذه الملاحظة من خلال نقاط:
1ـ أن كل رأي أو تفسير لأي نص أو عمل، إذا كان متأثراً بخلفيات المفسر، مع القول بأن كل تفسير صحيح ومشروع، فعلى ذلك فلا مجال لان ينتقد الاخرون على غاد امر ورأيه، بل لا مجال لان ينتقد غادامر آراء مخالفيه وتفسيراتهم، لأن النقد والحوار متفرع على فهم كلامه وقصده وكلام الآخر وعلى هذه النظرية، فلا يفهم أي منهما قصد الآخر.
2- مع رأيها بأن التفسيرات للنص أو التاريخ أو الإنسان غير متناهية وعدم وجود فهم نهائي ثابت وكل هذه التفسيرات مشروعه على حق، فهذا يلزم منه الجمع بين المتناقضات أو تعدد الحقيقة، اذا كانت التفسيرات متناقضه، كما لو قال احدها بالتثليث والاخر بالتوحيد، مع أن الواقع واحد لايتعدد، بالإضافة الى أن بعض التفسيرات نعلم بأنها باطلة وهدامة ومنحرفة، وأما لو قلنا: إن الحقيقة واحدة، ولكن لا يمكن أن تصل لها التفسيرات، لتأثير الخلفيات فيلزم أن تكون التفسيرات باطلة، لعدم وصولها للحق مع تعددها واختلافها، وإذا كان في رأيها أن كل أحد لا يمكن أن يفهم الآخر لتأثير الخلفيات، فلماذا يصر على تفهيم نظريته للآخرين, وهذا كله يؤدي لانحطاط المعرفة والفهم.
وخاصة مع رأيها بعدم وجود المعيار لتمييز التفسير الصحيح عن الخاطئ والباطل، إذ ليس هناك فهم معين كقصد المؤلف ليكون معياراً، بل لا يمكن جعل معيار، لان كل معيار يفرض، فهو متغير ونسبي بدوره لتأثره بخلفيات واضعه، بل لا يمكن فهمه فهماً ثابتاً.
الملاحظة الثانية نسبية الفهم:
إن هذه النظريات من نظريات (النسبية أو الشك) كما أشار لذلك بعض الغربيين، لذلك يجدر إلقاء نظرة على مذاهب النسبية, وقد شاعت مذاهب النسبية والشك في الغرب، سواء كانت النسبية في أصل الحقيقة أو في معرفتها، أو الشك فيها وعدم الجزم بالوصول إليها، وقد تأثر بها الكثير من التيارات الغربية، ومنها الهرمينوطيقا الفلسفية، والحقيقة أن مذهب الشك هو السائد اليوم في الفكر الغربي لتأثير هذه النظريات فيه، فبعض النظريات ذهبت إلى النسبية أو الشك في معرفة الحقيقة.
وقد عرفت نسبية المعرفة (إن العقل الإنساني لا يحيط بكل شيء, وإذا أحاط ببعض جوانب الأشياء صبها في قوالبه الخاصة. فالعقل لا يستطيع أن يعرف كل شيء، فإذا عرف الأشياء لم يستطع أن يحيط بها إحاطة تامة، وإذا كان العقل كما يقول (كانت) صائغاً يكيف معطيات التجربة ويصوغها وفق قوالبه الخاصة، فلا تعجب لاختلاف صور المعرفة باختلاف قوالب الصائغ(44).
ولهذا المذهب جذوره التاريخية وحمل لواءه في القرن الثامن عشر دافيد هيوم (1711-1776) وهو من رواد (مذهب الشك) في العصر الحديث، يقول هيوم لو امتددنا ببحثنا إلى ما وراء المظاهر الحسيه للأشياء فان معظم النتائج التي نصل إليها ستكون مليئة بالشك وعدم اليقين، والطبيعة الحقيقية لموضع الأجسام ستكون مجهولة، ولا تعرف غير آثارها المحسوسة(45).
وكان لهيوم تأثيره في عما نوئيل كانت (1724-1804) ونظريته امتداد لنظرية الشك عند هيوم، وتتبنى (نسبية المعرفة) الذي فرق بين الشيء في ذاته، والشيء كما يظهر لنا، وكان لهذه المقوله تأثيرها الكبير في الهرمنيوطيقا الفلسفيه والتعددية الدينية كما سنذكره قال (اننا لا نعرف الأشياء كما هي في ذاتها ولكن فقط كما تظهر لنا) ويقصد بذلك أن يقول إننا لا نستطيع بالحواس أن نعرف الأشياء كما هي في ذاتها، وليس في هذا إنكار لحقيقة موضوعات التجربة، فهي موجودة ولكننا لا نعرف منها غير الظواهر التي تتبدى لنا)(46)
وتأثر بها أيضاً جون سيتورات مل (1806-1873) حيث قال (ليس لنا معرفة غير معرفة الظاهر، ومعرفتنا بالظواهر معرفة نسبية وليست مطلقه، ولسنا نعرف الماهية الباطنية(47)
(ولنسبية المعرفة عند (ميل معان) فهو يقول:
ا- أنا لا نعرف من الشيء إلا من جهة ما هو متميز عن غيره من الأشياء
ب - ولا نعرف الطبيعة إلا بواسطة أحوالنا الشعورية ولهذا القول نتيجتان:
الأولى: هي إرجاع الأشياء إلى الأحوال الشعورية
والثانية: القول بوجود شيء في ذاته لا يمكن آن يكون بطبيعته موضوع معرفة عقلية أو تجريبية)48
والملاحظ أن هذه الآراء لا تنكر وجود الحقيقة الثابتة في ذاتها وراء هذه الظواهر، وإنما تنكر إمكان معرفتها وعدم الجزم بإدراكها، لذلك كانت من مذاهب الشك في المعرفة.
وان أمكن الإشكال على ذلك: انه لو لم يمكن إدراك الحقيقة والذات فلا نعلم بوجود ذات وحقيقة ولا يوجد معيار لمعرفة صدق القضية وعدمه، فمن أين نعلم بثباتها، إلا أن تكون هناك وسائل أخرى لإدراك ذلك، اذن فمذهب الشك يؤدي لنفي الحقيقة أو نفي ثباتها ولا يدل على وجود الحقيقة.
ولكن هناك من أنكر ثبات الحقيقة في ذاتها وأنها متغيرة، كما ذهب لذلك أنصار مذهب الجدلية والديالكتيكية، أمثال هيجل (1770-1831) حيث يرى ان الحقيقة في صيرورة وتغير، وليس ثم حقيقة مطلقة صادقة صدقا كليا في الزمان والمكان، الا اذا وصلت الصيرورة إلى خاتمة مطافها، وأنى لها أن تبلغ ذلك أبداً)49
ومثل هذه المذاهب في النسبية أو الشك يمكن تطبيقها على نظرية هيدجر وغادامر وأمثالهما.
فأنهم لو قالوا بأن جميع القراءات والتفسيرات المختلفة، على حق ومصيبة للواقع، مع ما بينها من اختلاف وتناقض، فهذا يلزم منه (نسبية الحقيقة)، ولا توجد حقيقة مطلقة وثابتة بل كل ما عرفه الإنسان حسب خلفياته هو الحقيقة.
وأما لو قالوا بأن جميع القراءات لا تصل للواقع والحقيقة لان واقع الأشياء لا يمكن الوصول إليه، وان كانت هناك حقيقة ثابتة وراء المعرفة البشرية، ولكن لا يمكن الوصول إليها لأجل تأثر الإنسان بخلفياته دائماً، تخفي عليه النظر للحقيقة، فهذا هو مذهب النسبية في المعرفة، أو الشك، وكلا المذهبين الشك أو النسبية في الحقيقة والمعرفة توجهت لهما إشكالات كثيرة من الغربيين وغيرهم. ولا مجال للبحث عنها هنا، ويمكن أن نذكر الكثير من الإشكالات على مذاهب الشك في المعرفة، أو مذاهب النسبية في المعرفة أو الحقيقة، نشير بإيجاز إلى بعضها أو عناوينها، وسيجيء توضيحها خلال فصول هذا الكتاب.
ملاحظات على مذاهب النسبية والشك:
والإشكال الأول والأهم: إن قلت بمذهب النسبية في المعرفة، فإن قلت بأن (كل معرفة نسبية) قضية صحيحة، فاعترفت بثبات قضية معرفية، وبوجود معرفة ثابتة، وإن قلت ببطلانها وعدم ثباتها، فقد أبطلت هذه النظرية، إذن فالنسبية تقتل نفسها.
وأما عن (نظرية كانت) وان كل ذهن محاط بمقولات اثني عشر، تحجبه عن إدراك الحقيقة، فإن كانت لا ينكر وجود الحقيقة المعينة، ولكن ينكر إمكان إدراكها.
كما أن (كانت) ليس من أتباع النسبية، لأنَّه في رأيه كل البشر لهم مقولات ذهنية واحدة مشتركة، فيشتركون في الفهم، وإنما هو من أنصار مذهب (الشك) لأن هذه المقولات تحجب الإنسان عن إدراك الواقع والحقيقة.
ولكن يشكل على (كانت):
فإن كانت يعترف بوجود حقيقة وواقع خارجي، ولكن يذهب إلى عدم وجود معرفة خالصة، ويلاحظ عليه: إذا لم يمكن الوصول لمعرفة خالصة فكيف يمكن أن يثبت وجود حقيقة واقعية في الخارج، بل عليه أن يكون موقفه من الحقيقة الخارجية (لا أدري). ولا يمكنه أن يقول بوجودها أو عدم وجودها.
مع أن (كانت) نفسه يعترف بأنه أدرك وتوصل إلى حقائق واقعية، وهي حقائق نظريته وآرائه، حيث يذهب إلى أنها تمثل الحق والواقع، وتحرر من المقولات الذهنية، فإن تقبل نظريته يلازم الاعتراف بصدق قضايا متعددة وواقعيتها، ومنها وجود إنسان يملك أجهزة إدراكية وهو الذهن، ومنها: أن في الذهن مقولات، وهذه المقولات مؤثرة في إدراكه، وغيرها.
وإذا تقبل (كانت) واقعية هذه القضايا وصدقها، فيترتب عليه، بطلان نظريته، وهو عدم صدق وواقعية جميع القضايا والمدركات ، وكذلك يترتب عليه عدم تأثير المقولات الذهنية في بعض المدركات والتوصل والتعرف على بعض الحقائق، بدليل أن (كانت) نفسه تخلص من تأثيرها واعتقد بواقعية القضايا المذكورة.
وأما إذا قلنا بأن هذه القضايا والمدركات غير صادقة، وغير واقعية، فيلزم منه أن تكون نظريته وآراءه غير صادقة وغير واقعية ، لأنها بدورها متأثرة بالمقولات الذهنية، وكل الآراء والنتائج كذلك.
كما أنه يترتب على الأخذ بهذه النظرية، واننا لا ندرك الواقع في كل شيء فسوف يترتب عليه اختلال النظام واضطراب توازن الفرد والمجتمع ويتعطل نظام البشر، لأن الكثير من القضايا الاجتماعية واستقرارها قائمة على إدراك الواقع في الكثير من المجالات.
وأما مذهب الشك: فيشكل عليه أن كل شك محاط بمجموعة من اليقينيات:
1ـ الاعتراف بإمكان وقوع أحد الاحتمالين، احتمال إثبات موضوع البحث، واحتمال عدمه.
2ـ وجود أكثر من احتمال واحد للموضوع، وهو مقوم للشك؛ لأنه لو لم يوجد إلا احتمال واحد لم يحدث شك.
3ـ بطلان أحد الاحتمالان، إذ لو صدقت جميعها لم يحدث شك.
4ـ وجود موضوع يحتمل ثبوت حكم له وعدمه.
وغيره من اليقينيات، فمذهب الشك ينفي نفسه، ويتضمن بنفسه مجموعة من القضايا والمدركات اليقينية. وإلا لم يوجد هذا الشك.
وأما القول بأن جميع القضايا غير حاكية ومعبرة عن الواقع، وليست صادقة، فيشكل عليه.
1ـ لو ثبت أن بعض القضايا حاكية ومعبرة عن الواقع وصادقة ثبت المطلوب، وأما إذا لم يثبت ذلك، بل (كل قضية لا تعبر عنه)، فهذه القضية نفسها (أي كل قضية لا تعبر عن الواقع)، إن قلنا بصدقها وتعبيرها عن الواقع، فثبت المطلوب، وإن بعض القضايا حاكية عن الواقع، لأنَّه لو ثبت في قضية واحدة، فيمكن أن تثبت في غيرها،بل إن صدق هذه القضية وثبوتها ملازم لصدق وثبوت قضايا متعددة مقترنة بها، كما أشرنا إليه في مناقشة مذهب الشك.
