دلالةُ الألفاظِ والأصْوات عند علماء العربية ابن جنّي نموذجاً
د. أيّوب
جرجيس العطيّة
إن من أهم
الموضوعات التي يتناولها فقه اللغة دراسة الألفاظ،والألفاظ ذات جانب صوتي بما
فيه من صفات و مخارج و تأثيرات ، و جانب معنوي من حيث دلالته على معنى معين ، و
بين هذين الجانبين يبرز جانب ثالث ، ألا وهو علاقة الألفاظ بالمعاني . ونتيجة
لأهمية هذا الجانب أصبح علماً مستقلاً بعد أن كان فرعاً من فروع فقه اللغة ، و
يعرف ب( علم معاني الألفاظ ) أو ( علم الدلالة ) .
إذن فعلم
الدلالة يدرس علاقة الألفاظ بالمعاني ، و تطور الألفاظ واتساعها للتعبير عن معان
جديدة بوسائل كالتعميم و التخصيص و الرقي و الأنحطاط ، وما يخضع لهذا التطور من
أسباب لغوية واجتماعية و نفسية ، و قلنا :إنّ للصوت دلالة و للفظ دلالة و كذا
التركيب أو الجملة في العربية لها دلالة ، و سنتحدث عن هذه الجوانب الثلاثة ثم
نتحدث عن الدلالة و المقام .
أولاً : دلالة الأصوات :
لم يخف على
علمائنا الأقدمين أن اللغة (( هي أصوات يعبر بها كل قوم عن أغراضهم )) ، فلما
اهتموا بدراسة هذه المادة اللغوية الصوتية عرفوا لكل حرف صوته صفة و مخرجاً ، كما
عرفوا له إيحاءه دلالة ومعنى .
و أشهر من
اهتم بدراسة الألفاظ و الأصوات و دلالاتهما هو ابن جني في كتابه الخصائص ، و تحدث
عن أصل اللغة : إلهام أم اصطلاح ، و يذهب أن القوا بأصل اللغة هو من الأصوات
المسموعة مقبول عنده بالرغم من تردده بين
هذا الرأي و الرأي القائل بالتوقيف .
وأشار الى
دلالة الأصوات في تضاعف كلامه عن اللفظ و المعنى و منها :
و مما وقع في
أول الكلمة : (( صعد و سعد )،
فجعلوا الصاد لأنها أقوى لما فيه أثر مشاهد يُرى ، وهو الصعود في الجبل و الحائط ،
ونحو ذلك ، و جعلوا السين لضعفها لما لايظهر ولا يشاهد حساً ، إلا أنه مع ذلك فيه
صعود الجد ، لا صعود الجسم ... فجعلوا الصاد لقوتها فيما يشاهد من الأفعال
المعالجة المتجشمة ، و جعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين )).
و من ذلك
قولهم : (( خضم و قضم فالخضم الأكل الرطب كالبطيخ و القثاء ، وما
كان نحوهما من المأكول الرطب ، و القضم للصلب اليابس نحوقضمت الدابة شعيرها)) ،
فالقاف أقوى من الخاء لذا جعل للشيء اليابس أو القوي و الخاء أضعف فجعل مع الشيء
الرطب .
و من ذلك (( سدّ
و صدّ ، فالسدّ دون الصدّ ، لأن السد للباب يُسدُّ و النظرة و نحوهما ، و
الصد جانب الجبل و الوادي و الشعب ، و هذا أقوى من السد الذي قد يكون لثقب الكوز و
رأس القارورة ونحو ذلك)).
1ـ تكرار
الحرف في اللفظ يقابله تكرار الحدث في الواقع . قال : (( و ذلك أنك تجد الصاد
الرباعية المضعفة تأتي لتكرير نحو : الزعزعة و القلقلة و الصلصلة و الجرجرة ...
فجعلوا المثال المكرر لمعنى المكرر )) .
2ـ توالي الحركات في الأفعال يقابل تواليها في الحدث
يقول : (( و وجدت أيضاً الفَعَلى في المصادر و الصفات ، إنما تأتي للسرعة نحو :
البَشَكى و الجَمَزى و الوَلَقى ، فجعلوا المثال الذي توالت حركاته بالأفعال التي
توالت الحركات فيه )) .
3ـ ـ تكرار العين في الفعل
يقابل تكرار الحدث فقالوا كسّر ، و قطّع و غلّق و نحو ذلك ، و ذلك أنه لما جعلوا
الألفاظ دليلة المعاني فأقوى اللفظ ينبغي أن يقابل به قوة الفعل ، و العين أقوى من
الفاء و اللام ذلك لأنها واسطة لهما و قلما تجد الحذف في العين ، فلمّا كانت
الأفعال دليلة المعاني كرروا أقواها وجعلوه دليلا على قوّة المعنى المحدَّث به وهو
تكرير الفعل كما جعلوا تقطيعه في نحو صرصر وحقحق دليلا على تقطيعه .
5ـ إثبات أن
العرب تُقارِب حروف الألفاظ متى تقاربت معانيها"ومن ذلك قول الله سبحانه
وتعالى ]ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزاً ) أي تزعجهم
وتقلقهم ، فهذا في معنى تهزهم هزاً، والهمزة أخت الهاء ، فتقارب اللفظان لتقارب
المعنيين ، وكأنهم خصوا هذا المعنى بالهمزة ،لأنها أقوى من الهاء ، وهذا المعنى
أعظم في النفوس من الهز ، لأنك قد تهز مالا بال له (لاحراك)كالجذع ونحوه.." فيبقى
الأز المقرون بالإزعاج خاصاً بذي الحياة ، لأنه متعلق بالشعور وذلك ما أفادته
الهمزة وحدها.
وإذا كان
علماء العرب قد استشهدوا بالأمثلة السابقة على القيمة التعبيرية للحرف الواحد،
وهوصوت بسيط ، فماجاؤوا بالأمثلة تلك سدى لاجزافاً"بل اعتقدوا أن تقديم ماقدم
منها وتأخيرما أخر وترتيبها على نحو معين اسراراً مدهشة.
لا يوجد تعليقات
أضف تعليق