وأما لو قلنا بعدم صدق وثبوت هذه القضية نفسها، فتبطل هذه النظرية، بل اعترفنا بثبوت قضية، وهي عدم صدق هذه القضية.
2ـ لو قلنا بصحة هذه القضية (كل قضية غير منطبقة على الواقع) فيلزم التناقض، لأنه يلزم منه عدم صحة نفسها، وكل ما لزم منه التناقض فهو باطل.
وأما ما ذهب إليه البعض: بأن الظروف والعادات والطقوس والعقائد والدين والثقافة التي يعيشها الإنسان تؤثر في رؤيته ومعرفته وتحجبه عن رؤية الحقيقة والتعرف عليها، من أمثال نظرية هيدجر وغادامر من تأثر كل معرفة بالخلفيات.
ويشكل على هذه النظرية:
1ـ أن هذه النظرية تقتل نفسها؛ لأن كل معرفة ونظرية إذا كانت متأثرة بالخلفيات المذكورة، فمنها هذه النظرية والمعرفة نفسها، فلا تكون واقعية، وصادقة وحقة ولا يمكن القول باستثنائها عن تأثير الخلفيات.
2ـ أن تقبل هذه النظرية متوقف على تقبل قضايا عديدة،
أـ وجود إنسان
ب ـ في المجتمعات عادات وطقوس وثقافات ومعتقدات معينة.
ح ـ أن هذه العادات تؤثر في الأذهان والأفكار.
د ـ أن تأثيرها بنحو يؤدي لعدم تطابق المعرفة مع الواقع، [فهل هذه القضايا صحيحة أم غير صحيحة؟
إن قلت: إنها صحيحة، فيترتب عليه:
أولاً: عدم صحة هذه النظرية نفسها، للاعتراف بصحة هذه القضايا.
وثانياً: أن هذه النظرية تؤدي للتناقض وذبح نفسها، فلأجل أن نؤمن بعدم صحة جميع القضايا فلابد أن نؤمن بصحة بعضها، وهذا تناقض واضح.
وأما إذا قلنا بأن هذه القضايا باطلة، فيلزم منه أن تكون هذه القضايا قائمة على مقدمات باطلة، فتكون النظرية نفسها باطلة.
3ـ إننا وإن اعترفنا بتأثير الخلفيات على المعرفة والأفكار، ولكن ليست بالصورة التي تحجب وتمنع الإنسان جبرياً عن رؤية الواقع وإدراكه، والوصول للحقائق في الكثير من المجالات، بل يمكنه التحرر والتخلص من تأثيراتها في بعض المجالات، والدليل على ذلك وجود أصحاب الرأي الآخر في كل مجتمع، وإلا لو اشترك الأفراد في الخضوع لخلفيات وظروف واحدة لم يوجد الرأي الآخر، وهناك الكثير من المجددين والمبدعين والمعارضين للآراء الشائعة في جميع الشعوب والظروف. بالإضافة إلى وجود المشتركات والأحكام العقلية والعقلائية والدينية المشتركة في جميع الشعوب أو أكثرها بالرغم من اختلاف الظروف والخلفيات فيها.
4ـ يلاحظ وجود انتقادات من شعوب على شعوب أخرى، كإشكالات الغربيين على الشرقيين أو بالعكس، أو المتدينين على الماديين أو بالعكس، وهذه الإشكالات والانتقادات وإن نشأ بعضها من سوء الفهم، ولكن البعض منها صحيح ويتقبلها الآخر، وهذا دليل على أن اختلاف الثقافات لا تمنع من الوصول للحقيقة، وان سيطرة ثقافة معينة لا تمنع من حرية الفكر، وإلا فسوف تمنع من فهم الرأي المنتقد من قبل الآخر المخالف.
ويلاحظ وجود انتقادات مشتركة أو آراء مشتركة بين مختلف الشعوب بالرغم من اختلاف ثقافاتها، فمثلاً الكثير من المفكرين انتقدوا الماركسية، وهم من ثقافات مختلفة. وإلا لو كانت الظروف المختلفة مؤثرة في الفهم والرأي لاختلفت الآراء والانتقادات.
5ـ قد ينتقل شخص من محيط لآخر، ولا تتغير آراؤه وقناعاته بالرغم من تغير ظروفه الثقافية والاجتماعية.
إذن فهذه الملاحظات وأمثالها دليل على تمكن الإنسان من التخلص من تأثيرات الظروف المعاشة والخلفيات.
وأما القول بالنسبية في صدق القضية، حيث تكون صادقة في زمان أو مكان، وتكون كاذبة وغير حقيقية في زمان أو مكان آخر، وهذه الفكرة طبقت على القضايا والأحكام الدينية، أو الإسلامية، حيث تكون معتبرة وصحيحة في ظروف وغير صحيحة في ظروف أخرى، كما في صدر الإسلام وعصرناكما طبقت على القضايا الأخلاقية، فالصدق يكون حسناً في مجال، وغير حسن في مجال آخر.
وسنبحث عن هذا الموضوع بصورة موسعة في فصل آخر حول ثبات الأحكام وتغيرها، ولكن نشير هنا إشارة موجزة إلى بعض ما يتعلق بالنسبية في صدق القضية.
ويلاعظ على النسبية والتعددية وعدم الثبات في القضايا، بأن هناك عوام للتغير والتعددية:
1ـ في الأحكام والأخلاق:
إن صدق القضية يتحدد في مطابقتها للواقع. وهذا الصدق والمطابقة للواقع، مع حفظ ظروف القضية وموضوعها ومقوماتها ومصالحها وزمانها ومكانها هو صدق ومطابقة واحدة ومطلقة لا تتغير، وأما لو تغيرت بعض هذه المقومات والعناصر والمصالح، فإنها ستكون قضية أخرى، غير القضية السابقة، لذلك لو تغير حكمها أو حسنها أو قبحها، فلا يقال: إن القضية الواحدة نسبية وأنها في ظرف تكون صادقة، وفي ظرف آخر تكون كاذبة، بل إن كل قضية تلاحظ بظروفها ومقوماتهاوهي مطلقة مع حفاظها على ظروفها ومقوماتها.
كما يلاحظ ذلك في الأحكام الشرعية، فربما تغيرت، لأجل التغير في موضوعاتها، كما سنذكره، وكذلك يلاحظ في القضايا الأخلاقية، مثل حسن الصدق وقبح الكذب، (فالكذب قبيح)، قضية صادقة، مع توفر ظروفها ومقوماتها، وأما لو تبدلت الظروف المقومة لها، كما لو توقف على الكذب إنقاذ مؤمن أو نفس محترمة، تبدلت لقضية أخرى (الكذب حسن).
إذن إن هذه القضايا أيضاً ليست من القضايا النسبية، لأنَّه مع الحفاظ على الموضوع وعناصره فالقضية مطلقة، فمثلاً (تقبيل الأجنبية عند المؤمنين قبيح) قضية مطلقة لا تتغير, وكذلك عند غيرهم حسن، أي قضية مطلقة مع الحفاظ على ملاحظة المؤمنين أو غير المؤمنين، بالإضافة إلى ما سنذكره حول الأحكام الإسلامية، انها تصدر عن مصالح ومفاسد واقعية، وليست قضايا ذوقية، أو من قبيل العادات أو اتفاق الجماعات والتقاليد لتتغير وتتعدد باختلاف الأذواق أو اختلاف الجماعات التي تتفق عليها، وإن القضايا والأحكام على قسمين، فبعضها كأساليب الاحترام أو الأطعمة متقومة باتفاق جماعة عليها أو بمجرد الذوق وهي نسبية، وأخرى وهي الأحكام الشرعية فإن وراءها مصالح ومفاسد حقيقية، فمع بقاء الموضوع ومقوماته لا تتغير لبقاء مصالحها وإذا تغيرت، فلأجل تغير الموضوع كما سنوضحه.
إذن فالتغير في القضايا الأخلاقية والأحكامية، ربما يكون لاختلاف الموضوع والمقومات كما ذكرنا وليس هذا من النسبية بشيء، فالكذب قبيح مطلقاً مع حفظ موضوعه، ولكن لو تغير الموضوع كما لو توقف انقاذ المؤمن عليه، سيفقد قبحه وكذلك أكل الميتة محرم، وهو حكم شرعي ثابت، ولكن لو تغير موضوعه كما لو توقف عليه انقاذ نفس محترمة، سيفقد حرمته.
كما انه ربما يكون التغير والتعدد من قبيل تكامل المعرفة، وليست هذه من النسبية، فكل المعارف ربما تطورت واختلفت من حيث البساطة والتكامل، فمثلاً المعلومات التي تقدم لطالب الجامعة ربما كانت من حيث المحور والموضوع مشتركة مع المعلومات التي تقدم لطالب الابتدائية، ولكنها أكثر تكاملاً وعمقاً.
3 ـ وربما توجد النسبية في صدق القضية، بملاحظة اختلاف متعلقاتها كما يقال عن بلد فيه منطقتان، إحداهما باردة والأخرى حارة، فيقال مثلاً عن هذا البلد أنه حار بالنسبة لمنطقته الباردة، وبارد بالنسبة لمنطقته الحارة، أو يقال عن بلد أنه ضعيف بالنسبة لمرحلة في تاريخه، وقوي بالنسبة لمرحلة أخرى، وهذه النسبية صورية ظاهرية، وكلا القضيتين صحيحة، ولكن مع اختلاف المتعلق والموضوع، فكل قضية مع احتفاظها بمتعلقها وموضوعها هي مطلقة وإنما تكون نسبية مع تغير المتعلق.
وأما الاستدلال على نسبية الصدق، باختلاف العادات والأذواق عند الأفراد والشعوب والملل والنحل، فمثلاً (تقبيل الأجنبية حسن) في ملة أو نحلة، وقبيح محرم عند أخرى كالمسلمين المؤمنين، وكذلك الاختلاف في أساليب الاحترام، ربما كان أسلوب ما حسناً عند قوم قبيحاً عند آخرين، فهذه قضية نسبية متغيرة، وكذلك ربما اختلفت الأذواق، فتوجد النسبية فيها فربما كان طعام مذموماً قبيحاً عند قوم، وحسناً عند آخرين.
وبأمثال هذه النسبية والتعددية في الصدق والحسن والقبح، استدل البعض على نسبية الأحكام الإسلامية، وعدم ثباتها، وأنها ربما صلحت أو صدقت في مرحلة زمنية، ولا تصلح في مرحلة أخرى ولكن اجبنا عن ذلك بأن الأحكام ليست من قبيل العادات والأذوق، والتوافقات لتتغير، وانما هي صادرة من مصالح ومفاسد حقيقية ثابتة.
4ـ وربما كان الاختلاف والتغير في القضايا من حيث (الاحتمال) لا الصدق، فمثلاً المسافة بين الشمس والأرض حقيقة واحدة، ولكن قد تختلف الآراء في تحديدها، فتتعدد احتمالات الصدق، ولكن لا يتعدد الصدق أي المطابقة للواقع، لأنها حقيقة واحدة، فالواقع واحد، ولكن بما أنه مجهول فتختلف الآراء في تحديده ولكن لا يتعدد الواقع.
5 ـ وربما كان الاختلاف من حيث زاوية الروية للموضوع الواحد، كما لو أن كل باحث نظر لجانب من الموضوع، غير الجانب الذي نظر إليه الباحث الآخر, فاختلفت آراؤهم، كما ذكرناه بالنسبة لمثال البعد الحار والبارد لأن كل باحث نظر لمنطقة منه.
وربما استدل على النسبية: باختلاف الفقهاء المسلمين في فتاواهم، مع القول بحجيتها جميعاً.
والجواب: أن الأحكام تابعة للمصالح والمفاسد في متعلقاتها وإذا كانت الظروف والموضوعات ومقوماتها واحدة فالحكم واحد لا يتغير، وأما لو تغيرت هذه الموضوعات أو مقوماتها، فتتغير مصلحته، وبذلك تتغير حكمه، ويكون له حكم آخر، كما مثلناه بالنسبة لحسن الصدق وقبح الكذب او في مثال حرمة اكل الميتة.
بالإضافة إلى عدم العمومية في النسبية، فهناك نصوص وأحكام ومسائل تتفق فيها العلماء والفقهاء، وإذا كان هناك اختلاف ففي بعض النصوص والمسائل غير الواضحة، وهذا الاختلاف ليس في الصدق والواقع، وإنما في الوصول إلى الحكم الواقعي واحتماله، والواقع لا يتعدد بتعدد آراء المجتهدين، نعم لو توفر الرأي على شروط الاجتهاد الصحيح كان حجة معذرة، لا أن معناه تعدد الواقع حسب تعدد آراء المجتهدين، فهم أنفسهم يعترفون بأن الواقع واحد، ولكن لأجل عدم وضوحه ربما اختلفت اجتهاداتهم في الوصول إليه، ولكن هذا مختص ببعض النصوص والأحكام، لوجود الكثير من الأحكام والآراء المشتركة المتفق عليها بينهم.
بل إن اختلاف الأحكام في الأديان، ونسخ بعضها للبعض الآخر، أيضاً لاختلاف الظروف والمصالح التي تقتضي أحكاماً مختلفة، ولا علاقة لذلك بالنسبية في الصدق، بأن تكون القضية صادقة في زمان، وغير صادقة في آخر، مثلاً (الرهبانية المسيحية مطلوبة) هذه قضية لا تتغير، في ظروفها ومرحلتها حسب المصالح الإلهية التي ربما فرضت هذا الحكم لمعالجة بعض الأمراض الاجتماعية، وفي دين معين، لترتب مصالح كبرى عليها، فبلحاظ تلك المرحلة والظروف تكون هذه القضية صادقة، ولكن ربما تغيرت الظروف والمصالح فتقتضي تغير الحكم والحسن والقبح للموضوع الواحد في دين آخر، لاختلاف الظروف والمقومات التي يحيط بها الشارع المقدس.
إذن ربما كان هناك نوع من الخلط والاشتباه في مفهوم النسبية فقد اختلط على البعض تغير الأحكام أو الأخلاق. بتغير الموضوعات والمقومات، وما يصح قوله هو تغير الحكم او القضية الأخلاقية لأجل تغير الموضوع كما مثلنا، واما مع بقاء الموضوع ومقوماته فلا يتغير الحكم، فاذا كان مرادهم من النسبية في الاحكام تغير الموضوعات فهو معنى صحيح، ولكن الظاهر ان مرادهم منها معنى آخر أي تغير الأحكام والغاءها حتى مع بقاء الموضوع وهذا ما نكره، ونتحدث عنه موسعا في موضوع تغير الأحكام.
وإنما نشير الى بعض ما يرتبط بنسبية الهرمنيوطيقا الفلسفية. وبعد هذه الملاحظات على نظريات النسبية والشك، نذكر الملاحظات على نسبية التأويلية:
1ـ ان النسبية تنقض نفسها بنفسها، فإذا كانت صحيحة فتشمل نفسها، فلا تكون نظرية ثابتة، لانه على رأيها لا يوجد شيء ثابت بل لو قلنا بصحتها، اذن فاعترفت بشيء ثابت ومطلق، وهو قانون النسبية، فيمكن ان يكون غيرها ثابتاً.
ونفس هذا الإشكال يأتى على الهرمينوطيقا الفلسفية: فاذا كانت جميع الآراء والتفسيرات نسبية متغيره، متأثرة بخلفيات المفسر أو أنها لا تصل للحقيقة، وليست صادقة تماماً، فمن هذه الآراء والتفسيرات هذه النظرية، وآراء هيدجر وغادامر، حيث تتأثر بخلفياتهم، فلا تكون مطلقه ثابتة، ولا مبرر لصحتها واعتبارها، فلما ذا طرحها أصحابها كنظرية مطلقه ثابتة، وحكموا على غيرها بالبطلان فإذا كانت كل معرفة نسبية فسوف يفقد المنهج النسبي اعتباره لأنه غير ثابت فكيف يفرض أتباع المهج التأويلي هذا المنهج في الفهم والتفسير، وأما لو قالوا بأنها مطلقة وثابتة، فهذا يعني إمكان وجود تفسيرات وآراء ثابتة ومطلقة، مجردة عن تأثير الخلفيات، وأصحاب هذه النظرية يتحدثون عن وجود (مسلمات يقينية ثابتة) للهرمنيوطيقا، أمثال أن كل تفسير وفهم لأي نص لا يمكن بدون قبليات، فنسأل كيف اعتقدوا أن لهذه النظرية مسلمات، لأن المسلمات أمور يقينية ثابتة، بينما الدين أو غير نظريتهم ليس لها مسلمات يقينية، فإذا أمكن ان تكون لنظريتهم مسلمات ثابتة، أمكن لغيرها.
وإذا كان برأيها كل قراءه متأثرة بخلفيات المفسر وصحيحة، فمنها القراءات والآراء المخالفة لهذه النظرية، أما إذا لم تكن هناك قراءات وآراء ثابتة نهائيه، فمنها هذه النظرية.
2- سنذكر أننا لا ننكر عدم العلم ببعض الحقائق وتغير المعرفة في بعض المجالات أو عدم التمكن من الوصول للواقع في بعض النصوص المجملة أو المسائل الخلافية أو الظنية، وكذلك تعدد التفسيرات والقراءات العرضية أو الطولية في بعض النصوص والمسائل بالمعنى الصحيح الذي سنذكره فكل ذلك لا يمكن إنكاره، وكذلك لا ننكر تغير بعض الحقائق والموضوعات، فيما لو طرأت عليها عناوين تغيرها، وتغير أحكامها، كما سنذكر هذه الفكرة أيضاً في موضوع تغير الأحكام، فإذا كان المراد من النسبية هذه التعددية في المعرفة أو الحقيقة فهذا معنى صحيح، ولكن إذا كان المراد معنى آخر، أو عمومية هذه النسبية في المعرفة أو الحقيقة لكل المعارف والحقائق فهذا مما ننكره، وملاحظاتنا تتوجه لهذا المعنى المتطرف أو هذه العمومية في الشك أو نسبية الحقيقة والمعرفة، لأن هذه النسبية أو الهرمنيوطيقا الفلسفية، النسبية المطلقة في كل فهم ومعرفة، دينية أو غيرها. فإذا كان المراد النسبية في الحقيقة فهو غير صحيح لوجود الكثير من الحقائق الثابتة في الواقع الخارجي كالتوحيد. وأما إذا اعترفوا بحقائق ثابتة ولكن لا يمكن التعرف عليها فيلزم منه النسبية في المعرفة أو مذهب الشك بصورة عامة، هذا مخالف للوجدان والواقع الخارجي.
فتوجد الكثير من المشتركات بين البشر عامة، وهي يقينية المعرفة، وهي البديهيات العقلية كمبدأ العلية واستحالة التناقض، أو في بعض العلوم كالرياضيات، أو بعض القيم الأخلاقية، كقبح الظلم وحسن العدل والإحسان للآخرين، وأمثالها حيث يشترك البشر ويتفقون عليها، مع اختلاف خلفياتهم وظروفهم، وان اختلفوا في بعض تطبيقاتها ومصاديقها، فالغرب وإن أنكر اليقين لشيوع مذهب الشك فيه، ولكنه هو يعترف ببعض القضايا اليقينية، كبعض القضايا الرياضية والهندسية، وإن لم تخضع للتجربة الحسية، وبعض القضايا البديهية المنطقية، بل نعتقد أن ما ينتهي ويعتمد بحق على القضايا البديهية هي قضايا يقينية أيضاً، وبذلك نثبت الكثير من المسائل العقائدية الإسلامية وأصولها، فأمثال هذه القضايا مما يجزم بصدقها.
وكذلك يلاحظ وجود الكثير من المعارف الدينية المشتركة بين المتدينين أو بين الأديان كلها أو في دين واحد كالمسلمين ويجزم بصدقها وواقعيتها, سواء في تفسيرات النصوص أو في بعض التعاليم، مع اختلاف الظروف والخلفيات وهي ضروريات الدين من معتقدات وأحكام لا يمكن فصلها عن الدين, وربما كان إنكارها موجبا للخروج عنه، كالاعتقاد بوجود الله، والمعاد ووجوب الصلاة والصوم، والاعتقاد بنبوة الرسول| وأمثالها وهناك إشكالات أخرى على النسبية في الحقيقة أو في المعرفة سنذكرها خلال هذه الدراسة.
3- كما أنهم لو قالوا: ان كل نظرية متأثرة بخلفيات المفسر هي صحيحة ومشروعة ومنها النظريات المخالفة لهذه النظرية فلماذا وصموا سائر النظريات بالباطل وعدم الصحة، وحصروا الصحة بنظريتهم.
وقد ذهب انصار التأويلية الفلسفية خلفياته بأنه ليس هناك معنى ثابت لأي نص وموقف ولكن لو فرضنا ان احدهم فسر نظرية هيدجر وغادامر ونصوصهم، بما توافق التأويلية الكلاسيكية أو الرومانسية، او فسرها بتفسير آخر، حسب خلفياته وتوقعاته، فإنهم لا يقبلون منه هذا التفسير. وسوف يقال لـه لم تفهم نظرية غادامر وهذا ما يكشف بان هناك تفسيراً ثابتاً لهذه النظرية، لذلك رفضوا التفسيرات المغايرة له، ويعلم من ذلك أن كل نص أو نظرية لا تقبل تفسيرات متعددة، بل لها معنى مركزي ثابت ومشترك.
ثم ان غادامر يكرر في أقواله، انه لا يطرح منهجا معينا لمطلق الفهم أو العلوم الإنسانية، أو لا يطرح معياراً لتقويم التفسيرات، ولكن الملاحظ ان محور الكثير من بحوثه طرح منهج للمعرفة والفهم او معيار له، بحيث يرفض من خلاله بعض الآراء والتفسيرات وربما كشف ذلك عن ان الاحتياج للمنهج والقواعد والمعيار في عملية الفهم حاجة وجدانية.
4- انها تؤدي لمشروعية الكثير من التيارات والتفسيرات حتى لو كانت متناقضة، أو باطلة ومنحرفة حسب المعايير الصحيحة أو الدينية مع انه يلزم منها الجمع بين النقيضين، او دعم الباطل والانحراف، مع عدم وجود المعيار لتمييز الصحيح عن غيره، ويكون هو الحق الثابت تقاس به التفسيرات والتيارات، وهذا مخالف لنظرة الأديان، التي تبطل غير الدين الحق، ويجعل الدين أو المذهب الحق هو المعيار، كما دلت الروايات على (عرض) الروايات والتفسيرات والآراء المشكوكة على الكتاب والسنة الثابتة لتقييمها.
5- إذا قلنا بأن الشك أو النسبية مطلقة فسوف يسود جو التغير والشك والضبابية في الأشياء، وفي المعرفة البشرية ، ولا يبقى شيء ثابت، وخاصة مع القول بشمول الهرمنيوطيقا الفلسفية للنص والعمل والكلام ومواقف الإنسان وأمثالها، وإذا سادت هذه النظرة، فسوف يفقد النظام الاجتماعي توازنه، وتتزعزع الكثير من القيم الثابتة.
كما ذهب البعض بتأثير من هذه النظرية وأمثالها لنسبية الأخلاق، وتنعدم الثقة المتبادلة بين أفراد المجتمع، فلا يعتمد على كلام أحد أو عمله، وسوف لا يفهم التلميذ كلام الأستاذ أو لا يتمكن الأستاذ من إفهامه وسوف يفسر المخالف للقانون الحكومي القانون حسب رغباته على خلاف ظاهره والفهم العقلائي، بحجة ان هذه قراءته، فلا يلتزم به ولـه مبرره.
إذن ففرض الخلفيات لـه سلبياته في تلك النصوص والأعمال التي يطلب فيها فهم قصد المؤلف وغيرها من المضاعفات، ومن هنا أكد علماؤنا في علم الأصول ان ظاهر الكلام أو العمل حجة، وان كلام المتكلم يعبر عن مقاصد المتكلم، ويمكن الوصول إليها من خلال ظاهره حسب المواثيق والعهود الاجتماعية، وان كل من يريد التعبير عن مقاصده فمن خلال ظواهر كلام، وهو متعهد وملتزم به, مع ملاحظة القواعد العامة، وسيرة العقلاء قائمة على حجية الظاهر، وأمضاها الشارع المقدّس، فإن لم تكن حجة، فربما يتكلم أو يعمل عملاً ثم ينكر تفسير المخاطب أو المشاهد له، لأن تفسيره قائم على خلفياته، بالإضافة إلى أن الناس لا يشعرون بالغموض والتشتت وتعدد القراءة في كلام الآخرين وأفعالهم إلا في موارد نادرة، بل يأخذون كل واحد بظاهر كلامه وفعله حسب القواعد اللغوية والدلالية المتعارفة عندهم.
6- ان عدم معرفة الحقائق، ربما يتصور في البشر لقصور علمه، أو عوامل أخرى أو تأثره بالخلفيات، وان أنكرناه في الجميع، ولكن لا يتصور في الخالق الذي لا يتأثر بالخلفيات، وبعوامل الوراثة والمحيط، وبالنوازع البشرية، ويحيط علمه بكل شيء وبحقائق الأشياء وبالمصالح والمفاسد الواقعية، وكذلك لا يتصور بالمرتبطين به بمدده ومعرفته، ويعرفون الآخرين بها من خلال شرائعه ونصوصه الواضحة الصريحة وتعاليمه اليقينية الثابتة لذلك عبر عن الإسلام انه (دين الحق)، إشارة الى انه يعبر عن حقائق الأشياء والأحكام الواقعية، ومنها (جاءتهم رسلهم بالبينات) أي الحقائق، حيث تدل على ان الإسلام الأصيل دين الحقائق، وإمكان الوصول إليها بمدد الله والأنبياء.
وسنذكر خلال هذه الدراسة الكثير من الإشكالات على النسبية المطلقة، وهي تشمل ايضاً الهرمنيوطيقا الفلسفية لأنها من أفرادها، وسنذكر بعض الإشكالات دينيا وإسلاميا عليها في موضوع القراءات المتعددة.
الملاحظة الثالثة: خلفيات المفسر ومدى بأثيرها:
ما ذكرته هذه النظرية من تأثير الخلفيات في تفسير النص من الأحكام والمعلومات والأسئلة والتوقعات والمعتقدات المسبقة، حيث يتحدد التفسير والمعنى حسب هذه الخلفيات.
ويلزم الحديث عن كل واحد من هذه الخلفيات ومدى تأثيرها:
تأثير المعلومات المسبقة: فيلزم البحث عن أقسام المعلومات ومدى تأثيرها في عملية الفهم.
إن التأويلية الفلسفية تؤكد كثيراً على خلفيات المفسر من المعلومات والأحكام والتوقعات والأسئلة المسبقة، وأمثالها، حيث انها تشكل وعيه الفكري المتفاعل مع النص، وان وجودها شرط لازم لفهمه، بل ربما لا يمكن التجرد عنها، لان المفسر يعيش محيطا تتحكم فيه هذه الخلفيات، فإذا كان التفسير بالرأي مذموماً حسب المنطق الإسلامى، فانه مطلوب بل لازم، بل جبري في هذه النظرية، وقد ذكرنا هذا الرأي بالتفصيل سابقاً.
ولكن المنهج الصحيح، الذي يؤكد على التوصل لقصد المؤلف أو الشارع المقدس، لا ينكر احتياج المفسر في تفسيره للنص لمعلومات مسبقة، بل يرى انها ضرورية في عملية التفسير، كما ذكرنا بأن تصورات المفسر ومعلوماته عن معاني النص وثقافته، ومقاربته أو معاصرته للنص، لاشك بتأثيرها الفاعل في تفسير النص وفهمه، ولكن بالمعنى الصحيح لهذا الاحتياج، بأن تساعد المفسر على (استخراج) المعنى، وقصد المؤلف أو الشارع المقدس، من النص، لا انها تكون في مؤثرة ومغيرة من محتواه، بحيث (تعطي) المعنى للنص. ليشكل حسب خلفيات المفسر ومعلوماته المسبقة، وتحجبه عن الوصول لمراد المؤلف أو الشارع المقدس، ليكون تفسيره من (التفسير بالرأي)، فان المفسر وان استعان في ذلك بالمعلومات المتطورة، ولكن لأجل ان يستخرج المعنى من النص أو يتوصل لمعان واجتهادات أكثر عمقا وصوابا، كما أنه لابد من مقارنة تلك الخلفيات والمعلومات المسبقة بالتعاليم الإسلامية الثابتة لتقييمها فما خالف منها الثوابت الإسلامية طرح، فإذا كان قصده من تأثير المعلومات المسبقة المعنى الصحيح، فهو حقيقة مشروعة، وأما لو كان المراد منه، المعنى المتطرف، أو غير الصحيح، فلا يمكن تقبلها على عموميتها.
لذلك يلزم علينا تقسيم المعلومات. ومدى تأثيرها في عمليه تفسير النص، فان تأثير البعض مشروع وبعضها غير مشروع:
أقسام المعلومات المؤثرة في فهم النص: إن المعلومات التي يمكن أن تؤثر في فهم النص على أقسام:
أـ المعلومات التي يتوقف عليها استخراج المعنى من النص، أو فهم قصد الشارع المقدس ومراده من نصه، سواء المراد الاستعمالي أو الجدي أو لها تأثيرها في قبول الفهم وحجيته، ودون أن تفرض معنى على النص حسب خلفيات المفسر ومعلوماته ولكن بدونها لا يمكن استخراج المعنى من النص وفهمه، فهي مثل وسائل إخراج الماء من البئر، تؤثر في إخراجه، دون أن تصنع الماء أو تغيره، وهذه المعلومات أمثال معرفة اللغة وقواعدها، مما يتوقف عليها معرفة المراد الاستعمالي أو المعنى الظاهر من النص، وكذلك القواعد والأساليب التي تؤدي لمعرفة المراد الجدي حيث يحتاج لقواعد أخرى، اما عامة للعقلاء، أو خاصة ببعض المتكلمين، كالشارع المقدس، الذي بيّن انه قد يستخدم بعض الأساليب كذكر العام والمطلق قبل الخاص والمقيد وحمله عليه، أو استعمال التقية أو التدرج أو الناسخ والمنسوخ وكذلك الأساليب البلاغية كالمجاز وغيره ومعرفة ظروف المعنى وتوثيق النص وأمثالها مما ذكرها علماؤنا وخاصة في أصول الفقه. حيث ان بعض الأفراد كقادة الملل والنحل قد يستعملون أساليب خاصة في الكلام ربما اختلفت عن غيرهم، حتى ان العقلاء، ينظرون لكلامهم وفهمه بأساليب خاصة.
وقد ذكرت أكثر هذه القواعد والأساليب العقلائية العامة والخاصة في الفقه والأصول، وهي أساليب وقواعد يعتمدها العقلاء في فهم المراد الاستعمالي والجدي، ولكنها تساعد المفسر على استخراج المعنى من النص، دون أن تفرض مضموناً معينا عليه، ولكن بدون معرفتها لا يمكن استخراج المعنى من النص وفهمه. ويجب أن نذكر، كما أشرنا اليه في الملاحظة الثامنة أننا من خلال هذه الأساليب نتعرف على معنى اللفظ، الذي يريده الشارع المقدس، وهو الذي يجب علينا معرفته، وهو معنى مشترك في كل زمان ومكان، لا يتعدد ولا يختلف وأما حقيقة هذا المعنى، ولوامه وآثاره، فربما اختلف وتعدد، كما في مثال الشمس، فإن معناها واضح، ولكن حقيقتها وتركيباتها، أو لوازمها وآثاره، فربما اختلفت تفسيراتها وتعددت حسب تطور العلم وتغير الثقافة والبشر.
أقسام دلالة الألفاظ: والملاحظ لأن للفظ ثلاث دلالات قد بحثها علماؤنا بعمق في علم الأصول ، ولهم في موضوع الوضع والدلالة اللفظية آراء قوية وعميقة ومتطورة ، لا مجال لاستعراضها ، وإنما نشير بإيجاز مبسط إلى هذا التقسيم:
الدلالة التصورية: دلالة اللفظ على نفس المعنى أو تصور المعنى لمجرد الإحساس باللفظ، سواء قصد المتكلم تفهيمه للآخرين أم لا، لذلك يدل اللفظ على معناه حتى لو صدر من النائم أو الحجر وهذه الدلالة إنما تحصل نتيجة وضع اللفظ للمعنى، وكثرة الاستعمال فيه، ليحصل القرن الأكيد بينهما في الأذهان.
الدلالة الاستعمالية: أو التفهمية: أي دلالة اللفظ على المعنى المقصود للمتكلم، أي دلالة اللفظ على أن المتكلم يقصد تفهيم المعنى للآخرين، سواء أراده جداً أم لا، كاللفظ الصادر من الهازل، حيث يقصد تفهيمه ولكنه لا يريد المعنى جداً بل هزلاً.
الدلالة الجدية: بأن يدل اللفظ على المعنى المراد للمتكلم جداً وواقعاً وان المعنى الذي قصد تفهيمه من خلال اللفظ يريده جداً وواقعاً، لا من باب الهزل وأمثاله، من دواعي عدم الإرادة الجدية للمعنى.
ومرحلة الإرادة الجدية هي محور الأحكام الشرعية، فإن المعنى الذي يريده الشارع حقيقة جداً هو الحجة، والغالب أن المراد الجدي هو المعنى الظاهر من اللفظ، وربما كان استعمال اللفظ مجازياً أو كنائياً من الأساليب البلاغية ومن هنا لابد لمعرفة المراد الجدي من التعرف على هذه الأساليب بعد التأكد من مجازيته والتوصل للمراد الجدي من خلالها.
وفي المرحلتين الأولى والثانية، لا تحتاج في فهمها من النص الا لمعرفة اللغة وقواعدها، بل يشترط تجريد الذهن من الخلفيات العقائدية أو القرائن العقلية، ليفهم المعنى الظاهر من الكلام.
وأما المرحلة الثالثة: ففي اكتشاف إرادة المعنى جداً، أو عدم إرادته، ثم تحديد المراد الجدي للشارع المقدس، يأتي دور بعض الأساليب والقواعد العقلائية، العامة لكل متكلم، أو الخاصة للشارع المقدّس وأمثاله.
والقاعدة العامة في المرحلة الثالثة، الاعتماد على أصل عقلائي في باب الألفاظ، وهو أصل التطابق بين المراد الاستعمالي والجدي، وان المعنى الظاهر بالدلالة الاستعمالية هو المراد بالإرادة الجدية، وإلاّ لو لم يكن يريده لنصب قرينة على ذلك، نعم لو وجدت قرينة قطعية على إرادة خلاف المعنى الظاهر من اللفظ، فلا يؤخذ بظاهره. وهذا الأصل العقلائي من قبيل المواثيق والتعهدات العقلائية، وإن كل من تكلم بكلام, فإنه يريده وملتزم بظاهره، وإلا لو لم يرد الظاهر لنصب قرينة على ذلك.
إذن فالقاعدة العقلائية التي يتبعها العقلاء واستخدمها الشارع المقدس في نصوصه أنه بعد وضع الألفاظ للمعاني، والعلم بهذا الوضع ، فإن هذه المعاني الظاهرة من الألفاظ هي مراد المتكلم في الواقع. ولكن وكما سنذكر في الملاحظة الثامنة أننا نصل من خلال هذه الأساليب للمعنى الوضعي أو المباشر للفظ، وأما حقيقة المعنى أو لوازمه وآثاره فربما تعدد.
وبذلك نشكل على البعض الذي ذهب إلى أن الشريعة أو نصوصها (صامتة) لا تعطي معنى معيناً، وإنما المفسرون يعطون لها المعاني والتفسيرات حسب قبلياتهم، مثل الطبيعة فإنها صامتة، وكل ناظر يقرأها حسب قبلياته، وقد تأثر كما هو واضح بآراء غادامر، وسنذكر الملاحظات على هذا الرأي، في موضع آخر، ولكن هنا نشير إلى ما يرتبط ببحثنا.
إن الشريعة ناطقة، لأن نصوصها تشتمل على ألفاظ ناطقة بالمعاني حسب دلالاتها الوضعية والعرفية.
ربما يقال: فهم الدين تابع لظهور النص أو اللفظ، والملاحظ أن الظهور متعدد ومتغير على مر العصور، فما يفهم مثلاً من الشمس في عصرنا غير ما كان يفهمه السابقون بعد تطور العلم واكتشاف حقائق عن الشمس كانت غائبة عن السابقين.
ولكن يلاحظ عليه: أن هناك فرقاً بين ظهور اللفظ في معناه، وبين حقيقة الشمس وواقعها، فما يتعرض للتغير والتطور والتكامل التعرف على حقيقة المعنى، وأما نفس المعنى المباشر والظاهر من اللفظ فلا يتغير، فمعنى الشمس واحد، ولكن قد تظهر معلومات علمية عميقة عن حقيقتها.
ونحن نعلم أن اللغة وألفاظها إنما وضعت من أجل إيصال مقاصد المتكلم للمخاطب، ولها علاقة وثيقة بالمعاني، فمن خلال اللغة يتوصل المخاطب لمقاصد المتكلم.
وهناك تعهد إجماعي مرتكز في أذهان أبناء اللغة، أن على المتكلم أن يقصد من الألفاظ المعاني المتداولة عند عموم الناس، والتي تكون للألفاظ علاقة وثيقة بها، ودلالة عامة عليها، حسب الوضع والعرف، لا أنه يقصد من الألفاظ معاني مخترعة مخالفة للمعاني العامة، إلا أن يقيم قرينة على تلك المعاني الأخرى، ولكن بصورة تتناسب مع المعنى العام.
فمهمة المخاطب أو القارئ التوصل من اللفظ والنص للمعنى العام، وهو مقصد المتكلم، لا معنى آخر لا يقصده. وكما ذكرنا أن المطلوب التعرف على مراد المتكلم أو الكاتب.
وربما يتغير المعنى المباشر والظاهر من اللفظ باختلاف الزمان، كما يعبر عنه بالمنقول، فأي معنى نأخذ به، في النصوص الدينية خاصة.
ذكر العلماء أننا نأخذ بالمعنى المتعارف والظاهر للعرف في زمان صدور النص، ووظيفة القارئ التعرف عليه، لأنَّه هو المقصد للمتكلم. وأما المتأخر فليس مقصده.
ب ـ المعلومات التي تبعث المفسر على طرح الأسئلة على النص ليبحث عن الإجابة عليها فيه، ولكنها لا تفرض معنى وجواباً على النص، وذلك لان كل نص ينطق ويعبر عن بعض المعاني والمفاهيم التي تمثل محتوياته الظاهرة المباشرة، فالكثير من الآيات القرآنية تدل بوضوح على رأي القرآن الكريم مثلاً وكل من قرأ القرآن الكريم ويعرف اللغة وقواعدها، فإنه يتعرف على رأي القرآن الكريم في بعض الموضوعات كالتوحيد والمعاد والصلاة وأمثالها، حيث أنه يتحدث وينطق بها بالمباشرة ولكن هناك موضوعات أخرى لا يتحدث عنها النص القرآني مثلاً بالمباشرة، ولكن نفهم رأيه فيها من خلال استنطاقه أي من خلال طرح بعض الأسئلة والموضوعات على النص من الممكن ان تظهر العلاقة بين محتوياته وموضوعات أخرى، أي يعلم منه الجواب عن تلك الأسئلة المناسبة للنص مع محاولة المفسر الربط بين الآيات موضوعياً والتدبر فيها ليتوصل إلى رأي القرآن فيها.
وأما نوعية الأسئلة والموضوعات وكميتها فتخضع لوعي المفسر وافقه الفكري وثقافته ومعلوماته واهتماماته، ويؤثر في ذلك ما بلغه البشر من تطور أو ما حدثت وظهرت فيه من تغيرات وآراء وتيارات في الفكر والعلم والثقافة وأمثالها مما تثير في الباحث موضوعات وأسئلة جديدة يطرحها على النصوص الدينية ليبحث عن موقف الإسلام منها والإجابة عنها وهذا مما لا يمكن إنكاره.
ولكن مهمة الأسئلة كما قلنا إعداد المفسر لاستنباط المضمون من النص، دون أن يكون لها تأثيرها في تحديد محتواه ومعناه، فلا يفرض السؤال معنى معيناً على النص لم يكن يملكه، وإنما مهمته استخراج معنى كان النص يملكه قبل طرح السؤال عليه، فمثلاً ينطق ويتحدث القرآن الكريم بصورة مباشرة عن التوحيد والمعاد والصلاة بوضوح ، ولا يتحدث مباشرة عن الاشتراكية ولكن يمكن طرح هذا الموضوع عليه، واستنطاقه ، ومن خلال التدبر فيه والربط بين آياته يمكن أن يتعرف على رأيه فيها، وكذلك الكثير من القضايا والتيارات دون أن يفرض المفسر الجواب والرأي على القرآن الكريم ، وإنما يحاول استخراجه واستنباطه منها لذلك نلاحظ الكثير من العلماء والباحثين يبحثون عن رأي القرآن في الكثير من التيارات والآراء الجديدة من خلال استنطاقه والتدبر فيه.
ج ـ المعلومات اليقينية التي لها تأثيرها في فهم النص، وقد ذكرنا: إن الدلالة اللفظية للنص ويعبر عنها (ظهور الكلام) خاضعة لألفاظ النصّ والدلالة اللفظية للكلام، ولكن (المراد الجدي) والنهائي للنص ربما كان هو المعنى الظاهر من اللفظ وربما اختلف عن مدلوله اللفظي الظاهر، ويمكن أن تكون هناك بعض القرائن تساعدنا على فهم المراد الجدي بما يخالف ظهوره، لذلك ربما قامت بعض المعلومات اليقينية المسبقة بدور هذه القرائن في الكشف عن المراد الجدي للمتكلم.
فهناك بعض النصوص التي لها ظهور مباشر في بعض المعاني، ولكن بسبب عدم ملائمة هذا الظهور لبعض القضايا والمعلومات اليقينية أو المسلمة العقلية أو الدينية، فلا يمكن أن يكون هذا المعنى الظاهر هو المراد الجدي للمتكلم، لذلك لابد أن نفسر المراد الجدي للكلام بما يلاءم تلك المعلومات اليقينية وترك الظهور، اللفظي ولكن بعد إثبات ضرورية تلك المعلومات، وقد ثبت ضرورية ويقينية الكثير منها بين المسلمين عامة، أو في مدرسة أهل البيت عليهم السلام بخاصة، ومثال ذلك: إن المفسر نتيجة للأدلة العقلية اليقينية يقطع بنفي الجسمية عن الله تعالى، ولكن الآية الشريفة {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} تدل بظهورها اللفظي على إثبات اليد له تعالى، ولذلك فان المفسر اعتماداً على ذلك المبدأ اليقيني الذي يتقبله المتكلم والقارئ، يتوصل إلى عدم كون المعنى الظاهر هو المراد الجدي لله تعالى ولذلك يفسر (اليد) بأنها استعارة عن قدرة الله أو مدده، وانه هو المراد الجدي.
ويلزم التأكيد على هذه الحقيقة، بأن المعلومات اليقينية هي التي يمكن أن تكون قرائن على فهم المراد الجدي وعدم الأخذ بالظهور اللفظي، وأما المعلومات الظنية أو الاحتمالية غير المعتبرة، لا يجوز اعتمادها في نفي الظهور اللفظي.
إذن فهذه المعلومات هي التي ذكرنا لزوم مقارنة التفسيرات والآراء والخلفيات والمعلومات والأحكام المسبقة معها، لتقويمها ومعرفة مدى صحتها وخطأها، بل تقاس بها حتى النصوص والروايات التي لا تملك هذه القطعية لمعرفة مدى صحتها، كما تشير لذلك الكثير من الروايات عن المعصومين التي تصرح بعرض الروايات على القرآن الكريم والسنة القطعية لتقويمها والتعرف على مدى صحتها او مدلولها، وقد ذكر علماؤنا هذه الروايات في علم الأصول في مبحث تعارض الأدلة، وسنشير إليها، بل يلزم على كل إنسان تصحيح خلفياته على ضوء هذه المعلومات الجازمة والمسلّمة حتى يكون فهمه بل جميع مواقفه وسلوكه، موافقة للتعاليم الإسلامية الصحيحة، ومن الحقائق التي يؤكد عليها علماؤنا عدم مخالفة النص لضروريات الإسلام وتعاليمه اليقينية والمسلمة، ولكن بعد ثبوت ضروريتها حقاً، فإذا كان المراد من تأثير الأحكام والمعلومات المسبقة هذه الضروريات والمسلمات ، فهو معنى صحيح ، فإن النص لو خالفها فإذا كان قطعي الصدور ، كالقرآن الكريم فلابد من تأويله بما يتلاءم معها، كالآيات التي تنسب الجسمية لله فتأول وتفسر الجسمية بالقدرة وامثالها، وإلا لو أمكن طرح النص كالخبر الواحد، فإنه يطرح لمخالفته لتلك الثوابت، وأما في غير ذلك فلا يخضع المفسر لأحكامه ومعلوماته المسبقة بحيث تعطي المعنى للنص لأنها من التفسير بالرأي المنهي عنه ، بل لابد أن يتعرف على مدلول النص معرفة موضوعية مجردة.
دـ المعلومات الظنية غير اليقينية والتي تؤثر في إعطاء وفرض معنى على النص لا في استخراج المعنى، ويمكن ان يكون لها تأثيرها في المفسر بصورة شعورية أو لاشعورية في تعيين الظهور اللفظي للنص أو في مراده الجدي، ومثل هذا التأثير غير مشروع، وما يصطلح عليه (بالتفسير بالرأي) بالنسبة للقرآن الكريم مما يرتبط بمثل هذه المعلومات الظنية وتأثيرها.
والملاحظ ان تفسير النصوص، وخاصة الدينية معرضة لمرض (التفسير بالرأي)، وقد أكد الرسول| والأئمة الأطهار عليهم السلام وتبعهم العلماء على تجنّب التفسير بالرأي، لان تأثر المفسر بهذه الأحكام والمعلومات الظنية المسبقة للمفسر في عملية تفسير النص، ربما منعت من الفهم لموضوعي والصحيح لمحتوى النص ورسالته، ولذلك رأينا ان بعض الأفراد قديماً وحديثاً، الذين يحملون بعض المبادئ والأحكام المنحرفة المسبقة يحاولون فرضها على الآيات والأحاديث الشريفة بصورة شعورية أو لا شعورية حيث حاولوا تطبيق وفرض آرائهم المنحرفة على نصوص من القرآن الكريم والسنة الشريفة، دعماً لمبادئهم ومواقفهم، وربما وجدت بعض ظواهر القرآن والسنة موافقة لهم ولكن بالتدبر فيها مع ملاحظتها ومقارنتها بسائر الآيات والأحاديث الشريفة والمبادئ والتعاليم الإسلامية الضرورية يظهر عدم تناسبها مع آرائهم ومبادئهم بل ردها لهم، كتفسير بعض الآيات بالماركسية أو الاشتراكية أو الجبرية أو الليبرالية أو التعددية الدينية، وأمثالها في العصر الحديث، ناشئة من التأثر بالمعلومات الظنية والتفسير بالرأي ، وكذلك في العصور السابقة وجدت بعض المذاهب والتيارات المنحرفة أو بعض الأفراد المنحرفين الذين فرضوا آرائهم المنحرفة على الآيات القرآنية أو الأحاديث الشريفة واستدلوا بها على آرائهم كالجبرية والمرجئة والمفوضة وأمثالها.
ولكن الملاحظ أن أكثر النظريات التفسيريّة الحديثة في الهرمنيوطيقا والنقد الأدبي كما انها تعتقد بمشروعية التفسير بالرأي، فإنها تراه ضرورياً ولازماً في عملية التفسير، بل لا يمكن للمفسر ان يتجنب التفسير بالرأي، لأنه لا يمكن ان يتجرد عن خلفياته وظروفه وان التفسيرات تاريخية، ولابد أن يفرض المفسر معلوماته وأحكامه المسبقة على النص وإذا كانت باطلة ومنحرفة فتؤثر سلبياً على فهم النص، وفي رأيها ان تفسير النص يكون دائماً من التفسير بالرأي فشملها النصوص والأدلة التي تمنع من العمل بالظن، والتفسير بالرأي.
وقد ذكر للتفسير بالرأي معان منها فرض المفسر آراءه وأحكامه المسبقة على النص كما ذكرناه، ومنها: حمل اللفظ على معنى مخالف لظاهره اعتماداً على أمور استحسانية وظنية غير معتبرة، ومنها: الاستقلال بالتفسير دون الرجوع لأقوال المعصومين في التعرف على التفصيلات من معرفة المخصصات والمقيدات والناسخ والمنسوخ وتفسير المتشابه، والظاهر أن التفسير بالرأي يشمل جميع هذه المعاني والتفسيرات، فمن فرض أحكامه واتجاهاته على النص، ومن حمل اللفظ الظاهر على خلاف ظاهره لأدلة ظنية غير معتبرة، ومن استقل بالتفسير ، دون الرجوع لأقوال المعصومين ، فهو مفسر بالرأي، وتشمله أدلة النهي عنه، كما أن الظاهر أن هذه المعاني الثلاثة تصدق على هذه النظرية في فهم النص ، والقراءات المختلفة للنص الديني.
ويتضح من خلال هذه الأقسام التي ذكرناها، للمعلومات المسبقة صحة القول بتأثر المفسر بمعلوماته وخلفياته والأفق الفكري والوعي والثقافي للمفسر خلال عملية الفهم ولكن في بعض الأقسام لا في جميعها وبالمعنى الصحيح للتأثر، لا المعنى المنحرف، وفي رأي علمائنا بل الكثير من الآراء وحتى الغربية، كما اشرنا لبعض آرائهم، إلا التأويلية الفلسفية انه (يمكن) هذا التجرد الموضوعي عن التأثر السلبي بهذه المعلومات وان احتاج إلى قليل من التمرين، ليتمكن الباحث من التجرد عن التأثر بخلفياته وأما القول بعدم إمكان الفهم الموضوعي والتوصل لقصد المؤلف أو الشارع المقدس، وعدم إمكان تجرد المفسر عن خلفياته ومعلوماته، فهو مخالف للوجدان، إذ أن الإنسان كثيراً ما يصل لمراد المؤلف وخاصة في النصوص أو الأقوال أو الممارسات الواضحة.
إذن فيلزم على كل مفسر تجنب التفسير بالرأي وأن يحاول تصحيح خلفياته على ضوء التعاليم الإسلامية وخاصة الضرورية واليقينية والمسلمة حتى لا تؤثر في فهمه الصحيح للنصوص، ويلزم عليه أن لا يخضع لخلفياته الباطلة وعليه أن يتجرد موضوعيا في فهمه بل في كل مواقفه. وكل هذه الأعمال ممكنة للإنسان بما أودعه فيه من طاقات، وقوة الاختيار والإرادة والفكر، ورد الجبرية، وقد ذكرنا اعتراف بعض علماء الغرب بإمكان التجرد الموضوعي حين تعرضنا لبعض إشكالاتهم على غادامر.
وسنذكر أننا لا يمكن أن نتنكر أو نتجاهل سيرة الرسول| والأئمة المعصومين (ع) وأصحابهم وسيرة المسلمين عبر التاريخ والثوابت في الأحكام والعقائد.. وكذلك الأحاديث المتواترة والصحيحة الصريحة في معانيها، في مجال تفسيرها للقرآن الكريم، وكما نعلم أن القرآن الكريم اكتفى بذكر الأصول والمعالم الكلية في الكثير من المجالات، ولابد من التعرف على تفصيلاتها من الثوابت والأحاديث المعتبرة، فالقرآن الكريم وإن كان المصدر الأول والرئيس، ولكن لا يمكن للمسلم التنكر للثوابت والأحاديث، كما أكدت على هذه الحقيقة الكثير من الأحاديث أمثال حديث الثقلين، ومنعت من الاستقلال بتفسير القرآن الكريم من دون الرجوع للمعصومين (ع)، واعتبرته من معاني التفسير بالرأي، ومن العمل بالظن المنهي عنه، وسنذكر ذلك كله.
عنوان أسئلة المفسر ومدى تأثيرها: وأما بالنسبة لأسئلة المفسر: فقد ذكر غادامر أن عملية التفسير تبدأ من سؤال يطرحه المفسر لأنها حوار بين المفسر والنص، وهذا السؤال ينطلق من ثقافة المفسر وأفقه الفكري، الذي تملأه الخلفيات والأحكام المسبقة وربما تحدد الجواب والمعنى بحدود الأسئلة، فيلاحظ عليه:
أـ أننا لا ننكر تأثير أسئلة المفسر، وقد ذكرنا مدى تأثير أسئلة المفسر وتوقعاته من النص، فإذا كان قصده التأثير الصحيح للأسئلة والتوقعات أي طرح السؤال والموضوع على النص لاستخراج رأيه منه، فهو رأي صحيح، والملاحظ أن هذه الأسئلة تنشأ من ثقافته واهتماماته، حيث يطرح موضوعات على النص ليعرف معالجتها وأجوبتها منه، كما لو بحث عن رأي القرآن الكريم في الاشتراكية أو الرأسمالية ، وإذا لم تكن له معلومات مسبقة عنهما لم يبرز السؤال في ذهنه، ولم يطرح هذا الموضوع على القرآن، ولذلك اختلفت كتب التفسير في بحوثها كاختلاف تفسير الميزان عن تفسير مجمع البيان ، لاختلاف الأسئلة والموضوعات المطروحة على القرآن حسب اختلاف ثقافة المفسرين واهتماماتهم ، ولكن السؤال لا تأثير له في محتوى النص، ولا يفرض معنى وتفسيراً عليه ، وإنما يستخرج المعنى من النص، فإن الجواب يخرج من النص لا من السؤال، والسؤال جاء من خارج النص ومن معلومات المفسر، وسنذكر أن التعرف على رأي النص كالقرآن على بعض المسائل يتوقف على استنطاقه.
ب ـ لا شك أن المعرفة الدينية في بعض المجالات تنشأ من أسئلة العلماء على النصوص، ولكن ليس ذلك قاعدة عامة، وأنه إذا لم يوجد سؤال فلا يوجد فهم ومعرفة، وهذا مخالف للوجدان والواقع الخارجي، وقد ذكرنا إشكال بعض الغربيين على غادامر بعدم شمولية توقف الفهم على الأحكام المسبقة ، فكثيراً ما نفهم محتوى النص دون أسئلة أو معلومات أو توقعات مسبقة، كما لو رأينا ورقة مكتوبة ، أو دخلنا مكتبة وأخذنا كتاباً منه، دون آن نحمل أي معرفة مسبقة عنه، أو نقرأ آية قرآنية فنفهم المعنى، ونستخرج منها تفسيرات، دون أن يسبق سؤال أو توقع ، بل حتى معلومات مسبقة عن محتوى النص، فنرى أنه يبحث عن الاقتصاد أو الأخلاق أو مسألة رياضية، ونفهم المعنى منه، وذلك لأن الألفاظ تحمل المعاني بسبب الوضع وتمنح المعنى للمخاطب العالم بالوضع، فكل من قرأ النص إذا كان عالماً بالوضع، فتكشف له بعض المعاني وإن لم يسبقه سؤال أو تكون له معلومات عن محتوى النص.
جـ ـ ليست الأسئلة دائماً وليدة ثقافة العصر، أو إنها أسئلة مسبقة في ذهن المفسر قبل الدخول في النص، ففي بعض المجالات تكون قراءة النص بعمق سبباً في ولادة وطرح أسئلة وموضوعات جديدة لم تكن تخطر في ذهن المفسر قبل قراءته.
دـ ثم إن تأكيد غادامر على أن المفسر لو طرح أسئلة على النص فسوف ينطق النص ويتحدث معه، ويخرج ما فيه ، أو أنه يصحح أحكامه المسبقة وربما طرح النص بدوره أسئلة على المفسر، كل ذلك يدل على أنه يعترف لا شعورياً بوجود معنى مستقل ومعين للنص ليقوم بهذه المهام فكيف ينكره ، وربما دل ذلك على أن الإنسان يشعر بوجدانه بوجود معنى معين للنص.
توقعات المفسر من النص ومدى تأثيرها:
وأما ما ذكر من تأثير توقعات المفسر في التفسير فمثلاً ربما كان توقع وتصور المفسر عن القرآن الكريم أو السنة الشريفة أنهما يبحثان عن أحكام المكلفين بخصوصياتها، في كل لحظات حياته، لذلك من خلال قراءته للنص لا ينتبه لوجود القواعد والمبادئ العامة فيه، أو أنه يبحث عن الدنيا لا الأخرى، وهذا كله يؤثر في فهمه.
ولكن يلاحظ عليه: نحن لا ننكر تأثير ذلك في عملية التفسير، لذلك على المفسر محاولة التجرد الموضوعي حين البحث، وهذا ممكن، بالإضافة إلى أنه خلاف الواقع، فإن هناك الكثير ممن يدخل النص القرآني مثلاً متصوراً ومتوقعاً أنه يبحث عن الدنيا فحسب ثم يتوصل بعد القراءة والبحث أنه يبحث عن الدنيا والآخرة، فلا يتحدد تفسيره بتوقعاته، بل ربما فهم من النص ما يخالف توقعاته أو بما هو أوسع أو أضيق منها.
ميول المفسر ومدى تأثيرها:
وأما ما ذكر من تأثير ميول المفسر ورغباته، وأنه لا يمكنه التخلص منه، فهو غير صحيح، إذ لو كان كذلك فلا يفهم أحد من النص أو الموقف ما يخالف رغباته، مع أن الكثير يتلقى أو يفهم من النصوص والأعمال ما يخالف رغباته، بل ربما أثر النص في تكوين رغبات معينة لم تكن موجودة فيه قبل قراءة النص أو العمل.
معتقدات المفسر ومدى تأثيرها.:
وأما ما ذكر من تأثير معتقدات المفسر وتراكماته الأيديولوجية في تفسيره وأنه يتحدد بحدود قناعاته، ولا يمكنه التجرد الموضوعي عنها، فيكون تأثيرها جبرياً وإذا كانت منحرفة فتؤثر في انحرافه، لذلك لابد من تصحيح المعلومات والأحكام والتوقعات والأسئلة المسبقة قبل دخوله في عملية التفسير، فيذهب إلى أن ما هو من مقدمات وشرط لقبول الدين، هي بنفسها شروط لفهمه.
ويلاحظ عليه :
1ـ نحن لا ننكر ذلك عند البعض، ولكن الكلام في إمكان التجرد الموضوعي عن تلك الخلفيات فإنه ممكن كما قلنا أن روايات النهي عن الظن، والتفسير بالرأي كما تدل على وجود هذه الحالة، كذلك تدل على إمكان التجرد عنها، وخاصة مع تفسير الظن المنهي عنه في القرآن الكريم بالمعتقدات الجازمة، لأنه أطلق الظن قرآنياً على معتقدات الجاهلية، والبعض منها كانت جازمة. وأما تفسير الظن بالاحتمال الراجح فهو معنى منطقي مستحدث ويشترط في متعلق النهي القدرة، فيمكن للإنسان من خلال الأدلة المحكمة زعزعة ذلك اليقين أو الظن الذاتي الباطل.
2ـ ويدعم ذلك أن الكثير من الباحثين غير المسلمين يفهم من النصوص الإسلامية بعض تعاليمه ومبادئه ولو بالفهم العام، وعلى ضوء هذا الاستدلال يجب أن لا يفهم منه ذلك، حيث أنه يؤمن بمبادئ ومعتقدات وتعاليم أخرى ولم يحاول تصحيحها ، فإن من مقدمات وشروط قبول الوحي الإيمان بالله وبنبوة النبي وبصدقه وعصمته وأمثالها، ولكن نلاحظ أن من لم يؤمن بهذه المعتقدات فإنه يمكنه فهم النص الديني كالقرآن والسنة وإن كان من الفهم العام.
نعم فهم القرآن والسنة بمرتبته العالية شرط الإيمان، ولكن هناك فهم عام ومشترك بين المسلم وغيره، لذلك يفهم غير المسلم رأي الإسلام في بعض القضايا كالبيع والشراء والتوحيد وأمثالها، وإنكار ذلك خلاف الوجدان.
3ـ ونسأل كيف فهم أهل الجاهلية القرآن الكريم وتعاليمه وسنته فهماً صحيحاً، حتى دخلوا في الإسلام وتخلصوا من تراكماتهم الثقافية والعقائدية، ولماذا كان يمنعهم المشركون من سماعه، وكيف يؤمن اليوم الكثير بالإسلام من خلال قراءة النصوص الإسلامية متجردين عن تراكماتهم الأيديولوجية.
4ـ القرآن في أكثر آياته يوجه خطابه لعموم الناس (يا أيها الناس، يا أيها الإنسان) ويخاطب الكفار (أفلا يتدبرون القرآن) وهذه وغيرها تدل على أن الجميع يمكنه التدبر في القرآن وفهمه ، كما أن القرآن أرسل لهداية الكفار وغير المسلمين ، وهو متوقف على فهمهم له ، بالإضافة إلى أنه معجزة ولا يعلم مدى إعجازه إلا من خلال فهمه.
وأما المراد من (بطون القرآن) إما المعاني الطولية، أو المدلولات الالتزامية، أو غيرها كما سنشير إليه، وإما المعاني العرضية المتخالفة فليس هو المراد منها، بل هذا ينفيه القرآن نفسه، بحيث تكون جميع المعاني المتخالفة مشروعة وحقة والقرآن يصرح بنفي وجود الاختلاف فيه.
والملاحظ أن بعض الكتابات في تجديد الفكر أ العقل الإسلامي والتي تؤمن بأمثال هذه الآراء في فهم النص وتأثير الخلفيات، تدعو إلى تجريد الباحث نفسه، والتخلص من التراكمات الأيديولوجية التي علقت في أذهان المسلمين خلال العصور ليقرأ النص القرآني خاصة قراءة مجردة موضوعية ، وبذلك ربما فهم منه بعض المفاهيم والآراء المخالفة للآراء التراثية.
وهذا الرأي يدل على إمكان تجريد الباحث قراءته موضوعياً عن التراكمات الأيديولوجية، ولكن هذا الرأي ليس صحيحاً على إطلاقه، فإن هناك الكثير من الثوابت، كضروريات الدين ومسلماته ولكن بعد إثبات ضروريتها تكون معياراً لتفسير الباحث ويجب مقارنة الخلفيات معها كما ذكرنا، ولا يصح إسلامياً التجرد والتحرر منها.
الملاحظة الرابعة: النظرية والجبرية:
مع ذهاب هذه النظرية إلى خضوع الإنسان جبريا لأحكامه وآرائه المسبقة تجعلها من نظريات (الجبرية)، كما أشار لذلك بعض الغربيين أيضاً ويلاحظ على ذلك:
أ- يمكن التخلص من تلك الأحكام المسبقة، والتجرد الموضوعي عنها في التفسير، ليصل لقصد المؤلف أو الشارع من خلال القواعد والأساليب اللغوية والعرفية والعقلائية في فهم النصوص، لان المؤلف كتب النص على ضوء هذه القواعد، ويدل على ذم التأثر بالخلفيات، وامكان التجرد منها أدلة النهي عن التفسير بالرأي، ولذلك بعث الشرائع والأنبياء كدليل على التمكن من التخلص من الخلفيات، وان احتاج إلى بعض التمرين والمشقة وخاصة لبعض النفوس التي تحكم فيها الانحراف والجاهلية أو أحكام مسبقة معينة.
ب- ولا شك بوجود التفسيرات المشتركة لبعض النصوص الدينية وغيرها عبر التاريخ، رغم اختلاف ظروف المفسرين دليل على نفي الجبرية في التفسير.
ج- ما ذكره غاد امر من تاريخية الفهم وان للنص التاريخي تفسيرات تراثية تقليدية متعددة عبر التاريخ انتقلت لوعي المفسر وتؤثر في تفسيره، فهذا لا يشمل جميع الأعمال والنصوص، فالكثير منها لم تمر بهذه التجربة التاريخية، بالإضافة لما ذكرناه، حتى لو مرت بها، فيمكن التجرد الموضوعي عنها.
الملاحظة الخامسة: عدم توضيحه للأحكام والآراء المسبقة الصحيحة وغير الصحيحة:
أشار غاد امر في بعض كتاباته إلى ان بعض الأحكام والآراء المسبقة مولدة للفهم ولصحة التفسير، وبعضها تؤدي لسوء الفهم وخطأه، ولكنه لم يطرح معياراً للتمييز بين هذين النوعين من الأحكام والآراء المسبقة حتى يمكن من خلاله التخلص من تأثير الأحكام المسبقة التي تؤدي لسوء الفهم، بل انه أكد في نظريته انه لا يمكن طرح المعيار الثابت يمكن فهمه فهما ثابتاً - كما وضحناه.
"الملاحظة السادسة:
ما ذكر من إشكال الدور أو التسلسل، فإنه لو كان كل فهم وتفسير للنص متوقفا على معلومات مسبقة عنه، فإن المعلومات السابقة أيضاً متوقفة في فهمها على معلومات سابقة عليها، وهكذا، فيلزم التسلسل.
وإذا قلنا ان المعلومات السابقة متوقفة على اللاحقة واللاحقة على السابقة فيلزم الدور، وبما ان الدور والتسلسل باطلان، فالرأي المتوقف على الباطل باطل، إذن فليس هذا التوقف ضرورياً، لأنه يمكن التجرد عنه ولو في بعض المجالات. وإن كنا لا ننكر تأثير بعض المعلومات والأحكام المسبقة في بعض عمليات الفهم والتفسير بالمعنى الصحيح، كما ذكرناه. وقد فقد اعترض الغربيون أنفسهم على الهرمنيوطيقا الرومانسية، لشلايرماخر وديلتاي بإشكال الدور كما أشار لهذا الإشكال أيضاً شلايرماخر، واننا دائماً في عملية التفسير نتعرض لنوع من الدور، نريد أن نفهم عملاً أو نصاً لمؤلف أو فنان، فلابد أن نعرف مراحل وخصوصيات جميع حياته ـ كما وضحنا هذه الفكرة ـ ولأجل التعرف على حياته، لابد أن نتعرف على أعماله، لأن أعماله من أهم المصادر لمعرفة حياته. ومن جملة أعماله العمل أو النص الذي نريد فهمه، ففهم النص أو العمل والتعرف عليه متوقف على معرفة حياته، ومعرفة حياته متوقفة على معرفة العمل، وفهمه وهذا هو الدور، ونظيره يتوجه على الهرمنيوطيقا الفلسفية.
الملاحظة السابعة:
لابد من الفرق بين أقسام النصوص والمدركات في مدى إمكان تطبيق هذه النظرية من الحوار الجدلي والتأثر بالخلفيات، فإن المدركات والنصوص على قسمين، فبعضها تعبر عن البديهيات أمثال المحسوسات والتجريبات والمتواترات والوجدانيات وأمثالها، والبعض الآخر، مدركات ونصوص تعبر عن معلومات نظرية معقدة، ولا تقبل الفهم ببساطه، ولا يفهمها القارئ لأول نظرة، وفيها نوع من الإبهام.
والقسم الأول: لا يلقي المفسر في حركة حوار جدلي أولا يحتمل فيه تأثير الخلفيات وإنما يكفي معرفة اللغة لتفهم، ولا تحرك الذهن للسؤال والجواب، فإذا رأى كتابا، فلا يحق لـه ان يقول انه قلم، نعم في التوصل لمراتب عميقة من الفهم غير المعنى الظاهر يحتاج لحوار جدلي ولمعلومات أخرى لوجود نوع من الإبهام فيها، وأما القسم الثاني، فيحرك ذهن المفسر، ويدخله في حوار جدلي ومن هنا يحتمل فيه تأثير الخلفيات.
وكذلك النصوص، وسنذكر اقسام النصوص في موضوع القراءات المتعددة، فإنها تختلف من حيث الهدف من قراءتها، فبعضها يكون الهدف منها (فهم قصد المؤلف) كالنص الديني، وبعضها لا يقصد منها ذلك. كالعمل الأدبي والفني، بل كل قارئ يفهمه حسب إيحاءاته ومشاعره.
وما يطلب فيه قصد المؤلف لا تكون لـه تفسيرات متعددة لا نهائية، لأن البحث عن قصده من طبيعته ان يقلل من تعددها، وعلى تقدير وجود التفسيرات المتعددة اللانهائية، فليست جميعها مشروعة وصحيحة، بل ما يوافق قصد المؤلف، ومجرد امكان تعدد القراءات، لا يعني صحتها ومشروعيتها، ولا يغير الهدف من قراءته، أي الوصول لواقع قصد المتكلم.
وقد كتب النص وفق قواعد لغوية ولسانيه معينة، فالنص مؤلف منها، ولها معاني ظاهرة حسب الضوابط الدلالية ولأجل ذلك لا يسمح النص لوجود تفسيرات متعددة لا نهائية، حيث ان المفسر من خلال التعرف على تلك القواعد يحاول التوصل لمعناه، إلا إذا قلنا بالتحرر من جميع القواعد والضوابط اللغوية والدلالية، وتفسير النص حسب مختلف الاحتمالات والظنون والأهواء فيمكن التوصل لمعاني متعددة، حتى لو كانت مخالفة للنص أو الظاهر من اللفظ، ولكن المفروض انه لا يقبل مثل هذا التحرر المطلق. والأخذ بالاحتمالات البعيدة، لذلك فإن بعض علماء الغرب أمثال (هيرش) خالف غادامر، وانتقد التأويلية المعاصرة، وذهب ان للنص معنى واحداً معينا هو المطابق لقصد المؤلف.
فالإشكال انما يتوجه في تعميم نظرية غادامر أو تعميم فهم العمل الأدبي والفني لكل أنواع النصوص والأعمال.
لذلك يمكن القول: إن هذه النظرية لا تتطابق والواقع الخارجي، وواقع النصوص والمدركات، فإذا كان قصدها (الأخبار) عن الواقع، وان كل تفسير خاضع وربما جبريا لخلفيات المفسر وليس هناك تفسير ثابت، ولا أهمية لقصد المؤلف: فهناك الكثير من البديهيات الدينية وغير الدينية لا تقبل التعددية، ففي الدين توجد ضروريات وتفسيرات مشتركة، تعتبر عند المتدينين، مقومة للدين رغم اختلاف ظروفهم ولا يقبلون التفسيرات المخالفة لها، بل لا يرون من لا يلتزم بها مؤمنا بهذا الدين، وأما إذا كان قصدها، دفع الآخرين للعمل بها، فلا مبرر لـه، لان لقصد المؤلف أهمية كثيرة، وخاصة في بعض النصوص، وفي الواقع الخارجي، فإن البشر، يحاولون من قراءة الكثير من النصوص والمواقف التوصل لقصد فاعلة لا لفرض معنى عليه، وإلا إذا كان المطلوب معرفة الخلفيات، فلا يقدم على قراءته، هل ليتعرف على خلفياته أو لتحريفه حسب خلفياته بل انه مع القول بالتأثر بالخلفيات لا مبرر للسؤال من النص، فإنما يطرح السؤال، للتعرف على قصد المؤلف، وأما إذا كانت الأسئلة هي التي تفرض المعنى على النص، فهذا مصطلح جديد لمفهوم السؤال.
إذن فالكثير من آراء هذه النظرية، كما أنها لا تملك دليلاً محكماً فإنه لا يمكن فرضها على ارض الواقع، وواقع المفسرين ومقاصدهم.
الملاحظة الثامنة: عدم ملاءمتها مع الروح والمبادئ الدينية.
إن هذه النظرية في تعميمها للنص الديني أو الإسلامي وبمعناها المتطرف لا تتلاءم مع مبادئ وأهداف الأديان والشريعة الإسلامية.
1ـ إن الأديان والإسلام تؤمن (بمحورية المؤلف) في مجال تفسير النص الديني، لا (بمحورية المفسر) كما تدعيه هذه النظرية أي أن المفسر يحاول التعرف على تعاليم السماء من خلال نصوصه، لأنها هي التي أرسلها الله لطفاً للبشر لتكاملهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، بعد القول بعدم تمكن البشر من جعل الشريعة المتكاملة، لما نذكر من عوامل لضرورة احتياج البشر للوحي، وعدم كفاية العقل والحس في ذلك، فالمطلوب فهم تلك المعاني والتعاليم من النصوص الدينية، فإذا لم يمكن فهمها ولا يفهم الإنسان إلا معاني ممزوجة بخلفياته، فكيف يمكن إيصال تلك التعاليم، وليس المطلوب المعرفة الممزوجة بخلفيات المفسر وأحكامه المسبقة.
2ـ ويدل على ذلك نهي الإسلام عن التفسير بالرأي الذي يعني في بعض معانيه، فرض المفسر أحكامه المسبقة وخاصة الظنية على النص فتدل على ذمه، وإمكان التجنب عنه وإلا لو لم يكن ممكنا لم يتعلق به النهي. بينما تذهب هذه النظرية إلى أن التفسير بالرأي هو جبري بل هو المطلوب.
3ـ إن الأنبياء إنما أرسلوا لإبلاغ تعاليم معينة، فإذا لم تفهم فلا مبرر لإرسالهم وكلامهم، وكذلك فإن خضوع الإنسان جبريا لخلفياته أو أنه التفسير المشروع، لا يناسب وهدف الشرائع، من هداية البشر، فإن عجز الشارع القدس عن إيصال تعاليم، أو عجز البشر عن فهمها لا يتناسب وهذا الهدف.
كما أننا نعلم أن القرآن الكريم والرسول(ص) كافح عبادة الأوثان وإذا لم يكن هناك معيار لترجيح تفسير على آخر، وليس هناك تفسير هو الصحيح دون غيره، فلا يبقى مبرر لمكافحتها، وذلك لأنهم يعتقدون أن هذه قراءتهم لعبادة الله، وأنها تقربهم إلى الله زلفى{و الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} فلا مبرر لتخطأتهم مع صحة كل قراءة للدين متأثرة بخلفياتها، فتكون للوثنيين قراءتهم عن الله، وللنبي قراءته، وليس هناك معيار لتقديم قراءة النبي على قراءتهم، ولا تقبل الأديان والإسلام هذه النظرة.
وربما ترتب عليها تبرير مشروعية تلك التيارات والخلفيات الجاهلية، بينما جاءت الأديان لإصلاحها أو تغييرها أو لمحاربتها، وتقييمها بمعيار موافقتها لتعاليم السماء.
4ـ وعلى هذه النظرية لابد أن يكون لكل زمان ومكان، بل لكل شخص قراءة للدين والنصوص الدينية، فيكون لكل عصر، دين أو شريعة أو قراءة جديدة لذلك الدين، ولأجل ذلك لابد أن تتغيّر المفاهيم والمعتقدات الدينية في كل عصر، وسنذكر آثار هذه النظرية أكثر في موضوع القراءات المتعددة والتيارات المعاصرة.
5ـ ان الكثير من الآيات والأحاديث الشريفة تخالف هذه النظرية حيث تعبّر عن القرآن انه نور وفرقان وبيان وهادي وشفاء وموعظة وذكر، ومبين وتأمر بالتمسك به، واخذ الأحكام منه وعرض الروايات عليه والتأمل والتدبر فيه وأنه سبيل هداية، ويخرج الناس من الظلمات إلى النور وغيرها من الخصائص التي لا تتلاءم مع هذه النظرية، فإذا لم يكن لـه معنى معين يريد إيصاله أو لا يمكن الوصول لقصد الشارع، أو لا يفهم منه إلا خلفيات المفسر، فلا يتلاءم أنه نور ومبين وطريق هداية مع النسبية والشك ،وإذا لم يكن لـه معنى معين، فكيف تعرض عليه الروايات والمبادئ لتقييمها.
وإذا لم نفهم من القرآن إلا خلفياتنا، فما معنى الآيات والروايات التي ترجع للقران والسنة فإن معناه اتباع خلفياتنا، بالإضافة إلى أنها لا تتلاءم مع واقع القرآن فهناك الكثير من المحكمات والنصوص الواضحة والصريحة ودليله وجود المشتركات في التفسير عبر التاريخ بين المتدينين، وان وجدت متشابهات ونصوص مجملة فهي قليلة.
قال أمير المؤمنين(ع): (من زعم أن كتاب الله مبهم فقد هلك واهلك).
6- على هذه النظرية لا مبرر لتخطئة بعض التفسيرات والآراء، لأن كل واحد يفهم حسب خلفياته، وكلها مشروعه، وليس للنصوص فهم واضح معين، ولكن هذا لا يتلاءم مع تأكيد القرآن على فهم معانيه، وذم التفسير بالرأي، وذم البعض ممن يتبع ما تشابه عليه بأن يفرض على القرآن خلفياته {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله} وكذلك سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) والأئمة عليهم السلام والأحاديث الكثيرة في رد الكثير من التفسيرات والآراء الخاطئة والباطلة للنصوص الدينية، أو القرآنية، أو الحديثية سواء من المسلمين أو غيرهم، وسواء كانت مغرضة أو متعمدة أو لم تكن.
7- إن العقيدة والالتزام والإيمان الديني والمعرفة الدينية، لها الكثير من الآثار الفاعلة في الإنسان في الدنيا فضلا عن الآخرة.
وهي متوقفة على اليقين، والوصول لقصد الشارع المقدس وتعاليم معينة. من خلال سلوك الطرق والأساليب العقلائية المتعارفة في فهم النص، والتي استخدمها الشارع أو أي مؤلف في نصه، ومن خلال تجنب التفسير بالرأي، ورفض نسبية المعرفة، ولكن هذه النظرية لا تعترف، بل تناقش هذه المبادئ حيث تؤكد على ضرورة التفسير بالرأي وتاريخية الفهم، والتغير الدائم فيه، وعدم وجود المعيار لتمييز القراءة الصحيحة عن غيره، وعدم وجود المنهج، وعدم إمكان الوصول لفهم معين هو المطابق لقصد الشارع، ونتيجة ذلك كله هو الشك المطلق واللاادريه، وعدم امتناع التناقض، وتزعزع الإيمان والروح والمعرفة الدينية المتوقفة على اليقين والإيمان بمعالم وأسس ومعتقدات وتعاليم دينية معينة ثابتة.
8- سنذكر إننا لا ننكر تعدد التفسيرات للنصوص. إذا كانت بنحو الطولية أو بنحو البطون، كما سنذكر تفسيرها. وأنها معان مشتركة ومتواقفة مع المعنى الظاهر للنص، أو أنها من لوازمه أو مدلولاته الإلتزامية لا يتنافى أحدها مع الآخر - ويتكامل بها المعنى الظاهر، ولا يعرض بسببها عن الظاهر، فمثلاً لفظ الشمس في القرآن الكريم، فإن معناها الوضعي واللفظي هو معروف، وهو معنى واحد لا يتغير حسب الظروف، ولكن حقيقة الشمس وتركيباتها، وكذلك لوازمها ومعطياتها وآثارها على الكائنات الحية وغير الحية، فربما تعددت وتطورت واختلفت حسب تغير أو تطور البشر، ومثل هذه التعدد والاختلاف في التعرف على حقائق الأشياء أو لوازمها لا يمكن إنكاره، ولكن التعدد والاختلاف في معناه فغير صحيح.
وربما اشتبه الأمر على البعض، فخلط بين التعدد في المعنى المباشر والتعدد في الحقيقة واللوازم، أو التوصل لأدلة جديدة وعميقة لمحتويات النص، ومثل هذه التعددية في غير المعنى المباشر ممكنة ومشروعة للمعتقدات والأحكام حتى الضرورية واليقينية منها، وكذلك ربما فهمت من الآية الشريفة مفاهيم وتفسيرات متعددة عرضية ولكنها غير متعارضة، لان كلاً من في موضوع غير موضوع الآخر، والتعارض يشترط فيه وحدة الموضوع، كما لو فهم من الاية حكم فقهي، ومعنى أخلاقى - وعقائدي وقضية اجتماعية، من قبل المفسرين المتعددين - او كان التعدد حسب التعمق او التطور العلمي، ولكن كل منها لا يلغى ولا ينفي الآخر وكلها صحيحة بشرط عدم مخالفتها لسائر الآيات وللأحكام والتعاليم الإسلامية الثابتة فهذه التعديدة في القراءات والتفسيرات ممكنة صحيحة ومشروعة.
ولكن ننكر التفسيرات والآراء العرضية المتعارضة والمتعددة لها فمثلاً يمكن أن نفهم لوجود الله وصفاته، أو لوجوب الصلاة، أدلة او ايحاءات جديدة وعميقة، ولكن لا يصح التعددية العرضية للتفسيرات، بأن يصح رأي القائل بوجوب الصلاة، والرأي القائل بعدم وجوبها، وكذلك بالنسبة لوجود الله وصفاته، فلا يصح القول بصحة من يؤمن بها ومن ينكرها، فهذه التفسيرات باطلة بوضوح, لأنها تؤدي لاجتماع النقيضين، ولا يتقبلها كل مسلم فضلاً عن الباحث، نعم نعترف بوجود التفسيرات والاجتهادات العرضية المتعارضة في النصوص المجملة، وكذلك في المسائل الخلافية غير الضرورية واليقينية والاتفاقية. كالخلاف في بعض الفتاوى الفقهية أو المسائل العقائدية غير الرئيسية، ولكن بشروط الاجتهاد الصحيح كما سنذكرها، وبما أنها متعارضة فلا يمكن ان تكون جميعها صحيحة بل الصحيح هو التفسير المطابق للواقع.
وكذلك نعترف باكتشاف معلومات جديدة من النصوص الإسلامية من خلال طرح الأسئلة أو الموضوعات الجديدة على النصوص، ومعرفة رأيها، وسنذكر أن النصوص ربما نطقت ببعض المعلومات بصراحة أو بوضوح، تتضح لكل من قرأها وعرف اللغة وبعض القواعد والأساليب.
ولكن هناك معلومات، لا تنطق بها، إنما لابد من استنطاقها، أي طرح الموضوع على النص القرآني مثلاً لمعرفة رأيه من خلال ظواهره والجمع بين الآيات والربط بينها وأمثالها، وسيأتي توضيح ذلك كله.
وسنذكر ملاحظات أخرى على التأويلية الفلسفية، بما يتعلق منها بالدين والإسلام والنصوص الدينية والإسلامية وآثارها في هذه المجالات، وخاصة في موضوع القراءات المتعددة، لأن نظرية القراءات تعتمد كثيراً على الهرمنيوطيقا الفلسفية وتشترك معها في الكثير من العوامل والمعالم والنتائج.
الهوامش:
(1) ساختار وهرمنوتيك ص61.
(2 ) ساختار وهرمنوتيك ص61.
(3) نصيات بين الهرمنيوطيقا والتفكيكية ص61.
(4 ) هويت علم ديني: 78.
(5 ) إشكاليات القراءة: 20.
(6) الفلسفة والتأويل: 12،7.
(7 ) إشكاليات القراءة: 13.
(8) إشكاليات القراءة: 21.
(9) ن.م.
(10) المعجم الفلسفي 1/628.
(11) نقلت أكثر هذه النصوص في توضيح آراء شلاير ماخر من كتاب إشكاليات القراءة وآليات التأويل : 21 فما بعدها.
(12) إشكاليات القراءة: 24.
(13) مدخل جديد إلى الفلسفة: 288.
(14) إشكاليات القراءة: 24.
(15) إشكاليات القراءة.
(16)إشكاليات القراءة: 31.
(17) إشكاليات القراءة: 31.
(18) إشكاليات القراءة: 35.
(19) إشكاليات القراءة: 36.
(20) ساختار وهرمنوتيك: 95.
(21) إشكاليات القراءة: 38.
(22) الفلسفة والتأويل: 56.
(23) هرمنوتيك مدرن :210-220.
(24) ساختار تأويل متن 2/573.
(25) نصيات: 54.
(26) ن.م: 55.
(27) الفلسفة والتأويل: 66.
(28) مباني معرفت ديني: 179.
(29) ساختار وهرمنوثيك: 101، وإشكاليات القراءة: 40، هرمنوثيك مدرن: 208-210.
(30) ويعبر عنها غادامر بالأحكام أو الآراء المسبقة ويمكن أن نعممها لما ذكرناه من خلفيات ومعلومات وأسئلة وتوقعات مسبقة على فهم النص.
(31) هرمنوثيك مدرن 208-210، ساختار وهرمنوثيك: 110.
(32) إشكاليات القراءة: 41.
(33) هرمنوتيك مدرن: 94.
(34) إشكاليات القراءة: 42.
(35) ساختار وهرمنوثيك:101.
(36) إشكاليات القراءة: 42.
(37) الفلسفة والتأويل: 58.
(38) نصيات: 54.
(39) إشكاليات القراءة: 44.
(40) ساختار وهرمنوثيك: 124.
(41) حلقة انتقادي: 258.
(42) ن.م: 269.
(43) حلقة انتقادي: 129.
(44) ساختار وتأويل متن: 591.
(45) المعجم الفسلفي: 2/467.
(46) مدخل جديد الى الفلسفة، عبد الرحمن بدوي ص 122.
(47) نفس المصدر: ص 124.
(48) نفس المصدر: ص 167.
(49) المعجم الفلسفى: 2/467.
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق